رأي

“سلّملي” على التعايش .. عفواً العيش المشترك .. بشار جرار ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

عَـجِـزَت كُل فلاتر مارك زوكربيرغ ورفاقه في منصات التناحر غير الاجتماعي، عَـجِـزَت عن كف يد الأذى التي تحيل خانة التعليقات على البث المباشر للأحداث إلى سيل عرمرم من الشتائم التي لا تخلو مما يخدش الحياء ويقوّض الهمم والمعنويات ويزلزل أركان الإيمان بالمثل والرموز والقيادات العليا والثقة بمؤسسات الدولة.

لا كبير عند رُعاعٍ تقودهم ثقافة القطيع ولا مقدس عند حُثالةٍ من الجهلة المتخمين فوق جهلهم بخيلاء الحمقى وكبر الطغاة.

ولأننا كلنا بشر، استوى الجميع أمام هذا الداء أو الابتلاء، فبحكم المهنة أتابع على الأقل ما يبث بست لغات أربع منها عبر تطبيق الترجمة، فلا أعرف سوى العربية والإنجليزية.

السوقية في الشتم والإتيان بفواحش الادعاء والتفاخر والسعي إلى تعليق الناس ببعضها بعضا حتى لو أسفر ذلك عن توتر أو صدام لا تحمد عقباه.

فضائيات عدة، على اختلاف أجنداتها وتمويلها وجمهورها ولغاتها وحتى مهنيتها، لم تملك من أمرها شيئا في تنقية ما ينضح فيه إناء تعليقات المباشر.

ولكونه حدثاً مباشراً – كوارث طبيعية، مظاهرات، حروبا أو مؤتمرات صحافية – يحار المرسل والمتلقي في كيفية الفصل بين ما يشهده الحدث وبين تفاعل الجمهور معه.

الطامة الكبرى أن كثيرا من ذلك الجمهور ليس هو في حقيقة الأمر جمهور أصيل بقدر ما هو دخيل مندس يريد اختطاف المنصة وتحويلها إلى منبر للتشويش على الحدث نفسه أو التنغيص على متابعيه أو لغاية أخرى في نفس يعقوب قد تكون الاستظراف استجداء لحفنة من اللايكات والتعليقات الجانبية أو استلطافا لمشاهدة أو مشاهد أو بعيدا جدا عن هذا وذاك، فتكون الغاية من اختطاف المنصة ليس أكثر من بسطة لبيع وشراء سلعه أو خدمة ما يريد تسويقها!

المحرج أن تلك الظاهرة المزعجة إلى حد اللجوء إلى خيار تعليق تطبيق التعليق، قد انتقلت من الفضائيات إلى المنصات الخاصة بالهيئات الدولية والوطنية والسفارات والمنظمات.. إلخ.

تكون مثلا في غاية الانسجام في متابعة مادة توعوية عن الوقاية من كورونا، لتجد نفسك أمام اشتباك حامي الوطيس حول نظرية المؤامرة واسطوانة الصهيونية والإمبريالية والماسونية العالمية؟!

ما دفعني إلى كتابة هذه السطور هو صدمتي وحزني وغضبي من التعليقات ذات المضمون المسيء والمحرض والإرهابي أثناء بث صلاة أو جنازة لأي دين كان.

حتى الرسائل التي قد يبثها من تراه عدوا أو خصما، إن كانت ذات مضمون إنساني أو علمي أو ثقافي أو رياضي لا ينبغي إقحام الدين والسياسة فيها.

فالمسألة ببساطة تظهر جهل طرف أمام الآخر، وخسة جهة أمام رفعة الجهة المقابلة.

لسنا وحدنا في هذا الفضاء الالكتروني، وهناك من يتابع ويقرأ ويترجم ويرسل استخلاصات لقادة الرأي وصناع القرار.

أما أن تصل الأمور إلى الإساءة إلى شريك الوطن، فتلك والله كبيرة من الكبائر بحق الله والوطن والإنسانية جمعاء.

لطالما بثت وسائل الإعلام التي تحتكرها الدول في مشرقنا المكلوم ما تراه دين الدولة الرسمي، ليس أسبوعيا وإنما يومياً ، ونداء الصلاة فيه يوقظ الجميع من عز النوم وكذلك تفعل طبلة المسحراتي في رمضان الفضيل رغم معرفة الجميع أن ليس كل المسلمين يصلون في المساجد خمساً ولا يصومون نهار رمضان ويقومون ليله.

فما أن فتحها الله بوجه عباده كافة، وأتاح الفضائيات ومواقع البث الإلكتروني الفضائي للقداديس مثلا، حتى كشف البعض عن وجهه القبيح وأطلق العنان للسان يقطر سماً وقذارة .

صحيح أن تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية ومحاربة خطاب الكراهية والتطرف والإرهاب هو أول ردود الفعل المنتظرة من الجهات الحكومية، لكن الملامة الكبرى تقع على الجهات الدينية فالتربوية والتعليمية فالأهالي أنفسهم.

أما آن الأوان لشركاء الوطن أن يتعلموا دين الآخر كثقافة وطنية ؟ أما آن لوسائل الإعلام الوطنية للدولة أن تمارس دوراً قيادياً حضارياً في التعريف بالآخر قبل التشدق بالتعايش ليقوموا من بعد سنين بتصحيح خطئهم فادعوا إنه العيش المشترك.

وليقبلها مني كمحب وكجار إن لم يكن كأخ كل مسيحي من مختلف الطوائف، أوليس المسيحيون هم ملح الأرض؟..

أنسي المسيحي ، أم تناسى تحذير السيد المسيح من أن يفسد ملح الأرض ؟.

أنسي السادة الأحبة القائمون على خدمة السيد المسيح وكنيسته أن علامتهم كتلاميذ ليسوع هي المحبة ووصيته لهم هي الكرازة والتبشير ؟.

أم هو الخوف من مساءلة البعض لهم عن ممارسة واجبهم الديني الفردي والمؤسسي بالتبشير ؟.

ألم يقل لا تخافوا ؟.

ألم يحذر من أن الكراهية ومجرد البغض هو مشروع قتل ؟.

أولم يمهلنا ثلاثة أيام على أي خصام أو سوء فهم ؟.

هو بلاغ أتقدم به علانية لأولي الأمر في “بلاد العرب أوطاني” ، بأن كفوا بالسكوت عن الكراهية التي باتت قسمات الوجه وفلتات اللسان تبديها في عالم الفضاء الإلكتروني .

صرنا فرجة للعالم !! ، وإن كان قادة الأمن معنيون بصدق بمحاربة الإرهاب ، عليهم نبش الدواعش في قبور الظلم والظلام الكامنة في صدور البعض .

هم ليسوا منا فاستحق الحذر ..

والسلام ختام : سلملي على التعايش .. عفواً .. العيش المشترك !.

بـشـار جـرار .. واشنطن
كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق