الوسط الثقافي

زينة شرّوف : النساء العاريات في لوحاتي يكشفن عُـريَ العقول وتخلّفها ..

 

|| Midline-news || – الوسط …
روعـة يـونـس ..  

 

لم يكن قلمها الرصاص يهدأ أبداً فوق الورق المقوى، فطيلة حصص الدراسة كانت زينة شرّوف تخربش لا شعورياً خطوطاً ورسوماً رغم انتباهها إلى المعلمات والدروس. وبانتهاء الحصة، كانت تجد نفسها أمام لوحة حروفية، أو بورتريه لوجه أنثوي لا تعرفه !.

ومع تقدم مراحل الدراسة والعمر، تحوّل بورتريه الأنثى المجهولة إلى لوحة لجسد أنثوي بكامل تفاصيله. وأصرت على هذا النمط الفني ترسم لوحات الإناث العاريات، تستلهم هيئاتهن من أغاني فيروز أو قصائد نزار قباني أو مقولات الأدباء أو وحيها الشخصي، وتحمّل كل لوحة فكرة أو هدفاً، فرسوماتها ليست “معرض أجساد” بل لوحات تشكيلية تمثّل مفاهيم فنية تتحدى بها كل من يرى هذا الفن “عورة وعيب” حدّاً شاركت بها في معارض فنية، لتحظى بالتشجيع والثناء تارة والتحفظ والانتقاد تارة أخرى. وفي كل الحالات تكون محل نقاش وجدل.

 

“بداية حروفية” ..

تعود زينة شرّوف بذاكرتها لتقف عند مرحلة الدراسة الإعدادية حيث كانت تخربش رسوماً تلقى إعجاب معلمات التربية الفنية وزميلاتها، تقول “كنت آنذاك أكثر ميلاً إلى التشكيل الخطي. فانضممت إلى دورات في الخطوط (الرقعي والكوفي) مع زخرفات أضفيها على الحروف في محيط اللوحة الخطية. كل ذلك في إطار الهواية ولا يتعداها. وخلال الدراسة الجامعية بدأت أرسم لوحات بالرصاص ثم الإكرليك، بشكل مباشر دون أفكار مسبقة، ودون قلق من أي ملاحظة! وأوقفت في بداية زواجي تلك الهواية. لكن بعد إنجابي لطفليّ، حثني دعم زوجي “كابتن طيار” المستمر وتشجيع عائلتي على العودة إلى هوايتي الأولى لأنهم كانوا يرون في تلك الهواية موهبة حقيقية يجب رعايتها لتنمو وتستمر”.

“دراسة أكاديمية” ..

كان عليها أن تعمل على صقل موهبتها الفنية لتكتسب معرفة أكاديمية تفتقدها، تقول شرّوف في ذلك “انضممت إلى عدة دورات فن تشكيلي، تميزت في جميعها، مما رشحني للقبول في معهد الكويت للمرسم الحر. وتعرّفت في فصوله على الرسم ومدارسه الفنية وأنماطه المتعددة، فتشكّلت هويتي التشكيلية إبان مشاركاتي في معارض طلبة معهد المرسم”.
ورغم تقوقها وتخرجها من المعهد، ظلت تواظب على تلقي دروس خاصة تحت إشراف أستاذ أكاديمي في فنون التشكيل، وتوضح السبب “كان علي أن أواصل علمي الأكاديمي بهذا الفن. وأتقن بالتالي الرسم بالرصاص والفحم والألوان الزيتية، لأن كل لوحة هي نتاج لأخطاء وتمارين وقلق ومحاولات ثم إنجاز إبداعي”.

“إزالة السواتر” ..   

شكّل إنجازها العديد من “البورتريه” ولوحات أعضاء الجسم (العين اليد الفم الأنف) نقلة لها إلى لوحات خاصة بالمرأة، تقول شرّوف “يفترض أن ترى المرأة جسدها بعين نفسها. كان هذا المنطلق الأول لي لأرسم المرأة. فهاجسي في البداية إظهار المرأة في أجمل وأبهى صورة وإزالة كل “السواتر” التي تحجب أنوثتها وأعضاء جسدها، من منطلقات رجعية متخلفة لا تحترم الأنثى ولا جسدها. فرسمت أجساد تخيلتها، ثم رسمت فنانات، وكنت أُسقط تخيلاتي ورؤاي على كل لوحة”. تسترسل مضيفة “اتجهت إلى رسم الأنثى عارية، انطلاقاً من احترام كامل لأنوثتها ومعانيها. فالعري ليس عورة! بل العري هو خواء العقل والنظر وعدم الغوص في أعماق اللوحة وفهم مضامينها وكيفية توظيف العري. وأنا لا أستثني بعض النساء من هذا العري العقلي والفكري”.

“ضد التابو” . .

لا تكتفي شرّوف برفض ربط لوحاتها بكل ما هو “تابو” أو “ايروتيك” بل تذهب أيعد من ذلك، تقول ” أصلاً أنا لا أعترف بكل ما هو “تابو” بل على العكس الفكر الإنساني مطالب بإلغاء كل ما هو “تابو” في سبيل المعرفة والفهم وإثارة الجدل الفعّال لا “البيزنطي” فكيف يفهم المرء: الدين والسياسة والجنس، إن لم يكن يتطرق إلى تلك المفاهيم ويعرضها ويناقشها؟

وتضيف شرّوف : “جسد المرأة كامل ومتكامل، هو الفكرة والأنوثة والحياة. وفي الكثير من الأساطير والملاحم والديانات نجد المرأة رمز الخصوبة. ومن جهتي أردت التفرد قليلاً فيما يخص “إلهة الخصوبة” بأن لا تطرح السنابل-القمح، بل تطرح الزهور بكل ما تعني الزهور من جمال وحيوية وفوح وبوح. أنا زينة المرأة الوردة، وأينما كانت المرأة فاح منها عطر روحها وعبير قلبها. لذلك ترون الفراشات والأجنحة ترافق معظم لوحاتي كما لو أنها تيمة، فهي رمز للحرية والانعتاق والتحليق، وكل ما يتصل بهذه المفاهيم من إيجابيات ومسؤوليات”.

“حضور الرجل”

تبدي شرّوف قناعة مطلقة بتوجهها الكلي لرسم المرأة. وترفض منطلقات البعض من الفنانات، تقول “ثمة منطلق ضيق أجده لدى بعض زميلاتي من أنه “نحن الفنانات أحق برسم الأنثى” هذه مقولة لا أعمل وفقها ولا أحترمها. فالفنان يكون أمام فكرة ينفذها تشكيلياً سواء بمشهد لامرأة أو رجل أو طفل أو بجميعهم معاً. لا أحب هذا الاقتسام الأحمق! لكنني أحب انفرادي وتخصصي في رسم المرأة وتمرير فكرتي عبر جسدها العاري أو ملامحها أو أعضاء جسدها”.

وعن الغياب المطلق للرجل في لوحاتها- إذا ما استثنينا لوحة رصاصية لوالدها الراحل، تقول “أعترف أن الرجل يغيب عن لوحاتي لكن دون الاستغناء عنه (!) فحضوره في لوحاتي كبير، بمعنى هو الظل أو الخطوط أو التكور أو الانحناءة أو انعكاسها في المرآة أو يكون الأغنية أو القصيدة محور اللوحة، أو “هو” نفسه السبب الرئيس لرسم اللوحة”.

“لفت الأنظار” ..

ألا يعقل أن يكون إصرار شرّوف على هذا النمط من اللوحات بهدف لفت الأنظار إليها وإثارة الجدل حول فنها؟ تضحك قبل أن تقول “أحببت هذا الاستفزاز في السؤال، فقد عانيت كثيراً من توجهي الفني هذا، وسمعت آراءً سلبية لا تتعلق بلوحاتي كضربات ريشة وتشكيل وكتل لونية وأفكار. الاعتراض والنقد فقط “لماذا العري”؟ وأنا بدوري أسأل: لماذا يُسمح للرجل منذ مئات السنين وحتى اليوم برسم المرأة عارية، ولا يسمح لي أو لأي فنانة ترى في المرأة أساس الحياة؟ حتى في الطرح التشكيلي لا يوجد مساواة بين الرجل والمرأة”.
تتوقف لتخبرنا بحادثة ما، تقول “أريد أن أسرد حادثة تدعو للسخرية! فذات معرض لي تقدمت مني ناقدة فنية “مهمة”! وقالت لي: أنتِ جميلة وبملامح أوروبية، وتلفتين الأنظار وتديرين الرؤوس، فما حاجتك للفت الأنظار بلوحاتك عن النساء العاريات”؟ لم يزعجني السؤال بل زعجني أنها ناقدة فنية شهيرة (!) يُفترض أن تكون أكثر وعياً من جمهور غير ذواق ولا مثقف”.

“استخراج الفكرة” ..

عن أسباب عزوفها النسبي عن الرسم بالرصاص والفحم، تقول شرّوف “كانت لي محاولات جيدة في رسم البورتريه بتقنية الرصاص وكذلك الفحم. لكنني مغرمة بالألوان الزيتية وأغرق فيها و”أندلق” على خامة اللوحة أتوحّد بها بكل مابي من أحلام وأخيلة. فالرصاص وإن كان جميلاً لكنه لا يُشعر المشاهد أنه أمام حقيقة! أما الألوان الزيتية تجعل المشاهد يحس أنه أمام جسد حقيقي، وأنا أريد أن يصل المشاهد إلى مرحلة الشك في كونه يرى لوحة أم جسداً حقيقياً. وأن يتوغل في عمق اللوحة ليستخرج الفكرة ويجد الإجابة على أسئلته: هل تعاني هذه المرأة هل هي مظلومة هل هي منكسرة هل هي سعيدة هل هي عاشقة”؟
وحول مشاركاتها في المعارض التي أقامتها في الكويت -حيث تقيم مع أسرتها، تقول “كانت تجربة رائعة اختبرت فيها الوقوف أمام زوار المعارض والاطلاع على مختلف الآراء، وحظيت بلقاءات تلقزيونية ترحيبية (وانتقادات وإثارة للنقاش والجدل). لكن حلمي وطموحي إقامة معرض لي في وطني سوريا”.

“دمشق ، قريباً” ..

يبدو أن الأحلام حين ترتدي عزم الطموح تتحقق. تقول في ذلك شرّوف “عسى قريباً أحقق طموحي، فثمة جهات تبحث في إمكانية إقامة معرض لي في دمشق. خاصة أنني أعدّ بعض اللوحات التي تتناغم مع الأوضاع في وطني، كلوحات شبيهة بلوحات “العذراء تصلي لسوريا” و”أم الشهيد”.
إنما إقامتها الطويلة في الكويت حالت دون تعرفها إلى الحركة التشكيلية في سوريا، تقول “من المؤسف أنني غير متابعة بشكل كبير للحركة الفنية التشكيلية في بلدي. وبحكم إقامتي في الكويت أتابع هناك العديد من المعارض والأعمال الإبداعية في مختلف المجالات الفنية. إنما أعتقد أنه حيث كنا سنظل ننظر إلى رسم الأجساد على أنه “إباحية” رغم أننا في كليات الفنون الجميلة في كل الوطن العربي، نبدأ برسم التماثيل العارية. وفي الغرب تعمل فتيات كموديل عار ليتعلم الطلبة رسم أعضاء الجسد والعضلات والانحناءات. وأتوق أن أجد في دمشق غير ما أصادفه في غير أمكنة! فلست أدري كم من “أميّة” على شعوبنا التخلص منها”؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق