العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

رعد يكن “إيكار”: الشاعر كائن مليء بالمشاعر المتضاربة.. وهو أحد أعمدة تخريب المنطق!

الكاتب يمسك بيد القارئ ويمشيان.. بينما الشاعر يقوده إلى الطيران

|| Midline-news || – الوسط …
حوار: روعة يونس

.

أجمل الحوارات -بتقديري- التي يجريها مُطلق صحافي، تلك التي تنتهي؛ وقد حمل بيديه الاثنتين: معرفة الضيف، ومعرفة ما يعرفه الضيف.
بذا يخرج بفائدة حقيقية يقدمها للقارئ الذي يظن أنه سيتعرف إلى تجربة ضيف الحوار فقط. فإذ به (ونحن هنا نشير  ونقصد ضيف حوارنا الشاعر رعد يكن- إيكار) وقد أمسك شاعرنا بيده ليصحبه إلى فضاءات يحلقان بها في أجواء المعرفة والثقافة والشعر والإنسانية والحرية والمرأة والجمال.
قد لا يبدو في سياق الأسئلة ما يشير إلى قضايا عامة تهم المثقف والمتلقي على حدّ سواء! لكن شاعرنا أبدع في إجاباته تماماً كما في شعره، وصحبنا بمقدرة وذكاء إلى عالمه الخاص وأيضاً إلى الجو العام.. ليفك بعض الشيفرات! ويشير إلى بعض المعادلات في الأوساط الأدبية.
سترون “إيكار” الجميل،كما ينوّه على حسابه في “فيسبوك” بأنه: ناعم كفراشة.. قوي كرعد. فالثقافة والبوح بالآراء يحتاجان إلى نعومة وهدوء لإيصالهما، لا إلى استعراض وتبجح. والشعر إن لم يرعد بقوة لا يؤثر بنا ويحيا في ضمائرنا. كما ستقطفون من دالية الحوار؛ عنقوداً بطعم مجموعاته الشعرية التي سبق أن أصدرها. ثم نقف أخيراً أمام “الملجأ” مشروعه الجديد الذي يستعد له…

 


“خطوة ورؤية حياتية “

الحوار معك أستاذ رعد، لا بد أن ينطلق من جانب شخصي، فاسمح لنا: أنت ابن عائلة سمتها الإبداع. أي الشقيق الأصغر للفنانين الكبيرين التشكيلي سعد والمطرب فهد. فما هو تأثير هذه النشأة عليك في أجواء الفن والجمال والإبداع؟

  • مرحبا بك عزيزتي، ومرحباً بجميع القراء الأعزاء.. التأثير كان عفوياً، بمعنىى غياب التشجيع والتوجيه الأسري، حتى أن الأمر كذلك كان بالنسبة لسعد وفهد! لكن يبدو أن الجينات قامت بعملها وجعلت كل منا يتجه فنياً نحو ما يحب، لكن لا أخفيكِ أن تأثير فهد الأقرب عمرياً لي كان واضحاً أكثر، إذ كنت أرافقه في حفلات الجامعة التي كان يقيمها أيام (أنشودة عربية للمستقبل) في حلب وبعدها في دمشق. تعرفت من خلاله على بعض الأدباء والموسيقيين والصحفيين ومنهم حكم البابا الذي كان وقتها محرراً في مجلة “هنا دمشق” ونشرت عدداً من القصائد فيها، كان هذا عام 1985.
    بالنسبة لسعد وفي بداية السبعينات مثلاً (كنت وقتها صغيراً) كان يوكل إلي مهمة لصق دعايات معارضه (الأفيشات) في الشوارع وكان يحضر لي مجلة “أسامة” ولم أكن وقتها أكتب الشعر. وعندما بدأت بكتابة الشعر، بدأت لوحاته تثيرني واستوحيت منها عدداً من القصائد.
    الإبداع الحقيقي، ليس ابن العائلة أو المجتمع ،كما أنه ليس وليد اللحظة وإنما هو نتيجة ثقافة ورغبة في العطاء.

عرفنا أن “إيكار”- الاسم الذي يلتصق باسمك، يتصل بأسطورة يونانية، تقول: ان لآلهة غضبت من “ديدال” و ابنه “إيكار”، فحبستهما في سجن في جزيرة بعيدة.. نرغب أن يتابع القارئ توضيحاً عن حلم “إيكار”، منك شخصياً؟

  • “إيكار” هو رؤيتي الحياتية، في كل منا حلم ورؤية “إيكار” تظهر أحياناً وتختفي أحياناً.
    تقول الأسطورة اليونانية “ان الآلهة غضبت من “ديدال” و ابنه “إيكار”، فحبستهما في سجن في جزيرة بعيدة. لكن “إيكار” الفتى الطموح المليء بالعنفوان والشباب، توصل لأن يصنع اجنحة من الريش الملصق بالشمع كي يطير ويهرب من الجزيرة، وحين طار بأجنحته، كانت نصيحة والده “ديدال”: طر على علوّ متوسط، لأنك إن طرت قرب الموج فسيفتت الملح الشمع المثبت عليه الريش، ولو طرت عالياً قرب الشمس فستذيب حرارة الشمس الشمع و تقفد جناحيك!
    لكن حين اخذته نشوة الطيران، نسي النصيحة، و أخذ يعلو و يعلو نحو الشمس فانصهر الشمع من الجناحين، وتطاير ريشهما، و سقط في البحر”. وبذا لأسطورة إيكار (ثلاث مواعظ):
    الأولى: موعظة تجنب التعاظم في الإفراط و التفريط، وضرورة التدبير العادل بين الطموح والجموح.
    والثانية: موعظة الاستماع لرأي الحكماء وكبار السن، وذوي الخبرة والتجربة الحياتية.
    والثالثة: ان الهروب من واقع معين ليس بالضرورة الوصول إلى واقع أفضل منه.


“شيفرة ومعادلة”

لندخل إلى الشعر، وقبل أن نحلّق في عوالمه، نقف معك عند كتابك النثري الأول “خلف زجاج قطار” -ولمن فاته قراءة فحواه- أخبرنا هل أردته يعكس الحالة الإبداعية والفكرية لديك، أم أنك فقط وضعت رأيك ورؤاك ونصوك أمام القارئ صاحب القرار؟

  • كان إنتاج كتابي “خلف زجاج قطار” نوع من القول “انني هنا”. وهو بالضرورة يعكس رؤيتي ورأيي. ولكن، أي عمل إبداعي، هو مشاركة بين مبدع منتج ومبدع متلقّي، وهنا -برأيي- ليس المتلقي صاحب القرار! لأن الأمر منوط بثقافة هذا المتلقي وثقافة المصدّر. فالكتابة كالشيفرة، إن توافقت مع شيفرة القارئ كان النص أو اللوحة أو اللحن أو أو … ناجحاً، المعادلة تقول: نص سيء+ متلقي سيء= نص ناجح. والعكس بالعكس صحيح.

كتابك الثاني “مزاج آلهة” حظي بتقدير النقاد. كما تمت مناقشة رسالة ماجستير لطالبة بعنوان “شعر رعد يكن/ دراسة أسلوبية”. والآن يتم ترجمته إلى اللغة الفرنسية. برأيك لماذا حظي “مزاج آلهة” بهذا الاهتمام؟

  • “مزاج آلهة” كانت تجربتي فيه أكثر نضجاً، وقد تأنيت كثيراً قبل نشره رغم الصعوبات مع دور النشر، وبالتالي لفت إليه الأنظار أكثر وتناوله القراء والنقاد بطريقة مرضية جداً بالنسبة لي.


“عين ثالثة”

تحمل نصوصك تناغماً وتقاطعاً بين العاطفي وتمثله المرأة، وبين الوجداني ويمثله الإنسان. يندر أن نجد المرأة في نصوصك دون ملامح إنسانية وجدانية. لا أدري إن كنتُ على صواب؟

  • نعم.. المرأة وجدان الكون، والمؤثر الأول والأهم في حياة الرجل -برأيي- وهي أيضاً رمز من رموز الجمال، لذلك من الطبيعي أن تكون موجودة في الشعر والغناء والرسم والنحت وبقية الفنون. فالشاعر يسعى إلى تأثيث قصائده في كثير من الأحيان معتمداً على وجود المرأة، لما لها من تأثير جمالي على الفن والإبداع:
    (المرأة التي تركها الحبُّ معلّقة في خزانتها
    فتحتْ باب الصباح
    لتعبر منه الشمس والأطفال وبائع الفرح
    وليل في ظهره خنجر
    مرآتها مدينةٌ، تسكنُ فيها سنينْ
    غرفتها، تدور حولها كَلِصّ
    خلخالها، عاطلٌ عن العملِ
    وسريرها بركانْ
    تلملمها زوايا البيت كزوبعة
    وتجلس كقطة
    تبني العلاقات الجميلة مع لوحة على جدار
    فيها بحر و زورق ولون أحمر … بلا ميناء
    المرأة التي صادقتْ الوحدة
    لا أحد يسمع بكاءها
    مثلُ شِعرٍ يُكتبُ للشهداءْ
    الشهداء الذين لم يستمتعوا بالشعر يوماً).

 أراك شاعر الفكرة. لا شاعر يستغرقه الإطار والتسميات والتصنيفات الإبداعية. كشاعر يكتب ويمضي غير معني بالشكل الأدبي! هل ملاحظتي دقيقة؟

  • نعم ملاحظتك دقيقة جداً.. إذ أنني أكتب دون قرار مسبق، بمعنى لا أجلس لكتابة نص أو قصيدة أو أغنية، بل أجلس لأكتب فقط، ولا فرق عندي إن خرجت كتاباتي “هايكو”، أو قصة قصيرة جداً، أو قصيدة، المهم عندي أن أستطيع قول ما أريده بغض النظر عن الإطار.
    الشاعر بشكل عام كائن مليء بالمشاعر المتضاربة أحياناً. وهو أحد أعمدة تخريب المنطق، فترينه يكتب الفرح وهو حزين، وقد يتحمل جبالاً في لحظة، وفي لحظة أخرى تجرحه نقطة ماء. وهو “عين ثالثة” للمجتمع يعيد رصد الواقع برؤية جديدة شرط أن يكون منفتحاً على الثقافات الأخرى.


“حرية.. فإبداع”

ثمة رمزية تستخدمها في نصوصك، لكنها “مفضوحة” بمعنى انها لا تخفي وجائع الإنسان. لذا أسأل ما أهمية استخدام الرمزية لديك كشاعر؟

  • بعض النقاد (وأنا معهم في ذلك) يصنفون كتاباتي “السهل الممتنع”، فأنا لا أتكّلف لغوياً ولا آتي بالصور المستهلكة، كل ما في الأمر أنني أتجه للرمزية بلغة بسيطة لا تجعل النص مغلقاً أو مبهماً، وبالتالي أيضاً المباشرة في طرح الفكرة فيها رتابة تفقد القارئ لذة الإدهاش. بينما الرمز يفتح أبواباً للجدلية والتأويل أكثر، فالقارئ المبدع يتحرى الصور الجديدة غير المستهلكة ويتذوق جمال مابين السطور بعناية. الكاتب يمسك بيد القارئ ويمشيان، بينما الشاعر يمسك بيد القارئ ويطيران.
    (سأعلّقُ رائحتكِ على الجدارْ..
    وعليه أيضاً سأعلّقُ ظلّكِ
    يوماً ما، سأفقدُ مهارتي في مديحِِ عينيكِ
    ذلكَ أن رائحتكِ مثلكِ تحبُ المدى
    وأني سقيتُ ظلّكِ ولم يَكبرْ).

وعليه، ألا يحتاج الشاعر -شأنه شأن أي مبدع- إلى الحرية في الرصد والتعبير؟ فهل هذه الحرية توفرت لديك (أكثر) بعد إقامتك في فرنسا؟ أم أن لاشيء يمكنه السطو على مساحة حريتك؟

  • لاحرية.. إذاً، لا إبداع. والحرية، أعني الحرية الاجتماعية والحرية السياسية والحرية الدينية، وبدون شك هناك تأثير على الشاعر أو المبدع بشكل عام. لكن انعكاس هذا التأثير من قبل الشاعر هو ما أسميه ابداع، وليس بالضرورة المعاناة. وبالتأكيد بعد إقامتي في فرنسا؛ زادت مساحة حريتي عما كانت عليه عندما كنت مقيماً في المملكة العربية السعودية لمدة 25 عاماً بشكل متواصل، لكن كتاباتي لم تتوقف هناك أيضاً.  إنما أنا مع عدم ربط العمل الفني أو الأدبي مع حاجة ما أو مشروع ما، كي لا يتأثر نتاجه.

“سلطات الشاعر”
في هذا الزمن؛ كما كل زمن، يتصدى الشاعر كمثقف للكثير من القضايا والمواقف. دعنا نتعرف إلى مواقفك مِن ومع وإلى مَن؟

  • الإنسان في حالة قلق دائم، هاجسه المعرفة، لكن في الحقيقة المعرفة هي بداية القلق الحقيقي! لذا، أنا مع الجمال، ومع سلطة الجمال، وتأثير هذا الجمال بكل أشكالة وأنواعه. ودائماً أتحرى الجمال حتى في الأشياء أو الأشخاص. وهذا طبعاً موضوع نسبي، فما أراه جميلاً ليس بالضرورة أنه يمثل قيمة جمالية عالمية، وإنما تلاقت رؤيتي معه.
    لا يمكن للشاعر أن يكون مؤكداً لشيء أو لاغياً له، رغم موقفة مما حوله، هو فقط يمارس سلطة الجمال وسلطة الرفض والموقف، كما فعل محمود درويش ونزار قباني وأحمد مطر والنواب وغيرهم.

 تكتب القصة القصيرة.. هل من إصدار جديد في القصة أو الرواية؟

  • منذ أكثر من 7 اعوام؛ وأنا أكتب رواية انتهت منذ فترة وهي بعنوان “الملجأ” فيها تداعيات إنسانية جميلة، تتلاقى فيها عدة شرائح من المجتمع -مختلفو الثقافات- في ملجأ، وكل منهم مجبر على مشاركة الآخرين أفكارهم وتفاهاتهم وانتماءاتهم أيضاً. وفي هذا الخضم تنشأ قصة حب بين شاب وفتاة… المهم مجمل الرواية أقرب إلى الواقعية الرومانسية، وأنا بصدد نشرها قريباً.

 

“قناعة وتأثر”
سؤال ما قبل الأخير: اسمك رعد! لكنك لطيف هادئ، وهذا ما تقره أنت بوصف ذاتك: ناعم كفراشة. وما بين الرعد والفراشة. ألا تخشى الاحتراق؟ ثم ما الذي بتقديرك يحرق الشاعر؟

  • بصراحة قد أبدو كما تقولين لكنني في الحقيقة مزاجي جداً وفوضوي جداً، وملول. أما مقولتي: (وقح كمحتاج.. ناعم كفراشة.. قوي كرعد.. ضعيف كعاشق). فهي مجمل حالاتي التي أعيش بها يومي، وقناعتي يا عزيزتي أن المبدع هو مبدع فقط (لحظة الإبداع) فيما عدا ذلك هو إنسان عادي يعمل ويصرخ ويبكي ويبني العلاقات الاجتاعية ويشتم ووو. فكما قلتُ قد أتحمل جبالاً من الحزن أحياناً، وقد تجرحني نقطة ماء.

سؤال تقليدي، ننهي به الحوار: بمن تأثرت من الأدباء والفلاسفة؟ ولمن تقرأ عادة؟

  • أحب مجمل أعمال محمود درويش وجنون الماغوط الرائع، ولغة هاني نديم المعاصرة، والألم الجميل في كتابة إبراهيم جابر إبراهيم. بصراحة تأثرت بكتابات غادة السمان، وقرأت شكسبير والماركيز. وأحب الميثولوجيا جداً؛ لما فيها من وحي وتفرد بأفكار رومانسية أحياناً ووجودية أحياناً أخرى. كما أغار من كتابات آرثر رامبو الرمزية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق