العناوين الرئيسيةالوسط الفني

د.فاطمة اسبر: خوفي ألا أكون قريبة من مستوى أخي أدونيس أبعدني عن فكرة الكتابة

لا توجد لدينا تيارات ولا تسويق للفن بل مجرد إبداعات تشكيلية فردية!

|| Midline-news || – الوسط …
حوار: روعة يونس

 

جمال لغتها وتميز عبير حروفها، وكل ثناء حول لغتها، لا يُشكل لديها إلاّ إحراجاً لتواضعها.. فالفنانة التشكيلية الرائعة د.فاطمة اسبر، تلوذ بالفن التشكيلي، تزرع روحها اللونية في أرضه، وتحلّق في فضاءاته بأجنحة من ثقافة وفكر ورؤى. وترى في نفسها الفنانة لا الكاتبة، رغم الإجماع على جمال نصوصها في اللون والكلمة.
فاطمة اسبر التي نشأت في كنف الجمال والأدب والفكر برعاية شقيقها الأكبر الشاعر والمفكر العظيم علي أحمد سعيد اسبر “أدونيس” تخوض عالم التشكيل بشغف وإخلاص. إخلاص للفن الذي تدرك أنه لن ينمو ويتطور إلاّ بطرح الجديد الإبداعي والابتكاري على صعيد الفنان الفرد وكذلك على صعيد التحام الرؤى وانطلاق تيارات تؤسس لحركة فنية قيّمة.
إلى جانب لوحتها، هناك دائماً حضور ثقافي ونضج كبير وطموح وتطلع إلى ما هو أفضل للفن والفنانين. فلا يشغلها فقط إنجاز لوحة رائعة تخصها، بل كذلك أن يُحدث الفن وأهله فارقاً مهماً.
الحوار مع د.فاطمة اسبر، ممتع حقاً، بفضل إجاباتها وطروحاتها التي نهضت بالحوار وأثرته ومنحت بطاقته الشخصية علامات فارقة، هي: الجمال والذكاء والحرية، وفي كل ذلك يكمن الإمتاع.
.

“رحلة اللون والكلمة والدكتوراه” 
ثمة من لا يعرف أيهما بدأ لديكِ أولاً: النص اللغوي أم النص اللوني؟ بارعة أخّاذة في كليهما، إنما من انبثق بداية من دواخل فاطمة اسبر الكلمة أم الريشة؟

*الحقيقة، أنا لم أطرح نفسي كاتبة، وما أكتبه أحياناً لا يتجاوز الخاطرة أو التحية للأصدقاء على نتاجهم. كما أحب أن أشير إلى أن النص اللوني يكون مرافقاً للطفولة الأولى، فهو وسيلة التعبير عن نفسه لأنه يتصف بالعفوية التي توائم الطفولة، قبل الكلام، فاللون والخط هو  اللغة التعبيرية الأولى للطفولة ، وقد كنت أتمتع بهذه الموهبة وأمارسها بشغف، أنقل صوراً وألونها وأتخيل أشكالاً، وبعد دخولي المدرسة وتوسع مداركي أحببت اللغة وكنت أكتب مواضيع التعبير والمواضيع الأدبية بلغة يمدحها أساتذتي ، وفي المرحلة الجامعية كان البحث الذي أكتبه هو البحث الذي يُقرأ، فقد كنت متفوقة في اللغة العربية التي تخصصت بها ، وفي الحقيقة أحب لغتي ، لكنني اتجهت إلى الرسم بعد أن توقفت عن العمل التدريسي.

قبل الإبحار معكِ، لابد من سؤال يفرض نفسه. فإذا كان معظم شعراء وكتّاب عالمنا العربي تأثروا بشعر العظيم أدونيس وتتلمذوا على فكره، فكيف بكِ وأنت شقيقته الصغرى؟! أريد استرسالك في الإجابة حول تأثير أدونيس – علي أحمد سعيد اسبر؛ على أدبك وفنك وحياتك؟ خاصة أن رسالتك في الدكتوراه كانت عن “ظاهرة الرفض في شعر أدونيس”؟

* أدونيس ، وأنا أخته ، وأعرف أن سؤالك موجه لعلمك بأنني أتكلم بموضوعية شديدة بعيداً عن العاطفة، ولا أخفيك أنني كنت أتهيّب خوض الأحاديث عنه، خوف الربط العاطفي.  لكن أدونيس الآن تجاوز المحلية إلى العالمية الواسعة، فقبل عدة سنين كان تصنيفه واحداً من أربعة شعراء لهم الصدارة الشعرية في العالم ، والآن نقاد أوربيون يرون فيه الأول، وأنه دخل في نسيج القصيدة الأوربية، وشعره مترجم إلى جميع اللغات الحية في العالم ، ولم تبق جائزة أدبية عالمية إلا نالها عدا جائزة “نوبل”- المعروفة الميول، وعدا الجوائز العربية. وبما أنه تجاوز حدود المديح ونقيضه، فهذا يتيح لي أن أقول مشاعري بصدق، ولا أخفيك أنني حين أقرأ  أدونيس وأتوقف عن القراءة ، فإما أن أسمع بعض الموسيقا أو أذهب إلى الرسم ، ولا أخفيك أيضاً أن خوفي على أن لا أكون بمستوىً يقترب من مستوى كتابته أبعدني عن فكرة الكتابة ، لكن أسلوبه في بناء الجملة الشعرية والتخلي عن الصفات واختيار الكلمات التي تكثف المعنى وتعمقه مع البعد الكامل عن التكرار كل ذلك أثر في طريقة تعاملي مع الكتابة.
أما الدكتوراه فلها قصة، وتأخذ حيزاً سيخرج عن موضوعنا بتفصيله، لكنني باختصار، زوجة دبلوماسي ، ولم أتوقف عن متابعة دراستي في البلدان التي خدم فيها زوجي ، وقد حصلت على الشهادة الجامعية من جامعة القاهرة فرع اللغة العربية، وفي بودابست كان لا بد من الدراسة أيضاً وقد كان زوجي رفيقاً مشجعاً ، وذهبت إلى رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة بودابست ، وعرضت علية مشروع البحث والذي كان عن خط الحداثة من امرئ القيس إلى المتنبي ، مروراً بأبي تمام ، وصولاً إلى أدونيس ،وحين رأى رئيس القسم اسم ادونيس قال: أريد أن تعملي دراستك في جانب من أدونيس فقط ، وشعرت بالخوف فأدونيس أخي وسوف أواجه صعوبات لا أتمناها! لكنني طلبت أن يمنحني يوماً للتفكير ولم أخبره أن أدونيس أخي! عدت إلى البيت واتصلت بأدونيس، أخبرته الموضوع، فقال لي: ستواجهين صعوبات كثيرة وقد يرفضونها في سورية!  قولي للأستاذ بأنني أخوك وسوف تواجهين صعوبات في الكتابة عني. وفي اليوم التالي ذهبت إلى الجامعة وقلت للبروفسور بأن أدونيس أخي وسوف أجد صعوبة أخلاقية في الكتابة عنه، لكن حين عرف بأنني أخته أصر وقال بأن ذلك يعطي الكتابة قيمة إضافية، وإذا لم اكتب في شعر أدونيس فلن يشرف علي، بل يجب أن أبحث عن أستاذ آخر.  وهكذا كان لابد من الكتابة عن أدونيس، واخترت موضوع الرفض الذي كان ومايزال علامة فارقة في شعره فكتبت عن الرفض /الديني /الاجتماعي/ السياسي/ والرفض الفني، وأرفقته بفصل صغير عن شعر الحب لأنه يبتعد بالمرأة أن تكون موضوعاً، بل هي ذات فاعلة لا تختلف عن الرجل بل تتفوق عليه، أذكر هذا لأقول بأنها كانت فرصة خارقة بالنسبة لي كي أقرأ ادونيس وأدخل في محيطه الشعري وقدرت أن أقف على جوانب من شعره لكن على استحياء كبير ، فعلى الرغم من السهولة الفائقة الامتناع في شعره لابد من ثقافة تاريخية دينية سياسية ولا تغيب الأسطورة ، إلا لتظهر من جديد ، ولا أخفيك أنني أمضيت أكثر من أربع سنوات في إنجاز الرسالة، لكنها نالت حقها في المناقشة ، وقد كانت بحق وبحسب رأي الأساتذة بأنها رسالة تساهم في فهم شعر أدونيس بأبعاده ، وتزيل صفة الغموض التي يطلقها بعض القراء على شعره. بالنسبة لفهم الشعر نحن نتبع في مدارسنا أسلوباً لا يساعد على فهم الشعر كما يجب، الشعر يُفهم كما تُفهم الموسيقا ، وكما نفهم الهواء وكما نفهم الماء ثم نتفهم مردوده المعرفي كما نتفهم مردود الهواء والماء والموسيقا.
.
.

” أدونيس صورة مرئية للحب” 

سؤال آخر وأخير عن أدونيس.. واعذريني لأنني استثمر حواري معكِ وأنتِ الأقرب إلى قلبه، لسؤالك عن ما لا يعرفه جمهور أدونيس عنه! كيف تعرّفي الأجيال على أدونيس؟

*لقد تحدث أدونيس عن بعض أحداث طفولته وشبابه ، لكن أحب أن أشير إلى أن أبي توفي وكنا صغاراً ، وقد أخذ أدونيس دور الأب وهو صغير أيضاً، وفي ظروف شديدة الصعوبة غادر إلى لبنان، وهناك عمل كثيراً في الصحافة والتدريس والترجمة كي يوفر لنا بعد أبي ما يكفي لتعليمنا وعيشنا. شعر أدونيس قائم على المرتكزات الإنسانية التي تسعى لحفظ كرامة الإنسان وحريته، وبرغم أنه واجه نقداً جارحاً بعيداً عن الموضوعية وأقرب ما يكون إلى التجريح الشخصي أو الطائفي! غير أنه لم يرد يوماً على الذين أساؤوا إليه بنقدهم القائم على السباب والشتيمة، وكان محبوه يردون أحياناً ، غير أن أدونيس كان يزداد ويتسع شهرة في العالم وأما الذين أساؤوا فإنهم مثل دخان يزيله الهواء في لحظات.
من خلال علاقته بأهله وبالناس ومن خلال الحب الذي يملأ قلبه ومن خلال شعره أستطيع أن أقول لك: لو أن الحب يتجسد في شكل ما لقلت لك بأن (أدونيس هو الصورة المرئية للحب). شعره، في كل قصيدة عالم واسع من الخيال مملوء بالصور ، ولذلك إن قلت لك إنني مشبعة بصوره وعالمه الذي يرتسم في مخيلتي، فصدقيني، لكنني أسعى أن يقود عالمه خطاي إلى عالمي ونفسي متأثرة بمبدأ القوة والروحانية والقرابة، وتقريب الخيال من الواقع، وترينني أبتعد عن ذلك التأثر الذي يجعل مني ناقلة لا مبتكرة.

بعد أن تركت التدريس بدأت التفرغ للرسم تماماً -قبل عدة أعوام- لماذا أرجأتِ هذه الخطوة؟ هل لأن الفن يحتاج غلى توفر ظرفي المكان والزمان؟ أم لأنه يفرض اشتراطات ما؟ أم لأسباب أخرى؟

* تعرفين أنني من بلدة “قصابين”  أي أنني ريفية المنشأ، ولم يكن لدينا مدارس، نتعلم بصعوبة وننتقل بحكم عمل أخي معه فحيث يكون نكون، وكان أهم شيء بالنسبة لبيتنا هو التحصيل العلمي، والرسم ليس أكثر من تسلية بين وقت وآخر ، لذلك كان التركيز على الدراسة التي تحقق نيل الشهادة العالية التي تؤهل للوظيفة والإنتاج الإقتصادي، وقد تزوجت بعد تخرجي من دار المعلمات وكان زوجي دبلوماسياً ، وتعرفين أن الواجبات في مثل هذا الوضع كفيلة بإعاقة الدراسة ، لكنني لم أتوقف ، أخذت إجازة اللغة العربية من جامعة القاهرة ، والدكتوراه من بودابست كما ذكرت، وعملت في التدريس، وفي هذا الجو لم تكن الفرصة متاحة لممارسة الرسم ، كما أن الجذوة خمدت قليلاً ، لكن بعد التقاعد، بدأت تتقد وتتوهج في نفسي رغبة الرسم، ثم بدأت جدياً في المتابعة من سنة 2010 وبدأت أرسم ، الحقيقة بيتنا كبير وواسع ، لكنني لم أمارس الرسم داخله أبداً ، أرسم على الشرفة ، في الصيف أنتظر الظل ، وفي الشتاء أنتظر الشمس ، وأنا أحب الرسم بالمواد الزيتية ، لذلك أحتاج لمواد لها رائحة ، وأنا لا أريد أن يشكو أحد من موادي في الرسم، كما أنني أسعى إلى توفير (ظرفي المكان والزمان) -على حد قولك المهم- قدر استطاعتي ، وفي كثير من الأحيان أتحدى ظروفي الصحية فأخرج في البرد أو في الشمس كي أرسم قليلاً ثم أدخل.
.


“معارض فنية وفضاءات لونية”

قبل عامين حظي معرضك “فضاءات لونية” بإعجاب الزملاء والمتلقين على حد سواء.. نزلت اللوحات عن الجدران لكنها ظلت معلقة في ذاكرة المتلقين. يومها ما الذي أردت قوله من خلال المعرض؟ اية رسالة حملتها الفضاءات؟

* سعيدة جداً بقولك هذا، وفي الحقيقة كانت ردود الفعل لدى الزوار رغم ظروف المعرض إيجابية وأسعدتني، أما ما الذي أردت قوله فإن قلت لك شيئاً محدداً أكون على الضفة المقابلة من الحقيقة، نعم أريد أن أقول شيئاً وأسعى أن يكون جديداً وأن يُصنف في الفضاء الجمالي الذي يريده الفن. لكنني سأبوح لك وأعتقد أنه لم يعد سراً، فأنا لا أجيد التخطيط المسبق لرسم لوحة، ولا أقول الآن سأرسم منظراً طبيعياً أو امرأة أو شيئاً محدداً ، رسمي يقوم على الحلم والبحث، والتجريب، أجرب كثيراً وأبحث وأشطب، ثم أعيد بعد التجريب وأبدأ باللعب، ليس بالألوان، بل معها وعلى سطح اللوحة، إلى أن نصل كفريق إلى شكل نتفق عليه، نحبه كلنا (الألوان وسطح اللوحة وأدوات الرسم) ثم نخرج هذا الشكل بصورة متفق عليها أيضاً، قد أنجح، وقد لا أنجح، فهذا في النهاية يعتمد على الذائقة بالدرجة الأولى. لكن ما أحبه أظل على حبي له. من هنا أقول لك: أريد أن أقول شيئاً أتمنى أن أكون أول من قاله، وإذا قاله أحدٌ غيري فأتمنى أن يكون قولي إضافةً لا ترديداً أو تكراراً. وأتمنى أن أكون قد نجحت بتقديم شيء جديد، كما أتمنى أن أنجح دائماً في ذلك.

المتابع لتجربتك الفنية -مثلي- يلاحظ أنك تنجزين لوحتك في كل مرة بإضافة جديدة. نعم، لديكِ ذات الروح! لكن دائماً هناك تفصيل جديد سواء في التقنية أو الخط أو اللون أو الفكرة. هل “فن التشكيل” رواية أو مسلسل لا ينتهي؟

* جميل، كأنك أجبت على السؤال، نعم فن التشكيل فضاء لا يمتلئ، ولو أخذنا مثالاً بسيطاً: لو وقف عشرة فنانين أمام شجرة واحدة، وليس منظراً فيه أكثر من شجرة، فإن كل فنان يرسم الشجرة ذاتها لكن باختلاف مؤكد عنها وباختلاف مؤكد أكثر عن بقية الفنانين، كل واحد ستظهر فيها لمسته وروحه مختلفة عن الآخر مهما كان الشبه كبيراً، ولو أعدت التجربة ذاتها مع عشرة آخرين ستجدين الاختلاف المتعدد أيضاً.. هذا على مستوى شجرة، فما بالك على مستوى طبيعة لا تنتهي تفاصيلها الظاهرة وماذا سنقول بعد ذلك عن خفاياها، التي يتم الكشف عنها بالحدس والتجريب والتخيل!؟ نعم عالم التشكيل لا ينتهي.
.

“تقنيات فنية وحركة تشكيلية”
تتسم لوحاتك بأنها ذات تقنيات متفردة لاشك. لكن لم الإصرار على إخفاء ملامح الوجوه؟ ربما تتركين احتمالات الملامح ومشاعرها في ذمة وعي المتلقي؟

* لا أعرف إذا كان غياب الملامح في أعمالي ناتج عن حالة أعاني منها! كما تلاحظين أربط كثيراً بين المرأة والشجرة، المرأة بما تحمله من قداسة الخلق والشجرة بما تحمله من قداسة العطاء، المرأة في خيالي جمال غير ممسوس بالنقصان، لكنني في الحقيقة غير راضية عن موقف المرأة من ذاتها ولا من من بنات جنسها، وفي كثير من الأحيان أراها ضد كينونتها، وأكثر الأقلام التي طالبت بحرية المرأة هي أقلام ذكورية، وحين تصل لمنصب تستطيع أن تفعل من خلاله شيئاً ، فإنها تنسى بنات جنسها! كما أن ثقافتها الدينية مسموعة أي قال عن قيل، ولا تكلف نفسها بأن تقرأ وتكتسب موقعها الديني بنفسها وليس بأحد سواها، ربما من أجل ذلك تجدين غياب الملامح، والعين الواحدة التي لاترى المشهد كله، إضافة إلى أنني بطبعي أميل إلى الضبابية قليلاً وكأنني بانتظار الحضور الكامل للشكل في ذهن المتلقي وكأنه قادم من المستقبل.

أود التوقف معك عند قضايا عامة. بداية كيف تقيّمين الحركة التشكيلية في سورية؟ هل ترين أنها بخير وناشطة، أم ثمة ما ينقصها؟

* الحركة الفنية في سورية ناشطة وعلى الرغم من الحالة المعيقة بسبب “كورونا”، إلا أن الحركة ناشطة وهي بخير من حيث العروض والحضور، وأحياناً في الأحوال العادية كنا نشكو من ازدحام الصالات بالمعارض ولا نستطيع حضور الافتتاحات في اليوم الواحد، وأراها بخير على هذا المستوى. لكن السؤال الذي يجب أن تجيب عليه وزارة الثقافة والنقابة، هو: ماذا نقدم للحركة التشكيلية في سورية؟ ماذا نقدم للفنانين كي ندفعهم في الطريق الصحيح؟ الفنانون مظلومون، فلا توجد مكتبة توفر لهم المواد بعيداً عن احتكار التجار، ولا توجد سوق يستطيعون أن يسوّقوا أعمالهم من خلالها، وإذا وُجد شخص يقتني، فهو يقتني بدافع الشفقة على الفنان! أو بهدف التجارة لأعمال ذوي الأسماء ذات الشهرة. فالمتذوقون المقتنون قلة، لذلك إذا أصيب الإبداع بركود ما، فهذا نتيجة وليس أساساً.
فنانونا على مستوى عال من التمكن، لكن ضغط الحالة الاقتصادية لابد أن تصيب الحركة الإبداعية، بالإضافة إلى خلوّ الساحة تقريباً من النقد. أضيف أيضاً انعدام اللقاءات بين الفنانين من أجل بحث وتقويم الوضع الفني ، هذه السلبيات تعمل على التكاسل والرضا بما هو قائم والتكاسل عن التجريب والبحث من أجل الكشف عن الجديد وهذا كله يؤدي إلى إضعاف الحركة الإبداعية.
.

“حضور الإبداعات وغياب التيارات”

يتفق التشكيليون -معظمهم- أن من أهداف الفن نشر الجمال والخير. لكن يُلاحظ في الفترة الأخيرة اعتراض عدة نقّاد وكتّاب على نوع من التشكيل، كونه -حسب أقوالهم- يشيع البشاعة والأشباح والشر! ما رأي د.فاطمة في هذا كله؟

*هذا القول يؤكد ارتباط الفن بالزمن وبالمراحل الزمنية من تطور التكنولوجيا واستخدام الإلكترونيات في التصوير ، في زمن لم تكن فيه الكاميرا قادرة على تصوير الواقع كما أيامنا كان لابد للفنانين أن يرسموا وينقلوا الواقع، فلوحة مثل (الجرينيكا) عملت ثورة وغيرت تاريخ اسبانيا، لكن قولي لي: أي لوحة يمكن أن تغير شيئاً في واقعنا خلال الحرب التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً؟ قولي لي أي مشهد يمكن أن يغير من فكر شخص كاره بسبب ما؟ لذلك مع تغيّر الزمن لابد أن يتغير دور الفن، بعض النقاد والمتلقين يرون في القبح جمالاً مختلفاً، حتى لوحة (الصرخة) التي بيعت بثمن باهظ. وأتحدث عن نفسي: لم أجد فيها ما يرضي صرخة قلبي ضد ما حدث لنا، وما أراه.  وأبدي رأيي بتواضع تام أمام من يخالفني الرأي بأن الكاميرا في زمننا أهم من الرسم في توثيق الواقع.. الكاميرا تسجل واقعاً كاملاً وبدقة. الفنان يلتقط مشهداً ولن يكون قادراً على نقل الصدق بشكله الكامل، لذلك أرى أن على الكاميرا أن توثق الواقع بالصور وأما التشكيل باللون فعليه استحضار الجمال، وفتح أبوابه فهو المخلص من قبح هذا الذي يحدث في العالم.

وفرة الفنانين وكثرة المعارض في سورية، هل تعني أن الفن تطور ويتصاعد ويسابق الزمن من خلال طروحات ورؤى فنية جديدة؟ أم أن التجارب الفنية لا تزال غرقى في مدارس فنية محددة: كلاسيكية وواقعية وتجريدية وسريالية وحداثي؟

*نعم لدينا فنانون، سورية غنية بالمبدعين ولعل في هذا السؤال استكمال لسؤال سابق عن نشاط الحركة الفنية، ووفرة المعارض، لكن ذلك لا يعني تطوراً وتصاعداً في الإبداع، نحن لايوجد لدينا تيارات فنية، كل فنان يسعى في المناخ الذي يحبه، وأنا نموذج، وأقول رأيي بتواضع كبير: نحن لا نواكب العالم بكل مايتعلق بالفن واحتياجاته، لذلك كيف سنواكب العالم إبداعياً؟ وكما قلت ما يوجد على المستوى الإبداعي أفراد، وليس تيارات.
.

“الحداثة زمن وليست قيمة”
لاشك هناك محاولات في “فن ما بعد الحداثة” لدينا؟ إنما هل ترقى برأيك إلى مصاف تجارب تؤسس لنهضة فنية وتكريس فن ما بعد الحداثة؟

*الحداثة، ماقبل الحاثة وما بعد الحداثة، هذه كلها تقسيمات وتسميات لها علاقة بالزمن وليس بالقيمة، ما قبل بيكاسو مثلاً كان وضع العين في مكانها من الأمور المقدسة التي لا يمكن التسامح بالمساس بها، جاء بيكاسو ووضع العين في غير مكانها، وغيّر في الشكل وأعطى أبعاداً مختلفة له، لكن هذا لا يعني أن أعمال بيكاسو أكثر قيمة من أعمال من قبله ، لأن الحداثة تلبية لاحتياجات الناس في مرحلة زمنية معينة، وهذا لايعني انعدام الحداثة في أعمال ما قبل الحداثة، فلو أخذنا مثلاً على مستوى الشعر أبا نواس الذي عاش في العصر العباسي، والذي يكتب الشعر الموزون المقفى، سنجده أكثر حداثة من أهم شعراء عصرنا! وينطبق على الرسم ماقلته عن الشعر، فالمتأمل في أعمال دافنشي مثلاً سيجد الخطوط والضوء أكثر حداثة من عصرنا هذا، أما ما بعد الحداثة فقد اختلط الأمر، وكما حدث على مستوى الأزياء، فكل شخص يستطيع أن يرتدي ما يناسبه، كذلك على مستوى الفن، والرسم، بشكل خاص كل فنان يرسم ما يناسبه. هناك من يضع حجراً مكان العين مثلاً، وهناك من يريد منافسة الموناليزا في تصوير الشكل. لكن في جميع الأحوال الحداثة هي زمن وليست قيمة. نحن كما قلت لا يوجد لدينا تيارات فنية، ولا يوجد لدينا تسويق للفن، وهذا يبقينا في إطار المتلقين للجديد وليس المبدعين له.

من خلال متابعتي للحركة الفنية وتغطياتي للمعارض، لاحظت ميل البعض لرسم الأفكار وطرحها في نصوص لونية. إنما هل هذا يكفي؟

*من خلال تجربتي، أجد نفسي ضد رسم الأفكار، بل أريد لعملي أن يوّلد أفكاراً ، لا أريد أن أنتمي إلى مدرسة، أتمنى أن يلمح المشاهد لعملي المدارس جميعها، أو أن يراني لا رابط بيني وبين أي مدرسة. لا أريد أن أرسم حدثاً في وقته، بل أريد أن أعطيه فترة كي أتمثله جيداً، فربما أرفضه بعد مدة؛ أو ربما يزداد عمقه في نفسي، ليس هذا رفضاً، ولا أحمله أي شيء سوى أن الفنان قد يكون في عمل واحد متمثلاً للمدارس جميعها وتظهر في عمله، وربما يكون هو مدرسة بذاته. فالحرية من أهم مايمكن أن يتوفر للفنان، من دون الحرية، يتعثر الفن.
.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق