إضاءاتالعناوين الرئيسية

“ديكلوفيناك” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

كان يجلس في صيدليته يرتّبُ بعض الأدويةِ على الرّفوفِ في مساءٍ شتويٍّ بارد، حينَ فُتِحَ بابُ الصيدليّةِ بعصبيّةٍ وشدّةٍ ملحوظةٍ مع دخول امرأةٍ تصرخُ ألماً:
دكتور ، أرجوك أغثني.. ارحني من وجعي الذي يكادُ يفتكُ بي، أرجوك.
أجاب الصيدليُّ بحسمٍ صارم :
أنا لستُ طبيباً ، عليكِ بالإسراع إلى مشفىً أو عيادةِ طبيب.
صرخت وهي تتأوّهُ من الألم :
أرجوكَ ياأخي أرجوك لا طاقةَ لي على تحمّلِ المزيد، جِد لي حلّاً يريحني أتوسّلُ إليك.
سألها الصيدليُّ :
هل تعرفين سبباً لهذه الآلام المبرحة؟
أجابت وهي تتنهّدُ بارتخاءٍ ظاهر بعد أن جلست على كرسيّ تستريح قليلاً :
أجل ، أجل.. أعاني منذ أمدٍ بعيد من مغصٍ كلويٍّ يعاودني بين الفينةِ والفينة ولكن هذه المرّة النوبة شديدة جدّاً.
قال: إذاً انتظريني لدقيقةٍ ريثما أهيّئُ لكِ حقنةَ مسكّنٍ ترتاحين إثرَها وتذهبين لاستكمال العلاج بإشراف طبيب.
قالت : نعم نعم افعل ماينقذني.
استدار و ذهب لإعداد الإبرة ..
ماهي إلا دقائقُ حتّى بدأ الدّواءُ يسري في جسدها، وأخذ الألمُ يخفُّ ويتلاشى رويداً رويدا.
أحضر الصيدليُّ كوب ماءٍ وسأل المريضة:
هلّا أعطيتِني رقمَ هاتفِ زوجكِ أو أحدٍ من أقربائِكِ حتّى..
سكتَ الصيدلي لبرهةٍ وقد تفاجأ بارتخاء رأس المريضة على الكرسيّ ، هبَّ واقفاً وهُرعَ إليها فإذا بها فاقدة للوعي، عبثاً حاول أن يوقظَها ببضع صفعاتٍ ولكن دون جدوى.
أحضر قطنة مع كحول ومسح وجهَها ولكن أيضاً لم تبدِ السيدةُ أي تجاوبٍ بنفسٍ أو صوتٍ أو صفير .
جسَّ نبضها فلم يستشعر أي نبضةٍ ، كما كانت يدها باردةً ووجهُها باهتاً !
ارتعدت فرائصُ الصيدليِّ واتّصلَ فوراً بالإسعاف يستعجلُهم بالحضور إلى عنوانه، و هبَّ باتّجاه صندوق “الغلّة” وجمع النقودَ وأقفل الصندوق وفرَّ مسرعاً من الصيدليّة إلى جهة مجهولة.
وصل الإسعافُ سريعاً إلى الصيدليّةِ الخالية من أيّ شخصٍ إلا من تلك السيّدة النائمة على الكرسيّ.
حاولَ المسعفون فعلَ مايمكن لإنقاذها، ولكن هيهاتَ لهم ذلك ، فقد فارقتِ الحياة.
اتّصل المسعفونَ بالأمنِ الجنائيِّ لإبلاغهم للقيام بما يلزم والحالُ هذه، مع غياب صاحب الصيدليّة، وعدم وجود أحدٍ يدلُّهم إلى هويّةِ المتوفّاةِ أو سبب وفاتها.
فتحَ عناصرُ الأمن الجنائيّ محفظةَ المتوفاة فوجدوا فيه هاتفها المحمولَ ، وبطريقة ما استطاعوا الوصول إلى رقمِ زوجها الذي حضر على الفور للمتابعة معهم ولمعرفة خلفيّات وفاتها.
لم يصدق الزوج أو يستوعب ما حصل، وجثا على ركبتيه يبكي كالأطفال الذينَ تاهوا عن ذويهم في مكان عامّ، فتأثر ببكائه جميع عناصر الأمن الذين تعاطفوا معه، ووعدوه بإيجاد الجاني عاجلاً وليس آجلاً، إن كان في الحادثةِ جانٍ، لابد من استكمال التحقيقات لاستجلاء الحقيقة، فلربما كانتِ الوفاةُ طبيعيةً وليس هناك من جرم.
لكنّ الزوج صرخ عالياً يقسمُ أمام الجميع بأنه سيقتصُّ بنفسه من قاتل زوجتِه حبيبةِ الروح ومهجة الفؤاد وأمِّ العيال التي تركته دون وداع، فما كان من عناصر الأمن إلا أن عنّفوه قائلين إنّ هذا الأمر هو مَهمّة الأمن ولا يصحّ قولٌ كهذا إذ سيُعتبرُ أشبهَ بتهديد علنيٍّ بالانتقام يُعاقب عليه.
قام المسعفون بعد ذلك بنقل المتوفّاة إلى المشفى، وخرج الجميع من الصيدليّة بعد أن أُقفلت وخُتمت بالشّمع الأحمر تمهيداً لبدء التحقيق، وقد طُلب من زوجها مراجعةُ فرع الأمن الجنائي صبيحةَ اليوم التالي لاستكمال المعلومات.
بدأ الأمن الجنائيُّ رحلةَ التحقيق، وتبيّنَ لهم بعد الكشف على الجثة من قبل الطبيب الشرعيّ أن الوفاةَ ناجمةٌ عن حقنة عضليةٍ بمادةٍ دوائيةٍ قويةٍ لتسكين الألم، وأن الصيدليَّ هو مَن قام بحقن المرأةِ بها، وهو من استغاثَ بالإسعاف ولاذَ بالفرار بعد تدهور وضع المرأة.
صدرت بعد انتهاءِ التحقيقات المبدئية مذكرةُ اعتقال بحقّ الصيدليِّ الفارّ، وبدأت جولات البحث عنه باعتباره الشخصَ الوحيدَ الذي يعرف ما حدث بالفعل.
لم ينتظرِ الزّوجُ تحقيقاتِ فرع الأمن الجنائي فبدأ منذ لحظة خروج الجميع من الصيدلية رحلةَ السؤال عن الصيدلي من جيرانه بغيةَ معرفةِ رقمَ هاتفه الخاص، أو الاستدلال إلى عنوان سكنه، مصرّاً على التكتّمِ عمّا ينوي فعله فهو سيشفي غليلَه بنفسه ويده.
وهكذا أخذ يجمع المعلوماتِ واحدةً تلو الأخرى إلى أن استطاع الاهتداءَ إلى طريق الصيدليّ.
أيامٌ عديدة انقضت دون العثور على أيّ أثر للصيدلي المختفي، حتى أهل بيته لم يعلموا شيئاً عنه، ولا أين من الممكن أن يتواجد.
قال لهم: أنتم لا تعلمون هول الكارثة ومدى العذابات التي أعيشها في البيت منذ أن توفيت زوجتي، فأمُها المسكينة قررت أن تنتقل إلى بيتي لتساعدَني في تربية أولادي اليتامى، والحزنُ والبكاءُ أصبحا دأبَها اليومي أسفاً على فقدانها لابنتها المرحومة، وليس على لسانها إلا قول أن ابنتها لم تر يوماً أبيضاً في حياتها منذ أن تزوجت، ولا أعرف حقيقة كيف يمكنني أن أخفف عنها -بل عني- مصابها.
وقد حاول أهل الصيدلي تهدئةَ الزّوج والتخفيف عن مصابه، ووعدوه إن هاتفهم ابنهم أن ينصحوه بتسليم نفسه بالرغم من أنّ الأمر مازال لغزاً ولايعرفون سبب اختفائه، وليس مؤكّداً وجودُ في جنايةِ قتلٍ قصد. لكنّ زوج المتوفاة عاد ليقول لهم إنّ تشريحَ الجثة أثبت أنّها حقنت بدواء كان السببَ في موتها وعليه فإن الصيدليّ مذنبٌ حتماً ويستحقُّ القصاص العادل.
أسابيعُ انقضت وسلّم الصيدليُّ نفسه للأمن الجنائي بعد أن نصحه محاميه بذلك، مهيّئاً له ما يحتاج من إثباتاتٍ ودفوع وأسبابٍ تخفيفيّةٍ كإثباتِ قدَريّةِ الواقعة، وأنّ المخالفةَ برُمّتِها تنحصر في حقن الصيدليّ لدواء ضمن منشأته دون تأمين وسائل الإسعاف أو الإنعاشِ اللازمة، لا لأنّ الصيدليّ غيرُ مؤهّلٍ لإجراء الحقن، أو إن الدواء يحظَّر حقنُه. وألقيَ اللومُ على الصيدليّ لتركه المريضةَ في الصيدلية وفراره دون انتظار سيارة الإسعاف، وبررّ فعلته خوفاً من السّجن، فقد عرف أنّ المرأة قد تُوفيت، ولا يمكن لأحدّ إسعافها، وعليه فهو سيسجن لفترة ريثما تظهر براءته.
وهكذا استكملت التحقيقاتُ، ثم أفرجَ عن الصيدلي بكفالة إلى أن تتمَّ محاكمتُه.
لم يرق الأمر لزوج المتوفاة فقرر ملاحقةَ الصيدلي الذي كان يفرُّ من مكان إلى آخر، ويموّه نفسه بكثير من الحيل وتغيير الألبسة، أو ترك اللحية وقصّ الشعر والشاربين، و ارتداء القبعات المختلفة إلى أن استطاع أخيراً أن يتعرَّف إليه وهو ذاهب إلى بيت أخته ذات مساء.
وعلى الفور بدأ زوجُ المتوفاة يلاحقه من دون أن يُشعِرَه بالرغم من قيام الصيدلي بالالتفات الدائم إلى الوراء أو إلى اليمين وإلى الشمال، بين الفينة والأخرى، تحسّباً من افتضاح أمره.
وما إن وصل الصيدلي إلى باب البناء حتى توقّف لبرهة، فتلفّت ليرى إن كان أحدٌ ما يتعقّبُه، ثم دخل البناء بعد أن تأكّد من سلامة الوضع.
كانتِ الكهرباءُ في ذلك الوقت مقطوعةً في المنطقة بأكملها فلم يستطع رؤية درج البيت إلا عندما أضاء ضوءَ هاتفه المحمول.
وقبل أن يصلَ بابَ البيت بنحو درجتين وإذ بظلِّ شخصٍ تراءى له يقف خلفه حاملاً مسدساً إلى أن وضعهُ على رأسه.
ذُعِر الصيدليّ وتسارعت طرقاتُ قلبه هلعاً، فالتفت إلى الوراء بسرعة، وقبض على يد ذلك الشخص الذي حاول أن يصيبَه في رأسه قائلاً له وهو يرتجف: أخيراً وجدتَني.. نعم وجدتني هل تريد أن تقتلَني؟
قال له: وأخيراً وقعتَ في قبضتي أيها القاتلُ، ستةُ أشهرٍ وأنا أبحثُ عنكَ إلى أن وجدتُك أخيراً ، وضحكَ عالياً ضَحِكَ المنتصرين.
قال له الصيدليُّ وأسنانُه تصطكُّ: صدقني يا أخي واللهِ إنّ وفاة زوجتك قد حصلت قضاءً وقدراً. والله دخلَت صيدليتي وكانت تبكي بكاء مرّاً من شدة ألمها، ولم يكن بيدي حيلة، نصحتُها بالذهاب فوراً إلى المشفى لكنها لم تأبه بنصيحتي، بل أصرت أن أسكِّن لها الألم قبل أن تذهب إلى المشفى، وقد كنت مضطرّاً حينها إلى حقنها بتلك الحقنة للتخفيف من شدة مغصها الكلويّ ، والله لم أفعل إلا ما أملاه عليَّ ضميري وأخلاقي المهنية، أما الآن فعلى ما يبدو أن لا رادَّ لقضاء الله، وها أنا بين يديكَ اقتلني وأرحني إن كنت غيرَ مقتنع بصدق كلامي.
قهقهَ زوجُ المتوفّاة عالياً كقهقهةِ المارد الذي خرج من فانوس علاء الدين، قائلاً له: أ خائفٌ يا رجل؟
قال له الصيدلي: خائف؟؟؟ بالطبعِ خائف، فأنت تحمل مسدساً، وتظنُّني قاتلَ زوجتك، كيف تريدني ألا أخاف؟!
أردفَ الصيدليّ قائلاً : وهل يرضيك شيءٌ آخرُ غيرُ قتلي؟
قال له زوج المتوفاة : مثل ماذا؟
أجابَ الصيدليُّ : الدية مثلاً، ضعِ الرقمَ الذي يرضيك كدية عن المتوفّاة وأنا مستعدٌ لدفعهِ ، ولو كلّفني ذلك كلَّ ما أملك، فأنا متعاطفٌ معك وأشعرُ بشعورك.
قال له زوج المتوفاة: كلّا لن يرضيَني مالُ الدنيا كلّهُ.
قال له الصيدليّ : إذاً أطلقِ النارَ عليَّ وأرحني من تعب الأعصاب الذي سيقضي عليَّ، لقد أعياني الهرب والاختفاء، ولعلّ في الموت راحةً لي من كل هذا العناء.
قال له زوج المتوفاة :أنا لا أريد قتلك.
قال له الصيدلي بتعجّبٍ بالغ: ماذا قلت؟؟ لا تريد قتلي؟؟ ماذا تريد إذاً من ملاحقتك لي؟؟
قال له زوج المتوفاة بكل برود : أريد طلباً آخر غيرَ القتل .
انفرجت أساريرُ الصيدليّ بعد أن اطمأنَّ قليلاً إلى طريقة كلام ذلك الرجل، والتي لم يكن فيها أيُّ مظهر للشرِّ أو النّقمةِ قائلاً له: ماذا تريد؟ قل لي ماطلبُك؟ أنا تحت أمرك.
قال له زوج المتوفاة: إنني أبحث عنك منذ وفاة زوجتي وحظيتُ بك أخيراً، وكلّ ما كنتُ أريده منك خلال تلك الفترة السابقة هو أن تعطيَني اسمَ الحقنة التي حقنتَ بها زوجتي، لأنّ حماتي تسكن في بيتي مع الأولاد منذ وفاة زوجتي، وهي تتألّم كثيراً على فراق ابنتها، فإن استحصلتُ على الحقنة فلعلّي أنقذها من هذه الحياة البائسةِ، ها مارأيكَ ؟
وأنت بعدها حرٌّ طليق!
لم يتمالكِ الصيدليُّ نفسَه فانفجر ضاحكاً حتى انسكبت دموعه مدراراً وقال له: لعيونك لن أعطيك اسمها فحسب، بل سأعطيك علبةً كاملة من الحقن بعد أن ترفعَ مسدّسك عن رأسي، فقد تلفت أعصابي.
قال له الزوجُ بهدوء مبتسماً : هدّئ من روعكَ ياصديقي؛ إنه مسدس ماء!.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى