إضاءاتالعناوين الرئيسية

دمــشـق الـتـي نُــحِــب بـلا “هُـبـاب الـفـحـم” .. لا خوفاً .. بل حباً بالحياة .. مالك معتوق ..

ιι midline-news ιι .. الوسط ..

 

دمشق .. وهل يتسع الوصف ليكفي دمشق !؟..

كيف لك أن تصف جنةً لم ولن ترتوي منها ؟

دمشق التي يحتضنها قاسيون .. تعانقها الغوطة .. يرويها بردى .. وتزينها الربوة ..

دمشق التي منحها الله نصف الجمال ثم وزع النصف الثاني على باقي مدن الأرض ..

مدينة الياسمين ، يتعافى قلبها اليوم حيث عاد يستنشق هواءً أنقى ، بعد أن تـوَقَّـفَ نفثُ هُباب فحم النراجيل في مطاعمها ومقاهيها ، وانتشر عبق المنظفات والمعطرات التي يرشهاا أصحاب المحال أمام محالهم لطرد الفيروسات والجراثيم خوفاً من كورونا المستجد.

دمشق اليوم عادت لـ”تُعانق الـسُّـحُـبـا” .. السّحب التي غنت لها دلال الشمالي “من قاسيون أطل يا وطني”, لا سحب دخان النراجيل التي كانت تنتشر في المطاعم والمقاهي وتمتد إلى الأرصفة قاتلةً لرائحة الياسمين وملوثةً للهواء الطلق ، وطاردةً لعبير الزهور التي تتفتح مع قدوم ربيع الشام .

إمـشِ من قاسيون إلى حارات الميدان اليوم، عـرِّج على الحميدية والبزورية والصالحية والحمرا لتعرف سر الشام .. مدينه بألف طعم ولون, بعد أن أزاحت ولو قليلاً عن كاهلها رائحة البارود والجمر.

الشام اليوم ازدحامٌ أخف ، وهواءٌ أنظف، بل ومشهدٌ أرقى ، بعد أن توقفت المقاهي عن التعدي على أرصفة دمشق التي كانت تتطاول عليها بطاولاتها التي كانت تقدم عليها النراجيل .

بالتأكيد ليس هناك من عاقِـلَيـن يختلفان على أن قلوب أصحاب المقاهي والمولات والمطاعم والزوايا في الحارات التي كانت تقدم النراجيل تقطر دمعاً وربما دماً على خسائرهم الاقتصادية ، فزبائنهم اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة نتيجة منع الحكومة السورية لتقديم النراجيل في الأماكن العامة كإجراء احترازي لمنع تفشي جائحة كورونا القاتلة التي ضربت العالم من أقصاه إلى أقصاه.

دمشق كانت على الدوام تنضح بإرثها الحضاري والثقافي وتتغنى برجالاتها في ميادين الثقافة والادب والمعرفة والصناعة المحترفة والتجارة الرائدة بعائلة الياسمين والعطور والحرير .. دمشق هي خليط ما نستنشقه من روائح في سوق بالبزورية .. الشام هي البيت العربي الذي تعيش فيه كأنك تعيش في قارورة عطر من ياسمين ونارنج وكبَّاد وحبق وجوري ..

لم تكن دمشق يوماً “معسلاً وفحماً ونارة ودخان يملأ الأجواء” ..

اغمضوا أعينكم وتخيلوا معي لو أن قرار منع النراجيل دام ودام ..

تدخين النرجيلة عادة ليست مُستحدثة ، المستحدث هو هذا الانتشار الغريب خلال العقدين الماضيين نتيجة متغيرات وعوامل اجتماعية واقتصادية وانفتاح مجتمعي متسارع على عادات جديدة في الأماكن العامة ، وانتشرت عادة تدخين النرجيلة كما تنتشر النار في الهشيم لتغزو كل ركن وزاوية في كل مطعم ومول ونادٍ ليلي بعد ان كانت مقتصرة فقط على المقاهي الخاصة بالرجال ، وليس ببعيد عن الذاكرة أن السوري كان يذوب خجلا إن رآه أبواه يدخن، بل لم يكن “أدبا لا خوفا” يدخن في حضور من هم أكبر منه سناً ومقاماً .

الحياة لا تراوح مكانها ، بل تسير إلى الأمام ، وقد قطعت البشرية طريقاً طويلاً خلال آلاف السنوات، وتغيرت كثير من العادات . اليوم في الغرب والشرق وشوشات كثيرة عن تغييرات جذرية قادمة يفرضها تفشي فايروس كورونا المستجد في التقاليد والعادات, فلا سلامُ باليد ، ولا قبلات ، ولا معانقات, والتعليم التقليدي بات هشيماً تذروه الرياح ليُفسح مكاناً للتعليم الإلكتروني ، والتعليم عن بعد, كما أن المساجد ومؤذنيها لم يكن ليخطر في بالهم يوماً أن تغلق الأبواب وتُستبدل عبارة “حي على الصلاة” بجملة “الصلاة في بيوتكم”.

هكذا هي الحياة لا ثابت فيها ، فالعالم يتغير ويتكيف وكذلك الناس ، ولا أدل على ذلك مما بتنا نشاهده كظاهرة عامة من حمل الناس لزجاجات المعقمات في جيوبهم وحقائبهم وانتشارها على الطاولات في كل مكان وآنى وليت وجهك ، وهو ما لم نكن نراه قبل وباء الفايروس التاجي .

ربما جاء كورونا ليفتح بصائرنا تُجاه البعد الروحي لهذه الحياة، وربما ، أقول ربما ، تثأر الطبيعة لنفسها من البشر بسبب تهديدنا لها بالفناء وتجاوزنا لحدودها ؟ ، فالتوازن هو النظام المهيمن على أرجاء الوجود، ومن يطغى فيه وعليه يلاقي عقوبة من جنس عمله.

وربما تقول لنا الطبيعة اليوم ، أعيدوا التوازن إلى حيواتكم وحياة أهليكم ومدنكم ومن تحبون .. وربما بات علينا اليوم التفكير ألف مرة ومرة لابتداع طرق حياة نعيد فيها ترتيب سلم الأولويات والقيم .. فهل نحن قادرون على ذلك ؟.

النرجيلة مجرد مثال عن منظومة أخطاء متوارثة ومتراكمة تقوم عليها حياتنا ابتداء من القبلات مروراً بالسهر اليومي والأكل الدائم في المطاعم .. دعونا نفكر بقضاء وقت أطول في البيت بدلاً من النزول الى الشارع، لعلنا نقرأ كتابا مُفيداً أو نشاهد فيلماً جميلاً، أو نخصص وقتاً أطولاً لأولادنا، قبل أن يكبروا ويخرجوا من البيت، أو قبل أن يفقدوننا نحن كما يقول الدكتور سامي المبيض.

قد يكون كورونا هو العصا السحرية لتغيير الواقع نحو الأفضل .. وحتى لا يأتي يوم لا نجد فيه بسبب كورونا إلا الكتابة لمن نحب بعد أن ينفض العزاء الخاص بهم، وينصرف المعزون، فلنخلُ بأنفسنا ولو للحظة ، ولنستشعر ألم الفراق المحتوم يوماً .. الفراق الذي يفطر القلوب ويكسر الظهور ..

لا تختاروا ان تكونوا متفرجين ، بل عيشوا اللحظات الحاسمة التي تصنع الفرق في حياتكم وحياة من تحبون ، عيشوا معهم أطول وقت ممكن .. اجلسوا معهم وجالسوهم ، حدثوهم واسمعوا منهم ، وانفضوا عن كتبكم غبارَ الزمان .. غيروا وتغيروا .. لا خوفاً من كوروناً ، بل حباً بالحياة ، فالخوف يوقف الحياة، ولكنه لا يوقف الموت أبداً.

إن للشعب السوري سر ، وسر عظمة الشعب السوري هو اختياره الحياة طريقاً نحو الشمس .. في سورية يفقد المستحيل قدراته ، فالمستحيل ينكسر أمام شعب يدافع عن الحياة .. ودمشق التي يبدو على وجهها ورئتيها ما اثقلتهما به الحرب ونحن، عليها وفيها ما يستحق الحياة، والتغيير قرار ، فهل نحن قادرون على التحليق في عربة التغيير إلى رحاب السماء الزرقاء التي لا حدود لها .

إن منع النرجيلة في مطاعم دمشق ومقاهيها هي خطوة .. وطريق  الألف ميل يبدأ بخطوة .

هنا على هذه الأرض التي كانت تسمى دمشق ، وسيبقى اسمها دمشق ، هنالك ما يستحق الف حياة، فمعاً يداً بيد ، وكتفاً بكتف ، ليستمر القرار ، الخَيَار ، بمنع النراجيل فيها وفي مقاهيها, ولنجعل حدود النرجيلة المقاهي المفتوحة وفقا لشروط تُعيد الحياة لرئتي دمشق المتعبتين ، ولنعيدها مدينةً للياسمين كما كانت أبداً .. والسلام ختام .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق