العناوين الرئيسيةحرف و لون

“سأنام الآن ملء جفوني” .. رياض ندّاف

لوحة: الفنان جبران هداية

|| Midline-news || – الوسط …

 

تلبدت أطرافي، وماعدت أشعر بأقدامي، سمعتهم يقولون:” إنها شاحبة جدا”، لم أعد أستطيع رفع يدي إلى أعلى.
جسدي يفارقني شلوا بعد آخر ، أنظر إليهم بتوجس، وأتأمل تفاصيلهم، وهم يراقبون تلبدي، ويتشفون بي، إنهم مازالوا قيد سمع ونظر وحياة.
أطوف بدواخلهم، أسمع همهماتهم، إنهم ربّما يشعرون بالانتصار ، وبعض حزن ..
أرى دمعا متحجرا، وآخر لؤلؤي الحضور . أسمع آهات حزينة، وأنصت جيدا لتنهيدات فرح.
يقول أحدهم : أغمضوا عينيها، وآخر يقول : غطوا وجهها..
غادرني جسدي، أو ربّما أنا التي غادرته،و تركته لهم ليعبثوا به.
أنظر إليه بين أيديهم، يسكبون الماء الفاتر والعطر، ثمّ ألبَسوه الأبيض.
رحت أطوف فوق رؤوسهم بجناحين خفيفتين، أتأمل هذا الجسد المسجى على قطعة خشب، وقد حان وقت إخراجه من ببت قضى فيه ماقضى.
تعلقوا بأطراف النعش، حملوه، قبلوه ، وكان حفل وداع مهيب.
كنت وكأني أناديهم:”انتبهوا ..لاتميلوا الجثة يمنة ويسرة ..امشوا ببطء وهدوء”..
ليتكم تهدؤون قليلا، فالصمت حزن جليل..ضجيجكم يزعج جثتي .. اخفضوا أصوات مكبر القرآن.. لا أريد أن تفضحوا أمري … دعوا هذا الجسد ينعم بهدوئه”
أطوف فوق زحامهم، وأتابع ثقل جثتي.. أتأمل مسار غيابها الأخير
أتمنى لو أنهم يغرسونها بين سنابل القمح الذهبية لتسمع صوت الريح، إن فعلوا فلربما تستيقظ جثتي على دغدغة قطرات الندى!
أسمع عويلهم كلما اقتربوا من مكان الدفن ..
يودعون جثة.
أطوف فوق رؤوسهم، لأرقب تجليات الرعب التي باتت تغزو ملامحهم، إنّه الخوف يزورهم، ويترصدهم..والموت يهمس لهم: سآتي إليكم! فيبكون من شدة صدقه
حينما ينهال التراب علي جثتي أخيراً، ويذهبون، سأعود وأنبش الارض وأحتضني وأنثرني في الهواء… أجوب العالم، وأفرح بسفر لاينتهي ..
غادروا المكان، كل في طريقه، بعد أن قاموا بالطقوس اللازمة، أتأملهم، وأسبر غور مشاعرهم.صوت أحدهم : ياحيف عليها.
أضحك، فيما يتابعون نعيي.
تجمعوا في بيتي يأكلون الحلوى والدسم ويَهرُجون : رحمها الله ، سكناها الجنة.
غادر الجمع وعدت الى حريتي .. تابعت طيراني ..
تداعبني الريح بلمساتها الناعمة، تدغدغني أطراف الغيمات البيض، أفترش بياضها وأسبح ، الآن أصبحت حرة، لاجسد يقيدني ، سأقطف النجوم نجمة نجمة ، وأسافر عبر الشمس في الصباح .
سأرقص مع الملائكة في السماء السابعة، سأغني عند سدرة المنتهى ، سألبس الأزق، وأغيب في الملكوت .
الريح تحملني وأطير، أسمع عزفا جميلا ، أعاود الرقص، وأغير ثوبي الازرق، وألبس الأخضر الآن. تضافرت ألوان قوس قزح ولفَّتني بوشاحها الزاهي، ازدهيت بالألوان، أسرعت في طيراني:” أنا الفرح .. أنا الحياة”
وصلت إلى مدينة مأهولة بالصخب ، تمليت وجوه أهلها ، وكأنني أعرفهم …
رأيت يدا طويلة ممدودة نحوي.
نزعت ألواني عني ومددتها إليه، تعلق بطرفها، شددت قوس قزح نحوي ، هو ممسك به.. جذبته إلي ،عانقته بشدة حتى الذوبان. ثمّ تابعت الطيران برفقته ..
عدت معه إلى جثتي، نبشنا التراب سوية، أخرجناها،حملناها، ألبستها ثوبي المزركش وغدونا في حفل بهيج ..
قال: “سيأخذني غدا الى ضوء كوكب قد انتهى أجله منذ مدة”.

 

*شاعرة وكاتبة.. رئيس “منتدى رياض الثقافي”- سورية
*(اللوحة للفنان التشكيلي جبران هداية- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق