إضاءاتالعناوين الرئيسية

“سلام لروح فان غوغ” .. مريم مير زاده

قراءة في فيلم "على بوابة الأبدية"

|| Midline-news || – الوسط …
.

لعلّ “فينسنت فان غوغ” كان يعرفُ من الأصوات التي ظلّ يسمعُها وحدَه طوال حياتِه، بأنّه لم يكن فنّاناً لأبناء زمانِه، وإنما لأشخاصٍ “لم يولَدوا بعد” كما أخبرَ الراهبَ الذي زارَه في المصحّة النفسيّة بعد غرابةِ أطواره وتذمّر أهل مدينة آرل جنوب فرنسا، التي نصحَه الصديق بول غوغان في الذهاب إليها، فتزهرَ موهبتُه في طبيعتِها؛ تلك الطبيعة التي كانت ملاذ فينسنت وموضوعَه الأكثر قداسةً في حياته.لقد أجادَ الممثّل ويلم دافو أداء الدور. جسّدَ روحَ فان غوغ حارصاً على ملامسةِ دوافعِ فان غوغ الفنان أكثرَ من حرصه على إبراز مواهبه التمثيليّة. لعلّ الأقرب أن نقول إنه تقمّصَ فان غوغ وارتداهُ فوق جلدِه فنظرَ بعينيه إلى السماء والشجر والأوراق وحقول القمح. لامس الترابَ بيدي فان غوغ، ثم نثرَه فوق وجهِه ليتماهى مع الحنين الفطري إلى الأصل.
براعةُ الممثّل التي تخرجُ على شكلِ إحساسٍ من عينيه وتجاعيد وجهه وشفتيه التي زادتهما حياة فان غوغ البائسة تشقّقاً وتعباً، فخرجت الحروفُ مكمّلةً لصوتِ فان غوغ الصارخ من قلبِ ويلم دافو، على شكلِ نداءٍ إلى أبناءِ عصرٍ لم يعرف هذا الفقير الذي لم يكن يرغبُ بغيرِ بعض الدفءِ وحذاءٍ سليم ليركضَ في قلبِ الشمسِ ويرتمي فوق موضوع لوحاتِه، ويراقص ريشتَه كما يحلو له.
فان غوغ، الفنان بالفطرة، والذي لقيت في يومٍ لوحاتُه سخريةَ الكلاسيكيّين والسكولائيّين وأتباع القواعد الهندسية الصارمة والتهذيب الأكاديمي لموهبة الله، عزمَ على الانكفاء والانقطاع عن صخب المدينة الذي كان بالنسبة لفناني زمانه ضرورةً لتحقيق الشهرة. عاشَ منفيّاً لأنّ الصوتَ في أذنه الجريحة ظلّ ينبئُه بأنّه “سيخلّدُ” بفضلِ هبة الله له.
يقولُ “الله هو الطبيعة”. ولم يكن يهدأُ قلقُه “الجنونيّ” إلا في كنفِ الحقول!
الفيلمُ موسيقى وطبيعةٌ بلونِ ريشةِ فان غوغ. الفيلمُ صمتٌ بلونِ أوجاعِ فان غوغ، ومتعةٌ لها ذائقةُ المخرج الرسّام جوليان شنابل الذي لا يمكن للمشاهد إلا أن يتوقّفَ عند اختيارِه لتفاصيل المشاهد من لونٍ وعناصر ورؤى تذكّرُنا بعينِ سمكةٍ أو طائر، أو عينِ فنّانٍ تقرأُ سيرةَ فنّان. الفيلمُ عاطفةٌ وتعاطف. شغفٌ حملَه فان غوغ، حبٌّ حملَه ثيو الأخ المؤمن بأخيه، نبلٌ حملَه الطبيب المعالج له، تفهّمٌ وإحاطةٌ بعيدةٌ عن الشخصانيّة حملَها رجل الدين المسيحيّ، مما يتركُ المشاهدَ في حالةٍ من الوجدِ والتأثر البالغ بما حلّ بحياة هذا الفنانِ من مآسٍ بدأت بحذائه الممزّق مروراً بقلبِه المرهف العاشق، وصولاً إلى انعدامِ فهمِ العالم لرؤاهُ الداخلية التي ما كانت لوحاتُه إلا محاولةً بائسةً في حينها، للصراخ.
الفيلمُ عظيم. تليقُ به سهرةٌ في ليلٍ بارد. تليقُ به دموعُ تعاطفٍ مع روحٍ لم تجد من يصغي إليها.. فسلامٌ لروحِ فان غوغ.

.

*روائية وكاتبة إيرانية- لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى