إضاءاتالعناوين الرئيسية

“دافن الهرة”.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط
.

كان حاضرَ النكتةِ يحبُّه كلُّ مَن حولَه لخفّةِ ظلِّه، وسرعةِ بديهتِه، وقُدرتِه على إسعادِهم أو رسم ابتسامةٍ على مُحَيّاهُم حتّى في أشدِّ أوقات الحزنِ أو لحظاتِ الكآبة. ذات يوم استقلَّ سيّارتَه وغادر المنزلَ على عجلٍ يريد اللحاقَ بعمله بعد أن تأخّر لأكثرَ من نصف ساعة.

في طريقِه صدمَ هرّةً كانت تعبرُ الشارعَ مسرعةً ما أدّى إلى نفوقِها على الفور. نزل من السيارة يحمل الهرّةَ القتيلةَ والأسى يملؤُه، والغمُّ وتأنيبُ الضّميرِ على ما فعل، كيف؟! وهو الحريصُ على إدخال السّرور إلى قلوب الناس؟! ماهي إلّا لحظاتٌ حتّى تجمهَرَ الناسُ حوله لرؤية ما جرى، ما سبّبَ ازدحاماً شديداً، فقُطِع الشارعُ أمام سيرِ المركَبات وحصلَ هرجٌ ومرج. لكنّ السائقَ المكلوم لم يبالِ بتلك الجمهرة فوضع المغدورةَ ضمن علبة كرتونيّةٍ وجدَها مرميّةً على جانبِ الطّريق، ووضعَها في سيارتِه وسار بها يبحث عن مكان يدفنُها فيه غيرَ عابئ بتأخّره عن عملِه، إلى أن اهتدى أخيراً إلى حديقةٍ جانبيّة صغيرة في أحد الأحياء، وقد امتلأت بأكوامٍ من الرّملِ والبحص، وكأنّ تلك الحديقةَ آيلةٌ للتحوُّلِ إلى بناءٍ سكنيّ، فما كان منه إلا أن ترجّلَ من مركبتِه حاملاً ضحيّتَه، وحفر حفرةً صغيرة بقطعة خشبيّة ثم سجَّى الجثّةَ فيها ورمى عليها الترابَ حتى تغطَّت تماماً، مودِّعاً إيّاها بعَبرة. وما إن همَّ بمغادرة المكانِ عائداً إلى سيارته حتى دنا منه رجلٌ تبدو عليه علائمُ الغضب، وقال له : ماذا تفعل هنا أيّها المواطنُ، وما بكَ تعبث بالترابِ بملابس مرتبة ونظيفة، وقد ركنتَ سيارتَك جانباً.. هه؟ماالأمر قل، انطق! ماحكايتك؟ ابتسمَ قاتلُ الهرة ظانّاً ذلك الشخصَ متطفّلاً فقال مازحاً: ماذا تراني أفعل؟ واضحة، أنا أنقّبُ عن الآثار!!
لحظاتٌ ويُجري ذلك الرجلُ مكفهرُّ الوجه اتصالاً عبر جهازٍ محمول، ويتمتمُ ببضع كلمات غيرِ مفهومة فتأتي على الفور سيارةٌ يترجّلُ منها ثلاثةُ أشخاصٍ بملامحَ متوتِّرةٍ ويهرعون إلى قاتلِ الهرّة فيلوون ذراعَه، ويصطحبونه إلى بناءٍ جميل مكسوٍّ بحجارةِ الرّخام . وفي إحدى غرف المبنى يُسأَل قاتلُ الهرّة: ماذا كنتَ تفعلُ عند كومة الرمالِ المسكوبة في أرضي أيّها المواطن؟
قاتل الهرة يجيب متلعثماً: أرررررضك؟ والله، والله، والله كككنت أددددفن هرّررررة كننننت قددد دهسسستُها.
السّائلُ ضاحكاً: ماذا؟؟ تدفن هرّةً دهستَها؟؟ أو تستهينُ بذكائي يامواطنُ؟؟ قاتل الهرة خائفاً: حاشى للّه أن أفعلَ ذلك، أرجوك أن تسمعَ القصةَ من أوّلِها إلى آخرِها. السائل: هاتِ ماعندك! خلّصني!! ويسردُ قاتل الهرة القصّةَ من بدايتها حتّى النهاية.
السائل: طيّب ما دام هذا ما حصل معك، لمَ استهزأتَ ب”زلمتي” حين رآكَ تفعلُ فعلتَك، وقلت له إنكَ تنقِّبُ عن الآثار؟ ألا تعرف أنّ هذه الكلمةَ هي جُنحةٌ قانونيّةٌ قد تكلّفُكَ حياتَك؟؟ أوَ تتّهمُ أرضي بإخفاءِ الآثار؟؟ أم تتَّهمُني بسرقتِها؟؟ قال دافن الهرة: اعذرني أيّها المحترمُ، فأنا واللهِ لم أكن أعرف أنّها أرضُك، كلُّ ظني أنّها حديقةٌ عامّة. السائل: نعم.. كانت سابقاً حديقةً عامّة، أكمِل ثمّ ماذا؟ دافن الهرة: كلُّ ما في الأمر أنّني معروفٌ بين أهلي وجيراني بخفّة ظلّي، اسأل عني وتأكّدْ بنفسكَ من ذلك، فمازحته، ولكنّي لم أكن أتصوّر أن يأخذَ ذلك الشخصُ متجهِّمُ الملامح كلامي على محمَل الجِدّ. يرنّ السائل الجرس فيأتي صنمٌ بطول ستةِ أمتار وعرض ثلاثة فيقول له السائل: خذ دافنَ الهرة هذا، إلى مقبرة الهررةِ التي أنشأها في حديقتي، لتتحقّقَ من وجود هرة نافقةٍ مدفونةٍ هناك، وتأكّد من أنّه كان يخفّفُ دمه، فإن كان كذلك فثقّله له قليلاً.. يا ابني!

*قاص وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى