إضاءاتالعناوين الرئيسية

“دون جوفاني” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

لتفقُّدِ حالِ العروسين في ألمانيا؛ وصل عمّي أبو زوجتي وامرأة عمي إلى بيتنا الصغير القابع في منطقة ليشتنبيرغ في وسط برلين، قادمَين من عاصمةِ الياسمينِ دمشق.
كان عمّي من السياسيين البارعين المحنّكين، لحديثه نكهةٌ وطعم خاص، يمنحُكَ فرصةَ الاستماع إلى صوت البلاغةِ والتاريخ والأدب والثقافة المرفَق دائماً بالشواهد الشعرية الجميلة والقرآنية المطابقة، منهياً كلماتِه دائماً بأقوالٍ لحكماء وأدباء ومفكرين وعلماءَ وساسة. وفي الوقت نفسه قلَّما تراه منصتاً لمطرب أو مترنّماً بموسيقى، ربّما لأن لا وقتَ لديه يمضيه في هذا النوع من المتعة.

أما امرأة عمي فهي سيدةٌ دمشقية عنوانُها الأناقة والترتيب ومعسولُ الكلامِ الذي يذيبُكَ لشدّة حلاوته.
أثناء زيارتهما قام أصدقاؤنا الألمان بواجب الترحيب بضيفَينا وتقديم ما يمكن تقديمُه للزائرين تعبيراً منهم عن محبتهم لنا، كاصطحابِهما في جولات للأماكن السياحية في مدينة برلين إضافة إلى تأمين زيارة بيوتات الثقافة الألمانية التي لا تعدُّ ولا تحصى.
وذات مساء قرعتِ الدكتورة فينسكه- الأستاذة المشرفة على رسالة الدكتوراه لزوجتي- البابَ وهي تلهثُ و أنفاسُها تكاد تنقطع. دخلت البيتَ تسلّم على الضيفين الكريمين وتحتفي بهما وتدعوهما بكل لباقةٍ لتناولِ الغداء على طاولتها في اليوم الذي نفضّلُ. وبالطبع كنتُ المترجمَ المؤتمن على نقلِ تلك المشاعر الفياضة من كلا الطرفين.
وعندما حان موعد الغداء المتّفَق عليه استقبلَتنا وزوجَها وابنتَها كأجملَ ما يكونُ الاستقبال، وقد طهت بيديها ألذَّ الأطباقِ. وبعد انتهائنا من الغداء وتبعاتِه من الحلويات والقهوة، استعدّينا للمغادرة ،فاستوقَفتنا على الباب تحضنُنا دامعةَ العينين.
لم ندرك سبب حزنها وانهمار دموعها، لكنّنا آثرنا عدم إقحام أنفسنا فيما لا يعنينا أو الاستفسار عن سبب بكائها،آملين أن تفضفضَ من تلقاء نفسها.
وبالفعل ما هي إلا ثوانٍ حتى اقتربت هامسةً في أذني أنها استطاعت بصعوبة بالغةٍ أن تؤمّن ثلاثَ بطاقات لحضور عرض مسرحي أوبرالي إيطالي نادر الحدوث في دار أوبرا برلين، تلك الدار الأعرق في ألمانيا كلها، وأنها استطاعت أن تشتريَ هذه البطاقات من السوق السوداء بسعرٍ فاقَ راتبَها الشهريَّ كلَّه للبطاقة الواحدة، وقد انتظرَت من سنوات طويلة هذه المناسبةَ إلى أن حان وقتُ هذا العرض الذي قُدِّمَ على خشبةِ أرقى وأشهرِ مسارح العالم، وأنّ البطاقاتِ التي اشترتها كانت مخصصةً لها ولزوجها وابنتها، إلا أنّ واجب الضيافة اقتضى أن تقدّمَها للضيفين العزيزين، عمّي وامرأة عمي، ليشهدا بذلك أعظم أوبرا وباليه في حياتهما، في مسرحٍ تاريخيٍّ أثريّ هو دار الأوبرا العظيمة التي كانت شغفَ ملوكِ وأمراء ورجالات أوروبا منذ القرن التاسع عشر لغايةِ الآن. وبالطبع فإن البطاقةَ الثالثة ستكون لمرافق الضيفين العزيزين، وهو إما أنا أو زوجتي.

تملَّكني الحزن لضياع تلك الفرصة على الأستاذة الألمانية وخاصةً أن لا أملَ يذكرُ لضيفيَّ من الشام في الاستمتاع بالغناء الأوبرالي نظراً لمحدوديّة ثقافة معظمنا في هذا الصنف من الغناء، ما دفعني لأكرّرَ تمنُّعي عن قبول هديّتَها الرائعة، كي تستمتع هي وعائلتها بذلك العرض، إلا أنها أصرّت بشكلٍ قاطع أن يحضرَ الضيفان مسرحية “دون جوفاني”
ويشاهدا ما فيها من استعراض رائع وغناء شجي ورقصِ باليه محترفٍ ولوحاتٍ ملوّنة وأضواء مبهرة.
لكن الدكتورة فينسكه نبّهَتني إلى أنها لم تستطع حجز البطاقات الثلاثة بجانب بعضهما البعض، فالمقاعد متباعدة: مقعدان متلاصقان على صف متقدّم، ومقعد منفرد في صف بعيد على الجانب الآخر، فقلت لها مجاملاً: لا مشكلة، سنتدبرُ الأمر.
عدنا إلى المنزل للتشاور في كيفية العدول عن قبول تلك الهدية الثمينة، لكننا قررنا أخيراً قبولها، لأننا إن لم نفعل ذلك فمن المؤكد أن الدكتورة فينسكه ستصاب بصدمة بالغة، فهي تقدم لنا عزيز ما تملك من فرصة نادرة لحضور عرض استثنائي لن يقامَ سوى مرةٍ واحدة في ألمانيا، بينما نحن نتمنع عن ذلك!
مرّ يومان إلى أن جاء اليومُ الموعود، فقلت لزوجتي: عليك أن تذهبي مع أبيك وأمك فأنت الأقدرُ على شرح ما يجري في المسرح. لكنها أبت بشكل قاطع متعللَةً بلزومِ البقاء مع ابنتنا الوليدة، مع أني كنت أتمنى أن أبقى مع ابنتي وتذهبَ هي.
انطلقنا عند الساعة الثامنة مساءً نركب مترو الأنفاق. لم يكن حماي وحماتي متحمسين كثيراً لمشاهدة المسرحية فقد كان كل منهما غارقاً في أفكاره. حاولت أن أشدَّ من عزمهما وحماسهما مختلقاً حديثاً عن مشاهدَ رائعة سيَريانِها في المسرح، لكن ذلك لم يسترعِ اهتمامَهما، فعمّي بدأ بالتثاؤب أثناء حديثي وامرأة عمي أخذت تريني انتفاخَ قدميها نتيجةَ المشي الطويل خلال إقامتها في برلين.
وأخيراً دخلنا دار الأوبرا، تلك التحفةَ المعمارية التي تدلُّ على عظمة الإنسان الذي صمّم وبنى، فالأنوار البهيجة والنظافة الفائقة والنظام الصارمُ وكذلك الزوار المرتدون أجملَ ملابسهم كانت جميعُها عناوينَ حضارة مبهرة.
أُعجِب عمي وحماتي بما شاهداه أثناء دخولهما واعتبرا ذلك كافياً، ولا حاجة للمتابعة، وبإمكانهما العودة إلى البيت.
قلت لهما مدهوشاً: هذا لا يجوز.. والله إن علمت الدكتورة فينسكه أننا لم نشهد العرض سيُغمى عليها لا بل ستنهار.
فما كان من حماتي إلا أن سحبت عمي من يده قائلة له: أعوذ بالله ،والله إن عرفت أستاذة ابنتي أننا لم نحضر العرض ستطردها من ألمانيا ولن تمنحَها الدكتوراه.
قال عمي: إذاً فلندخل وأمرُنا إلى الله.
عند الباب استقبلتنا المضيفة، فأعطتنا مطوية المسرحية مكتوباً عليها بعضُ المعلومات كأسماء وصور الممثلين والاوركسترا، وموجز عن القصة، ثم أخذتنا تدلنا على أماكن جلوسنا.
قلت لحماتي: أرى أن تجلسي مع عمي على المقعدين المتجاورين، وأنا سأجلس على المقعد البعيد.
قالت: صحيح.. يفضَّل أن أجلسَ بجانب عمّك لأنه غالباً ما ينتابه النّعاسُ في هذا الوقت، وسأقومُ بإلهائه عن النوم إن حدث ذلك، لا عليك، اطمئن.
لا أعرف لماذا راودني القلقُ، كما أنّ عمي وحماتي لا يتكلمان الألمانية، وأنا بعيدٌ عنهما، فكيف إن طلبا شيئاً ما؟
قلت في نفسي “لم يعد في اليد حيلة، وما علي إلا الصبرُ والمراقبة، وهذا أقصى ما أستطيع فعلَه”.
أطفئتِ الأنوارُ و بدأت الموسيقى الخافتةُ وإضاءة الألوان الساطعة من كل جانب، وصدحَ صوتُ مغني الأوبرا من خلف الكواليس بصوت جهوري أجش والجمهور منصتٌ بهدوء لم أشهد له مثيلاً في حياتي.
وبينما أنا مستغرقٌ في سحر ذلك المكان وإذ بصوتِ شخير دوّى من مكان جلوس عمي وحماتي. طفح الدمُ في رأسي بعد أن سمعت الجالسين حولهما من الألمان ينكزون عمي للكفِّ عن الشخير إلى أن سمعت صوتَ امرأة عمي تصرخ من مكانها تناديني: “عمورة!! تعا حبيبي فهام عليهم شو عم يحاكونا!!”.
كدت أموت خجلاً، فالألمان ينهروننا بكلمات غير مفهومة لكنها كانت شتائمَ طالني بعضُها أيضاً من الجالسين بجانبي نظراً لحركتي، ووقوفي وجلوسي المتكرر،فاستأذنتُهم قائلاً: إن قريبيَّ هناك لا يتحدّثان اللغة الألمانية، وعليَّ من كل بدّ أن أترك مكاني للحظات وأذهبَ إليهما لأحلَّ المشكلة. فوافقوا على مضضٍ مع أنّ أحدهم عاد فشتمَني بلفظ بشع لا يصحُّ ذكره.
وصلت حيثُ مقعدا عمي وحماتي وأعدتُ الاعتذار من الجمهور حولهما عما حصل منتقياً ألطفَ الكلمات التي قد تخففُ من غضبهم العارم نتيجةَ ما أثرناه من ضوضاء وتشويش.
قالت لي حماتي بصوت خفيض: أرى أن تجلس مع عمك هنا، فهذا أفضل، وحاول أن تُلهيَه عن النوم ، انكزه بين لحظة وأخرى لأن الأضواءَ الخافتة وصوت المغني سيجعله يغفو ويرقد في سابع نومة.
قلت لها: لا عليكِ، اذهبي أنت إلى مكاني، وسأتدبر الأمرَ هنا عوضاً عنك.
وبالفعل تحسّنتِ الحال، فصرتُ أكلِّمُ عمي شارحاً له ما يحدث على المسرح مخترعاً له قصةً وسيناريو ليس لهما أيّ علاقةٍ بالمسرحية بالرغم من عديد النكزات التي حفرت كتفي من الجالسين خلفي لأخفضَ صوتي.
ومرَّت الأمور على خير نحوَ عشرِ دقائقَ، ولكنَّ شخيراً جديداً صدح عالياً ليرافق صوت المغني الأوبرالي.
نظرت إلى الجانبِ الآخر من المقاعد فإذا بحماتي غارقة في النوم، وأشخاصٌ من حولها يحاولون إيقاظَها لتكفَّ عن الشخير، لكن عبثاً كانت محاولاتُهم، فلا حياةَ لمن تنادي.
قلت في نفسي: كفى!
إلى هنا وكفى..
وقفتُ وسحبتُ عمي من مكانه قائلاً له مستعجلاً الخروج من دار الأوبرا:
دعنا نخرج الآن بسرعة قبل أن نعلقَ وسط الزّحامِ، فالعرض سينتهي خلال دقيقة.
قال لي بصوت مرتفع مستغرباً: ما هذا؟ سينتهي العرض؟ لم يمضِ سوى نصف ساعة على بدايته وسينتهي؟ ما هذه الحفلةُ العجيبةُ التي دُعينا لنحضرها؟
وإذ بالجماهير تعود فتكيل لنا الشتائم من كلّ حدبٍ وصوب لما أثرناه من ضوضاء.

خرجنا سريعاً من صف المقاعد الذي نحن فيه ندوس على أرجلِ الجالسين الذين علا صراخُهم، وهرعتُ أوقظُ حماتي مُخرِجاً إيّاها من صفّ المقاعد بالطريقة نفسِها التي أخرجتُ فيها عمي. وما إن وصلتُ إلى البهو حتى حمدتُ اللهَ على انتهاءِ معاناتي وجلستُ على الأرض ألهث وأنا أتصبّبُ عرقاً.
استغربت زوجتي عندما فتحت لنا الباب عودتَنا المسرعةَ فسألت أمَّها والدهشةُ تملأ وجهَها:
أمي هل أنتِ بخير؟ بابا هل أنت بخير؟؟
قالت حماتي: نحن بخير. لا تجزعي! قد كنا في مكان يشبهُ أجواءَ ألف ليلة وليلة.. ما أروعَ هذا المسرح وما أجمل أنوارَه وما أحلى أزياءَ الممثلين.
أما عمي فقال: لم يعجبني شيء، فالغناءُ كالصراخ، ومعظم الجالسين نائمون.
حمدت الله كثيراً أنّ الأمرَ انقضى بخير، وأننا لم نُعتقل من قبل الشرطة بتهمةِ الإزعاج، أو على الأقل لم نُطرد من إدارة المسرح.
لكن المشكلة غيرَ المتوقَّعة كانت في اليوم التالي عندما قرع جرسُ باب بيتنا في الصباح الباكر فإذا بالدكتورة فينسكه تسألنا وهي بكامل الحماس عن شعورنا بما رأيناه وهي تغالبُ دموعَها أسفاً على فقدانها فرصةَ مشاهدة أوبرا “دون جوفاني”.
تلكأتُ كثيراً قبل أن أخترع لها كلماتٍ تعبّر عن سحر ما شهدناه أمسِ، قالت لي بلهفة بالغة:
أرجو أن تحكوا لي كلّ شيء، من الدقيقة الأولى لدخولكم دارَ الأوبرا إلى لحظةِ خروجكم منها، احكوا لي قصة دون جوفاني أرجوكم، ماذا كان يلبس؟
وماذا كانت تلبسُ عشيقاته؟ وماذا؟ وماذا؟ وماذا؟؟.
وباعتباري لم أرَ شيئاً يستحق أن أرويَه لها نظراً لانشغالي بترميم الفوضى التي سبّبناها في المسرح صرتُ أخترع لها كلاماً من عندي، ثم أحكي أثناء ذلك مع عمي وحماتي بحديث جانبي لا علاقة له بالمسرحية وكأني أسألهما عما رأَياه في المسرحية ثم أترجم عنهما كذباً أحلى الكلمات، وقلت لها إنّ عمي وحماتي يشكرانها من القلب لما شهداه من حدث ثقافي كان الأروعَ في حياتِهما على الإطلاق.
ارتبكتُ، وأُسقِط في يدي، وصَعُب عليَّ أن أتكلمَ أكثر عن شيء لم أره حقيقةً.
قلت لها: بودّي أن أحكيَ لك لحظةً بلحظة كلّ ما دار في المسرحية، لكن لغتي الألمانية لا تسعفُني في انتقاء الكلمات المناسبة للتعبير عن هذا الحدث العظيم.
ثم سلمتُها المطوية التي أعطيت لنا عند بوابةِ المسرح والتي كتب فيها بعض المعلومات والصور الخاصة بالمسرحية،
علَّها تفي بما رغبَت بمعرفته.
ودّعناها جميعاً بجزيل الشكر على أمل أن نستضيفَها يوماً ما في بلدِنا لنطلعَها على تراثٍ سوريٍّ جميلٍ لا يقلُّ أهميةً عن دون جوفاني الذي أمسى بعد ثلاثة عقودٍ وبضعِ سنوات حدثاً جميلاً حفر عميقاً في ذاكرتي إلى أن أتتِ اللحظة المناسبة وكتبتُ عنه هذه السطور.
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى