العناوين الرئيسيةحرف و لون

دمى من القطن .. هيا صارم ..

منحوتة : الفنان فؤاد أبو عساف ..

|| Midline-news || – الوسط …

.

الجنود لا يتذكرهم التاريخ!..

لا ذاكرة للتاريخ ولا ذاكرة لنا .. لذلك تتكرر الآلام ذاتها.

فبينما كنا نقطف الأقطان ونجمعها، استوقفنا خبر استشهاد عشرات الجنود بكمين غادرٍ شمال بلادي، من قبل تنظيمات إرهابية، وشكّل بقية العمال إلى جواري حلقة دائرية وبدؤوا في محاولة جمع أسماء الضحايا.

لم أقترب، قفزت إلى ذاكرتي قصة حدثت معي منذ ما يقارب خمسين عاماً، كنا في عملنا المعتاد قطاف القطن، هو ذات الوقت من السنة، وصلتنا رسالة مكتوبة تحمل أسماء عشرات الجنود الذين استشهدوا في الحرب حينها .. تحلقنا حول ساعي البريد لمعرفة محتواها، ولنعرف من سيكون صاحب الحزن والألم هذه المرة !.

شاءت الأقدار أن يكون في هذه الرسالة اسم ابن جارتنا، وحيدها، بعد أن كان اسم أبيه شهيداً في رسالة سابقة .

سقطت الأم على الأرض من الخبر المفجع، تجمهرنا فوق رأسها، وبدأنا نصرخ ونلطم ونضرب وجهها، لبساطتنا، أملين أن تعود لوعيها، لكننا ابتعدنا قليلاً وأنظارنا موجهة نحوها إلى أن استيقظت وسألت بهدوء لماذا توقفنا عن العمل؟! .

نظرنا إلى بعضنا وكأننا في مسرح جريمة وأحدنا موضع اتهام وشك، وربما كلنا، مضت ثوانٍ قليلة قبل أن تنهض وتستأنف عملها. تصرفنا مثلها تماماً بوجوه صامتة بلا تعابير سوى الدهشة.

لقد فقدت ذاكرتها، لم نعرف إن كان من صفعاتنا أم من الخبر الصاعق الذي قد يكون فتت ذاكرتها !.

بعد عدة أيام حضرت مجموعة من الجنود، وقاموا بالمراسم المعتادة لدفن الشهيد، ونادوا على مختار القرية لإحضار والدة الجندي كي تودع ابنها.

جاءت أخيراً بعدما كانت قد تنكرت لكونها متزوجة أصلاً !.. نظرت إليه و قالت بحزنٍ شديد : صحيح لا أعرفه، لكن وجهه يشعرني بأنني خُلقت منذ خمسين عاماً وأنجبت ولداً، يا رباه كأنه ولدي، فَـقَـبَّـلـتـهُ وابـتـعـدت.

كان مشهداً قاسياً حقاً .. استُكملت مراسم الدفن .. بقيت جارتنا جالسة بوضعية واحدة بضعة أيام، يدٌ على ركبتها تسند اليدَ الأخرى على خدها.

كنا نأتي إليها ببعض الطعام والشراب، فتنظر إلينا وتسأل بلهفة مشتاق: هل كان لي ولداً ؟! .. مذ رأيته شعرت أنه ولدي .. ثم تردف قائلةً: هل يكون لي ولداً حقاً؟! .. كنا نجيب : ربما .

بعد عدة أيام وجدناها معلقة بجذع شجرة بلوط أمام منزلها، وحبل قنب غليظ يلف عنقها، ودمى من القطن تحيط بها .

لقد نسينا ابنها، بل لم نتذكره حينها أصلاً !.

لم يكن يعنينا الجندي، ولا حتى المرأة بقدر ما كانت تعنينا مشاعرنا .

بقينا مدة نتحدث عن مشاعرنا لا عن المرأة وابنها الشهيد .

كنا أحياناً نذكرهما على سبيل القصص والحكايا التي نرويها لأبنائنا !..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى