إضاءاتالعناوين الرئيسية

سلطة ملفوف.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط
.

توقّفَ الرّجلُ على جانبِ الطّريق الدّوليّة ينتظر مركبةً تُقِلُّه بطريقة “الأوتوستوب” من النّقطة حيثُ يقف إلى أطراف مدينته التي تقعُ على تلك الطريق.
كان يشيرُ بيده إلى كلّ سيارة أو حافلة أو شاحنةٍ عابرة علّ إحداها ترأفُ لحاله وتأخذُه إلى مقصده.

وبعد مُضيِّ قرابةِ نصفِ ساعة على انتظاره بلا طائلٍ، توقّفت على مقربةٍ منه مركبةٌ طويلة مُعَدّةٌ لنقل البضائع، تحمل حاويةً ضخمةً آتيةً على الأغلب من أحد المرافئ، وعرض عليه سائقُها الرّكوب.

سُرَّ الرّجل كثيراً وصعد متبسِّماً يشكر السائقَ على كرم أخلاقه ومساعدتِه في الوصول إلى وِجهتِه.
وبعد أن تحرّكَتِ المركبة مسافةً قصيرة، التفتَ السّائق إلى الرّفيق قائلاً: سأتوقّفُ لبعضِ الوقت أتناول الطّعامَ الذي حمّلَتني إياه زوجتي الحنون، وضحِكَ قائلاً: مافي أحنّ من النسوان ماهيك سيدو ؟
قال الرّفيق: طبعاً طبعاً الله يسعدك.
أردف السائق: لم يتسنَّ لي أن أملأ بطني بعدُ، كانتِ القيادةُ متواصلةً، ولا استراحاتٍ أركنُ فيها الشاحنةَ جانباً بغيةَ تناولِ الزّاد.
قال الرجل:بالطبع هذا حقُّك، فما أنا إلا رفيق، وكما يقول المثل: المرافق موافق، أليس كذلك؟
قال السائق: تفضّل معي “مالحني” بلقمة، مرتي نفَسها طيّب بالطبخ.

أجاب الرّفيقُ: شكراً لك أخي الكريم وإن شاء الله ألف صحة..من جهتي لا أشعرُ بالجوع ، قد أشربُ شيئاً ساخناً فقط.

تناول السّائق الطّعام المملوءَ في علب بلاستيكية، وكان أرزّاً أصفرَ مع قليل من قطع الدّجاج والجزر المتناثرة بين حبّات الرزّ، كما وُضعَ له في علبةٍ أخرى كميّةٌ لا بأسَ بها من سلطة الملفوف.
وفي هذه الأثناء احتسى الرفيقُ كأساً من الشّاي ريثما ينتهي السائق ليتابعا السّفرَ معاً. وبعد الانتهاءِ من التهام وجبة طعامهِ قام السّائقُ والرّفيقُ يركبانِ الشاحنةَ لتتابعَ رحلتَها حيث المكانُ المقصود.

مضى من الوقتِ ساعةُ قيادةٍ، وإذ بالسائق يحسُّ بنفخةٍ في أمعائه وبالمغصِ يضربُ بقوّةٍ في بطنه، فلم يستطع صبراً على هذا الوضع، فاستأذن الرّفيقَ لينزلَ من الشاحنة لقضاء حاجتهِ دون أن يخبرَه بحقيقة ما ألمَّ به.
نزل من المركبةِ وابتعد قليلاً وأخذ نفَساً عميقاً طردَ معه تلك الغازاتِ المتجمّعةَ في بطنه، تنهّدَ بارتياح ثم عاد فصعد إلى مركبتِه وأكمل القيادة.

إلا أن تلك الغازاتِ عاودَته مجدّداً بعد برهة، فعاد واستمهَلَ الرفيقَ لينزلَ من الشاحنة، وفعلَ كالمرّة السابقة ثمّ تابع القيادة.

و دون انقطاعٍ أخذتِ الغازاتُ تهاجمُ بين برهة وأخرى أمعاءَ السائق كفعل الخناجرِ غرزاً وتقطيعاً، وفي كلِّ مرة ينزل من مركبتِه ليطردَها، والرفيقُ يعتقد أنّ سببَ النزول المتكرّر هو الحاجةُ إلى التبوّل.
قال السائق في نفسه:

والله إنها لمسألةٌ معقَّدة أن أنزل كلّ مرّةٍ من المركبة لأطردَ الغازاتِ احتراماً لهذا الرفيق، وأصبح يفكّر في حلٍّ يجنّبُه هذا الإحراجَ إلى أن اهتدى إلى فكرة، وهي أن يضغطَ على زمّور الهواء ذي الصّوتِ الضخم والصدى الواسع في اللحظة عينِها التي يُضطرُّ أن يُخرجَ كلَّ الغازاتِ المتجمّعةِ في أحشائِه، وحينها لن يسمعَ الرّفيقُ صوتها، وبالتأكيد ستضيعُ ال”طاسة” !

راقَتْهُ الفكرةُ كثيراً وبدأ بتجربتها أوّلَ مرّة، ثم نظر إلى الرّفيق بطرفِ عينه فتيقَّن أنه لم يسمع صوتَ خروج الغازات. وهكذا صار يتابعُ العمليّة كلما دعتِ الحاجةُ، وينظر إلى الرّفيق ليتحسَّسَ إن كان يشعر بأيّ صوت صادر، لكنّ الرّفيقَ لم تظهر عليه أيُّ علاماتِ انزعاج إلى أن وصلت المركبةُ إلى مكان نزوله عند أطراف مدينته.

ودّع الرّجلُ السائقَ شاكراً فضلَه الكبيرَ في نقلِه كلَّ تلك المسافة وما إن همَّ بالنزول التفت إلى السائق قائلاً: لقد كانتِ الرحلةُ معك ممتعةً للغاية أيّها الرّبانُ العظيم، وقيادتُكَ أكثرُ من رائعة. لكنْ حبّذا لو تصلح زمّورَ الهواء، لأنّ رائحتَه -بيني وبينك- خنقتني!
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى