إضاءاتالعناوين الرئيسية

 سوق الكلام… أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

.

وقد أصبح للكلام سوق أيضاً، ثمة من يعرض بضاعته وثمة من يكتفي بالسؤال، وثمة من يعبّر صامتاً لا يلوي على شيء…

في سوق الكلام، لا فرق بين باعة الوهم وناطقي الحقيقة، فكلاهما في السوق معروضان، لكن من يبيع الوهم لعله يواسي أزمنته، ووقته المهدور دون جدوى، أما من انتظروا الحقيقة بأثمانها الباهظة فسيخرجون من السوق مترعين بالكثير من النسيان، والقليل من الذاكرة، فمثلاً مع ارتفاع الأسعار  وارتفاع موجة الحر، التي تأتي موجة إثر موجة وكأننا في بحر متلاطم أمواجه بشر وحر، سيبدو ركوب الحافلات شيئاً من الترف وما على الناس سوى العودة إلى الرياضة المُثلى وهي المشي، ففيها تكتشف من جديد الناس والأمكنة التي كان يراها المرء مجرد صور سريعة، فقد أصبح عند القاصي والداني أن المشي هو أم الرياضات لأنه يريك ما لم تره، لا سيما من يفترشون الطريق لا ليتوسلوا حفنة من النقود، بل يمارسون حياتهم وكأن بيتهم الذي ذهب قد أصبح هنا، طقوس وعادات، كأنها مقتطعة من فيلم سينمائي طويل، وفي مرئيات الشوارع صفحات من حيوات تقلبها الأعين ذات اليمين وذات الشمال، لعلها تعثر على حكايات لأزمنة قادمة، إذ لا تخوم بين البشر، لا حيطان عالية، إنه مدى يتسع لمن يتنفسون أحلامهم تحت شمس النهار القاسية، بل يطاردونها لتُمسك بهم قبل أن يندلقوا إلى هاويات سحيقة من الفراغ والقلق.

في سوق الكلام تبدو الثمار الوحيدة هي ما يستجديه المرء من حلو الكلام، إذ ليس بوسعه أن يشتري من فاكهة الصيف إلا حبات معدودة أشبه بدواء موصوف لأمراض عاجلة، ويبقى للباعة أن يعتذروا على طريقتهم ماذا سنفعل إذا كان السعر هكذا، فمن لا يحتاج لا يشتري، إذن سنتسلى بفاكهة الكلام فلا ثمن له محدد ولا فصل له وثماره ليست موسمية، بقدر ما يُنضجها المزاج الرائق، ليبدو البشر هنا مكتفين بما أمكنهم من القبض على أحلام النهار الضائعة.

في سوق الكلام وحده تُشترى الأحلام لكنها لا تُصرف إلا ببنوك النسيان بعد وقت لأن شأن الحالمين هو أنهم حالمون فحسب، وليس بوسعهم إلا أن يرجو الأحلام بأن تحلم عنهم، وأن تلتقطهم حيثما كانوا على قارعة حلم أو طريق أو كلام أو حتى لغة.

في سوق الكلام يتبادل الباعة في بورصة الضجر من حرائق الأسئلة سعر صرف جديد –دون رصيد- هي حاجة لترف آخر لا شأن سوى للسان فقط لأن يظل يردده لغواً دون أن تقدر الجيوب على أن تترجمه حقيقة، وتلك الواقفة هناك -على الأرجح- لن تجد من يسمعها على الرغم من أن صوتها يشق الأسماع: أريد إكمال ثمن فاتورة الدواء لأبنائي، وهي الفاتورة ذاتها التي ابتدأت منذ وقت طويل ولا أحد يعلم حتى اللحظة متى ستُغلق الفاتورة.

في سوق الكلام لكلٍ حكايته والعجيب في الأمر أنها ذات الحكاية التي تُروى بعشرات المرات في إخراج مُتقن، وتبديل قليل في معجم اللغة، والسؤال إذا كان الكل متحدثون من هو الذي يصغي حقاً، وكأنما الحاجة للكلام قد نقضت الحاجة إلى الإصغاء، لتبدو بقية من أشجار واقفة على الرصيف منذ الأزل هي من تصغي فتنحني أوراقها، وتسقط بقية من ثمارها في الشوارع المعتقة مضرجة بالصمت والخُذلان: لمَ لمْ يلتقطها أحد حتى لو كان عابر طريق أو عابر كلام، لتذبل وتمارس موتها كالعادة دهساً تحت أقدام المارة.

في سوق الكلام أصبح المُجدي هو الصمت أو بعض الصمت، كي يتمكن القلب من أن يعيد ترتيب نبضه لما تبقى من الحكاية وما تبقى من بشر لن يركبوا البحر أو يقتلعوا حلمهم من أمكنة مازالت تهزء بسوق الكلام، بضحكات خفية تعلو بصوتها الرياح، وتأخذها إلى حيث أرادت… إلى الذاكرة أو النسيان فحسب.

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى