العناوين الرئيسيةرأي

د. نسرين زريق .. يدٌ ممدودة بالخير، وعينٌ تقاوم المخرز

|| Midline-news || – الوسط …
روعة يونس*

.

نشأت خلال سنوات الحرب على سورية، جمعيات أهلية، لا تهدف كما تشير أنظمتها الداخلية وتراخيصها إلى الربح! بل تهدف إلى أن تُشكّل روافد ضرورية في إعادة بناء المجتمع الذي تتداعى بنيته تحت وطأة الحرب والموت والدمار والفقر. وبذا انطلقت جمعيات ومنظمات أهلية، تعددت مسميات أنشطتها وأنواعها والغايات التي سعت لها فعلياً، بدءاً من الجمعيات الخيرية (التقليدية) التي تعتمد على الهبات والتبرعات، إلى جمعيات الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية وكل ما من شأنه تلبية حاجات أو مطالب اجتماعية والمشاركة في عملية التنمية.
فشلت في مسيرتها بعض تلك الجمعيات لأكثر من سبب، فمنها في الأساس أعلنت عن أهداف مغايرة لغاياتها التي سرعان ما انكشفت! ومنها عانت من وجود مدير أو مسؤول عنها يتصف بالدكتاتورية والتسلط، ما جعل هذه الجمعية أو تلك تخضع لرغباته! ويظل شرها أهون من جمعيات خضعت للنهب والفساد، وسرقت بيمينها ما تستلمه من تبرعات بيسراها!

وفيما عجزت جمعيات قوامها إدارات وفرق؛ عن أداء دورها وبلوغ هدفها الذي أعلنت عنه! نجح فردٌ لوحده، مواطنة سورية هي الدكتورة نسرين زريق الأستاذة الجامعية في علوم الاقتصاد، انطلقت من إنسانيتها تخوض معركة ضد فقر وحاجة ومرض وقهر مواطنيها، على اختلاف مدنهم ومذاهبهم وأعمارهم وفئاتهم الاجتماعية، مدججة بوطنية وأخلاقيات وإحساس بالآخر الذي تنهشه الحرب.

صحيح أنها واجهت في البداية بعض التحديات والصعوبات التي كان يمكن أن تحدّ من نشاطها وفاعليتها وتدفعها للاستسلام، مثل “التمويل” الذي تحتاجه للقيام بأعمال الخير والمساندة، فالمساعدات المادية تلعب دوراً محورياً في نشاطها الخيري النبيل. لكن لأنها صاحبة يد ممدودة للخير وعين تقاوم المخرز، فتحت حسابها على “فيسبوك” للإعلان عن احتياجات المواطنين وعائلاتهم (مدنيون وعسكريون) وتواصلت كنقطة انطلاق مع أهل الخير من أصدقاء وأهل؛ لتوفير ملبس ومأكل للأيتام والفقراء والمنكوبين، عبر فريق “عسس” الذي كان يوزع الألبسة ومستلزمات المدارس والأغطية واحتياجات لا حصر لها على كل محتاج لها.
ورفضت د. نسرين زريق أن تستلم أي تبرع، إذ اقتصر دورها على كونها وسيط. وسيط يعلن عن حاجة إنسان إلى فرصة عمل أو دواء أو عملية جراحية أو جهاز أو إيفاء دين أو سداد إيجار منزل أو حتى ثمن طعام أو ثياب. أو إعلان بل نداء حار عن وجود مشرد أو عاجز أو متسول في الطرقات! وحين تجد متبرع يلبي حاجته، تسلمه رقم هاتف المحتاج. أو يتم سداد المبلغ مباشرة للمشفى أو المركز أو الصيدلية ….إلخ

في مرحلة لاحقة باتت لديها عبر صفحتها على فيسبوك خطط للمساعدة. فمع موسم العودة للمدارس، هناك خطة لتقديم مستلزمات مدرسية وحقائب للتلاميذ. وفي الأعياد الدينية؛ هناك زيارات لدور الأيتام والعجزة كي يتم تقديم ألبسة العيد لهم. عدا عن اهتمام بالغ بكل ما يتصل بالشهداء وعائلاتهم وجرحى الجيش. أما اليوم فسعيها حثيث بين المحافظات لتوفير أنابيب أوكسجين للمصابين بوباء “كورونا” ودأبها متواصل لتوفير كمامات وقفازات وأدوية.
إن مجلدات لا تكفي للحديث عن جهود د.زريق، ما من كتابة تفيها حقها هي التي تقرأ آلام الناس وتداويها. فبينما ملأ بعض أصحاب الجمعيات “الخيرية” المستجدة، جيوبهم بالعملات، وامتلكوا الدور والسيارات، تنتظر د.زريق أحياناً استلام راتبها الشهري كي تقدّم لسيدة مطلقة قسط معهد “دورة بكالوريا” ولمسن عاجز ثمن الدواء، ولطفل يتيم ثياباً جديدة.
هذا كله إلى جانب تقديمها استشارات ومقالات وآراء ومنشورات وتحليلات صائبة قيّمة في المجال الاقتصادي لتوعية القراء والأصدقاء، ووضعهم في صورة ما يحدث وما سيحدث. وإصرارها على بث التفاؤل والأمل مع سرد الحقائق والتصورات التي تراها بكل صدق وصراحة وجرأة، دون مجاملة لحكومة أو حياد عن الحقيقة.

صحيح أننا قلنا في الفقرة السابقة “إن مجلدات لا تكفي للحديث عن د.زريق” لكن الهدف هنا ليس مديحها والثناء على جهودها الإنسانية، بل الإشارة إلى كيفية نجاح الإنسان برسالته النبيلة، ووضع قدراته ورؤاه وعلومه الأكاديمية وجهوده في خدمة الآخر، دون مقابل. بلى في مقابل رسم بسمة على وجه من حلّت له مشكلته. وسعي لرسم ابتسامة أخرى على وجه آخر ستجد له الحلول والبدائل، انتصاراً لأخوتها في الوطن والإنسانية. بما جعلها قبلة كل محتاج، لأنها لم تكن ابنة الشمس –كما يقول معرّفها- بل الشمس ذاتها.

 

 

*مسؤولة “الثقافة والفنون” في “الوسط”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق