إضاءاتالعناوين الرئيسية

خُلق ليفترس .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

لعل أجمل ما يمكن مشاهدته على شاشة التلفاز بين حينٍ وآخر، هو البرنامج المعنيُّ بعالم الحيوانات وخفاياه :
“خلق ليفترس” تبثه محطة ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي الفضائية.
برنامج يجعلُ المرءَ مستمتعاً بالغوص في حياة الحيوانات ابتداءً من قطط الأدغال الكبيرة وحتّى عناكب الحدائق،
ليعرفَ عن مخلوقاتٍ تعلّمت كيف تهزمُ فرائسَها من أجل بقائِها، وسخّرت لنفسِها أدواتِ الطبيعةِ الأكثرَ دهاءً وفتكاً.
أما الملفتُ في طبيعة الافتراس هو أنّ الجوعَ وحده فقط ما يحرّضُ الحيواناتِ على مهاجمة غيرها، وليس شيئاً آخرَ غيرَه، فهي نادراً ما تقتل لأجل القتل، إلّا في حالاتٍ استثنائية كخوفِها مثلاً على صغارِها من حيوانات أخرى أو بسبب المنافسة على المراعي أو على الأماكن الغنيّة بالطرائد.
وعلى ما يبدو أنّ معظمنا قد تولّع بمشاهدة هذا البرنامج الشائق حتى ظننتُ أنه ربّما يكون مدسوساً من أعدائنا، بعد أن تعلّمنا منه تقليدَ عمليّات الافتراس منتهكين مفهومَ طبيعة البشرية ومؤيّدين فرضيةَ تشارلز داروين حول أسلاف الجنس البشريّ.
ذات يوم اضطررتُ أن أقفَ طويلاً في الزحمة بغيةَ تعبئة سيارتي بالوقود، وما إن وصل دوري حتى جاءت من بعيد سيارةٌ ضخمة ذاتُ دفعٍ رباعي، أو ربما ذات شد أمامي، معاكسة لطابورِ السيّارات إلى أن وصلَت إلى مضخّةِ البنزين، وما إن لمسَ عامل المحطة مقبضَ خرطوم البنزين لإملاء سيارتي حتى ناداه صاحبُ تلك السيارةِ الفارهة طالباً منه ملءَ خزان سيارته قائلاً له وهو يحمل رزمة كبيرة من فئة الألفي ليرة: “فلل” يا ابني.
قلت له مستغرباً فعلتَه ومشدوهاً من برودة أعصابه: ماذا تفعل أيّها السيّد؟ ألا تلاحظ أنّك قد خالفت النظامَ وتجاوزتَ الدّور؟؟
قال لي وهو يعدّ رزمة النقود دون أن ينظر إلي: نعم لاحظت.
قلت له: وعليه فلن أسمحَ لك بملء سيّارتِك بالوقود.
قال لي بصوت خفيض: ماذا؟ هلّا رددت على مسامعي ما ذكرته للتو؟؟
قلت له: نعم لقد خالفت الدور والنظام، وأنا؛ ومن بعدي العشرات من السائقين نقف في الطابور منتظرين دورَنا منذ أكثرَ من ساعتين، فبأيّ حقّ تصادر حقَّنا؟؟
وما إن أنهيتُ كلامي حتى أمالَ رأسَه الضخم إلى جهة كتفه الأيسر مكشّراً عن أسنانٍ ضخمةٍ مصطفّة على لثته كبورسلان دوراتِ المياه العموميّة، أخذ يزمجر فاتحاً فكّيه حتى كاد فمه يتشقّق، ثم مدّ لسانَه إلى أن بلغَ أرنبة أنفه فسال لعابُه من بين أنيابه على كمِّ قميصي وكأنه ينوي افتراسي.
لا أعرف لماذا تذكرت في تلك اللحظة مشهدَ ضبع شرس وهو يمزّق فريستَه بين فكّيه وهي تتلوّى من الألم.
كل ذلك جعلني أخشى على لحمي أن يتمزّق أو أن يرمي بي إلى محطة وقودٍ أخرى ليس فيها بنزين، فما كان مني إلا أن ابتسمتُ له، وحييتُه بتحية رفاقيّة أنعشَت نفسَه.
وفي يوم آخرَ اضطررت إلى الاتفاق مع نجّار لإصلاح قفل باب بيتنا بعد أن غافلَنا لصٌّ بالدخول إليه في غيابِنا عنه، وبعد أن انتهى حبيبُنا النجّار من عمله نظرتُ إلى الباب فوجدت قفلَه ما زال هشّاً،
قلت له بكلّ الحب: ما هكذا كان الاتّفاق يا عمي منصور، وأنا لن أدفع لك حسابَك إلا بعد أن تستكملَ ما اتفقنا عليه.
قال لي: والله يا أستاذ الذنبُ ليس ذنبي، إنه سوءُ البضاعةِ في السوق.
قلت له: كان عليك إعلامي بذلك، وحينها سأقرّر أنا ما أفعل، وليس أنت من يضعُني تحت الأمر الواقع.
لوى النجّارُ رأسَه يميناً وشمالاً و جحظت عيناه وكأنه يؤهبُ نفسه للافتراس وقال: أ أفهمُ منك أنك لن تعطيَني أجرتي؟؟
قلت له وأنا أرتجف خوفاً: بلى لكن عليك تغييرُ هذا القفل!
قال لي بتهكّم: ومن يدفع ثمنَ القفل الجديد؟ لعلك تنتظر مني أن أفعل ذلك؟
قلت له بحنان بالغ: نحن كنّا قد اتفقنا معاً على تركيب قفلٍ ألمانيّ الصنع، وسددتُ لك ثمنَه سلفاً، لكنك اشتريت لي قفلاً غيرَ معروف المصدر.
وما إن أتممتُ جملتي حتى سحب مطرقتَه من محفظة العدّة وأخذ يكسر القفلَ بوحشية، فتراءى لي في لحظتها منظرُ ذئبٍ هرم كان ينهشُ في لحم وليد البوفالو تحت أنظارِ أمّه التي ولدته للتوّ وصوتُ أنينه وخوارها يملأ البراري من شدّة الألم والحزن.
قلت له مذهولاً: ماذا تفعلُ يا عمّي منصور؟
قال: أفعل ما عليَّ فعلُه، فإمّا أن تعطيَني أجرتي، أو أخلعَ بابك كلَّه.
وعلى الفور ابتسمت له وسدّدت له أجرتَه كاملةً ثم غادرَني وهو يشتمُ مصلحته بأبشعِ الشتائم.
ومرة وأنا في طريقي إلى البيت شاهدت مجموعةً كبيرة من البشر تتزاحم لمشاهدةِ شيء ما لم أستطع معرفتَه عن بعد، وبطبعي الفضوليّ اقتربتُ من مكان الحدث لأتعرّف على المسألة، وإذ بشابّين يتعاركان وكأنهما في حلبة مصارعةٍ وملاكمة مع قليل من التايكواندو.
سألتُ مَن كان بجواري: ما المشكلة؟
قال: والله لا أعرف!
اقتربتُ أكثر و سألت أحدهم: ما المشكلة؟
قال: والله لا أعرف!
زاد فضولي وقررت أن أتابعَ الخطى وأحشرَ نفسي متحمّلاً روائحَ العرق والنشادر المنتشرة بين المجتمعين حتى أصبحتُ بقرب حلبة المعركة، وأخذت أشاهدُ المتصارعَين بوضوح.
كانت ثيابهما ممزقةً والدماء تسيل من أيديهما ووجهَيهِما وبضعةُ شبابٍ يحاولون تفريقهما. قلتُ للشخص الذي بجواري:
ما سبب العراك؟
قال وهو يصوّر صراعَ الجبابرة بهاتفه المحمول: عادي ، أبو القميص الأصفر يغازل ويتحرّش بحبيبة الجوكر ذي القميص الأحمر.
ولا أعرف كيف خطر على بالي حينها مقطعٌ عن قتالٍ عنيف بين ذكرين من الكركدن لاجتذاب “كركدناية” وقفَت بعيداً تتغنّج بانتظار مَن ينتصر في العراك.
قلت لجاري: وأين هي تلك الجميلة الساحرة سببُ الاقتتال؟
قال لي ساخراً: وهل تريد أن تدخلَ معهما العراك؟
قلت له مبتسماً: دعني أر أولاً ثم أقرر.
قال: هي تلك الخائفة الواقفة بقرب محل بيع “الفراريج”.
نظرتُ إليها فإذا بها تشبهُ إحدى الدجاجات السمينات منتوفات الريش اللواتي ينتظرنَ الشواء داخل الفرن. فقلت في نفسي ضاحكاً: والله إن الحظّ في هذه المعركة مع الخاسرِ قطعاً، وهنيئاً للفائز بهذا المقلبِ.
عدتُ إلى البيت لأجدَ زوجتي تنتظرني عند الباب، وهي تطرق بكعبِ حذائها على البلاط وتكزّ على أضراسها
ووجهُها مصفرٌّ يتقطّرُ غضباً..
قلت لها ملهوفاً: ما بكِ يا زوجتي العزيزة؟ هل أنت بخير؟
قالت لي وهي ترتجف: أين هاتفك المحمول؟
قلت لها: والله لا أذكر ، لعلي نسيتُه على المكتب في غرفتي.
قالت: نعم لقد نسيتَه. لكن كيف تحفظ اسمي في هاتفك باسم “حكومة” لقد اتصلتُ بك ورأيتُ لقبي المزعوم!
اضطربتُ كثيراً ولم أعرف بماذا أجيبها، فقلت لها بارتباك: يستحيل لابد وأنه قد حصل خطأٌ مطبعيّ!!
قالت: خطأ مطبعي؟؟ أو تستهينُ بذكائي؟؟
قلت: حاشى لله!! لكن أنت تعرفين طبعي ومحبّتي للدّعابة مع المقرّبين ، فقد كنتُ أمسِ مع أصدقائي نلعب الورق،
وأخذنا نتباهى أثناء اللعب بتسمياتِ زوجاتنا على هواتفنا بغية الضحك و الفرفشة، ورغبت أن أخترع اسماً غير مألوف، فكتبت خلسة على رقمك المحفوظ في قلبي “حكومة”، ونسيت أن أعيدَه فيما بعدُ باسم “حبيبتي زوجتي”.
قالت: الآن الآن وليس غداً أريد تفتيشَ قائمة الأسماء في هاتفك اسماً اسماً.
قلت لها: حاضر يا حبيبتي.
وكنسرٍ جارح حلّقتُ في سماء الغرفة وقبضتُ بمخالبي على هاتفي، ورميتُه أرضاً متظاهراً بأنه أفلت منّي ليصبح أربعَ قطع ثم حملته بكلتا يديَّ قائلاً لها: تفضلي وفتّشي ما شئتِ.
نظرت إلي نظرةً حائرة وقالت: ما هذه الصدفة الغريبة؟
هواتفُك المحمولة الثلاثة السابقة لم تتحطم إلا حين أردتُ رؤيةَ ما بداخلها !
قلت لها ضاحكاً: صدفة غريبة، فداك كلُّ الهواتف يا حكومتي الحبيبة.
سأدعك تفتّشين الهاتف الجديد متى شئتِ بإذن الله، أبشري ونامي مطمئنّة قريرةَ العين ..

 

*أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق