إضاءاتالعناوين الرئيسية

دراما الحس الناقد .. أحمد علي هلال

…صحيفة الوسط – midline-news
.

يُحكى أن موليير لم يتفق مع التراجيديا وانحاز للكوميديا،  وهو الذي قال: “يجب أن ينطلق الكاتب في تصويره من صعيد الطبيعي… إنهم يطلبون منا أن تكون صورنا متشابهة، والحقيقة أنك لا تفعل شيئاً إذا لم تكن أشخاصك مشابهة لأناس عصرك”.  ويستأنف موليير جملته الكثيفة: “إن المضحك يتغير حسب النفوس والأزمنة، فيجب أن نركز الأنظار دوماً على نموذج دائم التغير”.

فمن عبقرية الإضحاك إلى ما اصطلح عليه بالدراما الهجائية، ظل المسرح في خطابه البصري/ الفكري ينتقل من زمن إلى زمن، ومن حكاية إلى أخرى،  ليكتب  دورة  جديدة  حياة النصوص ثمة حيوات ناطقة براهنها ولعلها المشترك بين ثقافات مختلفة، فإذا قيل مثلاً: بأن الموسيقا وحد الأفكار في الأدمغة المختلفة، فإن المسرح بخطابه العابر للثقافات يوحد الأفكار في الأزمنة المختلفة.

وعليه فإن قيمة العرض تتكامل باستجابة الجمهور الجمالية، لأن عبقرية  الاضحاك نتاج  أفعال الثقافة العميقة والنبيلة، فهي في قلب استجابة المتلقي الفطن بثيمات دالة يحملها خطاب العرض، وهي من تستثير لديه الكوامن والهواجس المتصلة المنفصلة في شكل إنتاج رؤيا لواقع يبدو قابلة للتماثل، ومعه تبدو الدراما الهجائية كما اصطلح النقاد عليها، وبأفعال البناء، وسيلة لا غاية وأداة نبيلة لتوثب النقد وبحس فردي وجمعي في آن معاً حتى يصبح المسرح خشبتنا المفتوحة على ما يشبهنا –نحن- حدَّ التجلي في المرايا الصادقة، وستذكر عودة الكوميديا الشعبية وبدلالة العنوان بالخطاب المباشر لجمهور فاعل لا منفعل فحسب، حينما تُخاطب حواسه جميعها بما يجعل من الضحك غريزة أساسية لاسيما في وجهها الناقد تميز الكائن الإنسان، ليضحك بعقله ويتحسس مفارقاته الوجودية والمعيشية، بوعي فارق يجتمع له طقس المتعة والفرجة المسرحية، ما معنى أن يصبح الجمهور على الخشبة داخلها لا خارجها، أي داخل النص تماماً، وما معنى أن يولد النص ثقافة جديدة لا تقوم على المحاكاة إلا من أجل أن تُنتج في ذهن المتلقي حوامل دالة لهذا الوعي.

يفعل المسرحيون في كل أزمنتهم وبأسماء شخصياتهم وأمزجتها ما يمّكن جمهورهم من أن يعثر طليقاً على المعادل الموضوعي، وعلى  التكافؤ المنشود، ذلك هو درس مسرحية (سوبر ماركت) في زمنها المفتوح وفي مدرستها الكوميدية الشعبية للكبير أيمن زيدان وفريق عمله الذين أعادونا للمسرح في لحظة فارقة في سياقنا التراجيدي.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى