العناوين الرئيسيةترجمات وأبحاث

رجل السكّر .. نجيب البكوشي ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

وُلد “سيكستو رودريغيز” Sixto Rodriguez في العاشر من شهر يوليو سنة 1942، في مدينة ديترويت الأمريكية لعائلة مكسيكية مهاجرة، كان فنانا بوهيميا ملتزما بقضايا الحرية والمساواة والحب، يغنّي في الحانات وفي الساحات العامة وفي الشوارع. اكتشف موهبته في أواخر الستينيات صدفة، منتجان لشركة الانتاج الموسيقي الأمريكية Sussex Records. يذكر المنتجان “دينيس كوفي” و “مايك ثيودور” انّهما دخلا ذات مساء حانة شعبية على ضفاف نهر ديترويت، ووسط عتمة دخان السجائر وصخب السكارى استمعا إلى نغمات قيتارة تنبعث من ركن مظلم من اركان الحانة يصاحبها صوت رائع لشخص كان يغنّي وقد ادار ظهره للجمهور، انه “سيكستو رودريغيز” فنان الشوارع الخجول الذي لا يستطيع ان ينظر إلى جمهوره.

لم يتردد المنتجان لحظة واحدة في عرض فكرة تسجيل ألبوم على “سيكستو رودريغيز”، و كانت قناعتهما راسخة انه سيكون له شأن عظيم في مشهد موسيقى الروك. وقع “سيكستو رودريغيز” عقدا مع شركة Sussex Records، وسجل ألبومه الأول “حقيقة باردة” “Cold Fact” سنة 1969. الألبوم ضم اثنتي عشرة اغنية من اهمها: “رجل السكّر” Sugar Man و” الحيرة” Wonder، ورغم اجماع النقّاد الموسيقيين على القيمة الفنية العالية لهذا الألبوم إلا انّه سيفشل فشلا ذريعا على مستوى التوزيع، ولن يجد رواجا يذكر في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد خيبة الأمل هذه، سيسافر “سيكستو رودريغيز” إلى إنجلترا ليسجل ألبومًا ثانيًا بعنوان “قادم من الواقع” Coming From Reality سنة1971. ضمّ هذا الألبوم عشر أغان من تأليفه وألحانه وادائه. “سيكستو رودريغيز” له ميزة يشترك فيها مع أحد رموز موسيقى الروك في عصره وهو النجم “بوب ديلان” Bob Dylan، وهي ان كليهما شاعر ملحّن لأغانيه. لكن مرّة أخرى سيفشل “سيكستو رودريغيز” في الوصول إلى قلوب الناس، ولم يتمكن من بيع سوى بضع العشرات من نسخ ألبومه. بعد هذين التجربيتين المريرتين سيقرر “سيكستو رودريغيز” وضع حد لإحترافه الفن ويسجّل في جامعة ديترويت بقسم الفلسفة.

في بداية السبعينات من القرن الماضي، زارت شابة أمريكية صديقا لها في جنوب إفريقيا، وحملت معها في حقيبة سفرها ألبوم ” حقيقة باردة” Cold Fact لسيكستو رودريغيز، أُعجب صديقها الجنوب افريقي بأغاني رودريغيز وقام بنسخ الألبوم، ثمّ سمعه مع اصدقائه الذين نسخوه بدورهم، وانتشر الألبوم بسرعة قياسية بين الشباب الأبيض في جامعات بريتوريا، وكيب تاون، وفي المحلاّت بشوراع جوهانسبورغ. في السنوات السبعين و الثمانين، نشأ في جنوب افريقيا جيل يساري من ابناء الطبقة الوسطى البيضاء مناهض لنظام الميز العنصري القائم، هذا الجيل وجد في كلمات “سيكستو رودريغيز” ، الداعية للأخوة والعدالة والمحبة، خير معبّر عن القيم والمبادئ التي يحلم بارسائها في جنوب إفريقيا على انقاض نظام الميز العنصري الفاشي. استشعر نظام الأبارتيد خطورة انتشار اغاني “سيكستو رودريغيز” بين الشباب الأبيض، فقام بمنع تداول ألبوماته وبث أغانيه في الإذاعات والتلفزة، لكن هذا الإجراء التعسفي كان له اثر عكسي، حيث اصبحت أغاني “سيكستو رودريغيز” الممنوعة اكثر انتشارا، واصبحت كلماته شعارات ترفع في المظاهرات المناهضة للنظام. في تلك الحقبة من تاريخ جنوب إفريقيا، لا يخلو أي منزل لعائلة من الطبقة الوسطى البيضاء، من ثلاثة ألبومات موسيقية وهي: ألبوم “آبي رود” Abbey Road لمجموعة “البيتلز” وألبوم “جسر فوق المياه المضطربة” Bridge over troubled water لسيمون وغارفانكل Simon and Garfunkel، وألبوم “الحقيقة الباردة” Cold Fact لسيكستو رودريغيز. شهرة “سيكستو رودريغيز” ستتجاوز حدود جنوب إفريقيا لتصل إلى أستراليا و نيوزيلندا. ساهمت شركات الإنتاج الموسيقي في جنوب إفريقيا في خلق اساطير حول “سيكستو رودريغيز” ، لأنه لا أحد يعرف هويته أو مصيره، فراجت قصة تقول أنه قد مات بعد ان أضرم النار في جسده على خشبة المسرح، وقصة أخرى تقول انه في احد عروضه اخرج مسدسًا وأطلق رصاصة في رأسه ليلفظ أنفاسه الأخيرة أمام جمهوره.

ظل اختفاء “سيكستو رودريغيز” لغزا محيّرا ومجالا لنسج الأساطير في جنوب إفريقيا إلى حدود منتصف تسعينات القرن الماضي حين قرّر الصحفي الجنوب افريقي “كراغ-بارثولوميو-ستريدوم”  Craig Bartholomew-Strydom بمعية صديقه الموسيقي، “ستيفان سيجرمان” ، البدء في عمل صحفي استقصائي للكشف عن لغز اختفاء “سيكستو رودريغيز”، مستفيدين من انفتاح جنوب افريقيا على العالم بعد نهاية نظام الميز العنصري سنة 1994 وتولي نيلسون منديلا رئاسة البلاد، وظهور شبكة الإنترنت التي ستحدث ثورة اتصالية كونية. الصديقان سيقتفيان أثار “سيكستو رودريغيز”، ويزوران اهم المدن التي يذكرها في كلماته، وسيطلقان موقع على الإنترنت لتجميع المعلومات حوله، بعد ثلاث سنوات من البحث المضني وصلت ذات ليلة رسالة الكترونية من مدينة ديترويت من مواطنة أمريكية تُدعى “ايفا رودريغيز” تقول أنها ابنة “سيكستو رودريغيز”، وأن والدها حي يُرزق، ويعمل منذ 25 سنة في حضائر البناء ليُطعم عائلته، ولا يعلم شيئا عن شهرته في جنوب إفريقيا، وفي ساعة متأخرة من نفس تلك الليلة رنّ هاتف “ستيفان سيجرمان”، صديق الصحفي “كراغ-بارثولوميو-ستريدوم”   Craig   Bartholomew-Strydom  وكانت المفاجأة المذهلة، إنها مكالمة من “سيكستو رودريغيز” من ديترويت، انه صوت معبود الجماهير في جنوب افريقيا الذي اعتقد الجميع انه مات منذ عقود من الزمن.

الموسيقي “ستيفان سيجرمان” والصحفي “كراغ-بارثولوميو-ستريدوم”   Craig Bartholomew-Strydom سيكونان همزة الوصل بين “سيكستو رودريغيز” وجمهوره المتعطّش للقائه في جنوب افريقيا.

سنة 1998، وهو في سن السادسة والخمسين، سيحل “سيكستو رودريغيز” بمعية عائلته بالكيب تاون بجنوب إفريقيا، وسيُستقبل مثل كبار المشاهير بالسجاد الأحمر وسيارات الليموزين، وسيُقيم سلسلة عروض بجنوب إفريقيا بحضور الآلاف من المتيّمين بموسيقاه وأغانيه.

بعد سلسة حفلاته سيعود “سيكستو رودريغيز” إلى مسقط رأسه بمدينة ديترويت الأمريكية، ورغم احتفاء الصحافة الجنوب افريقية والعالمية به لن تعيره الصحافة الأمريكية اي إهتمام. لكن سنة 2013 سيقوم المخرج السويدي/الجزائري مالك بن جلّول بإنجاز فيلم وثائقي حول قصة “سيكستو رودريغيز”، حمل عنوان “البحث عن رجل السكر” Searching for Sugar Man، الفيلم سيشهد نجاحا منقطع النظير، وسيفوز بجائزة البافتا البريطانية والأوسكار الأمريكية عن أفضل فيلم وثائقي. وبفضل فيلم مالك بن جلول سيكتشف الجمهور الأمريكي “سيكستو رودريغيز” من جديد بعد أن أهمله لأكثر من أربعين عاما.

للأسف المخرج السويدي/الجزائري مالك بن جلّول سيضع حدّا لحياته سنة 2014 وهو في أوج العطاء، “سيكستو رودريغيز” سيعلّق على خبر انتحار مالك بن جلّول قائلا: حزنت حزنا شديدا على رحيل الرجل الذي أخرجني من الظُلمة إلى النور.

اهم الرسائل التي يمكن ان نستخلصها من قصّة الفنان “سيكستو رودريغيز” ؛ ان الموهبة هي احد الجناحين الذين بفضلهما يمكنك ان تحلّق عاليا في سماء الإبداع ولكن لوحدها لا تكفي، وان الفنان عليه ان لا يستصغر عمله وان لا تحبطه قسوة المُتلقّي، قد يكون مبدعا لجيل آخر، لزمن آخر، لجغرافية أخرى…

*نجيب البكوشي باحث وكاتب تونسي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى