إضاءاتالعناوين الرئيسية

“خطر السنماريّة” .. فادي سهو ..

|| Midline-news || – الوسط …

.

لن ندقّق كثيرًا في الروايات التاريخيّة المختلفة إلى حدّ التناقض حول حقيقة قصّة المعماري “سنمار” بل سوف نركّز على المغزى من تلك القصّة، التي باتت مثلًا يردّده العرب (جزاؤه جزاء سنمار).

سنمار مهندس معماري مشهور، ينحدر من أصول روميّة. عاش في إمارة الحيرة تحت سلطان الملك النعمان الذي لقّب عصرئذٍ بملك العرب. وطلب إليه النعمان أن يبني له قصرًا يفخر به أمام العرب والفرس، لم يتردّد سنمار في تلبية أوامر الملك، وبنى قصر “الخورنق” الذي اعتبر في ذلك الوقت من أجمل التحف المعمارية.

اعتلى النعمان سطح القصر وقد بدت عليه ملامح التعجّب والدهشة، فقال لسنمار: هل تستطيع أن تبني أجمل من هذا؟! فقال سنمار: نعم! فأمر النعمان به، فقذفوه من أعلى السطح إلى حديقة القصر. وفي رواية أخرى أنّه رماه بعد أن قال سنمار: يوجد “آجُرّة” لو أزيلت لسقط القصر! فقال النعمان: هل يعلم أحد بذلك؟ فقال: لا. فأمر به، وتمّ إلقاؤه من أعلى القصر، ليسقط ميتًّا.

إنّ المصير البائس الذي لقيه سنمار ليس بغريب على مجتمعاتنا، لكنّ أشكال الجزاء تطوّرت وتعدّدت، وتمّ تأطيرها في قوالب معيّنة. ليس أوّلها تهميش الإنسان المبدع في بلده، ولن أبتعد عن الحيرة وعن الأرض التي قضى فيها سنمار، لكنّي سأقفز مئات السنوات لأصلَ إلى العام 2016، تاريخ وفاة المعماريّة العراقيّة –البريطانيّة زها محمد حسين حديد، التي نفّذت 950 مشروعًا في 44 دولة. التي لم يلتفت إليها أحد في العراق إلّا بعد أن أصبحت مشهورة في أرجاء المعمورة.
إنّ هذا النوع من الاغتيال السنماري موجع جدًّا، ويشعرك بعدم جدوى فعل أيّ شيء في إطار الثقافة الجمعيّة.

*آلمني خبر وفاة الأديب السوريّ فاضل السباعي (توفّي يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020)، وهو من مؤسّسي اتّحاد الكتّاب العرب بدمشق، الذي رحل بصمت، وكنت قرأت منشورًا لابنته، وهي تبحث عن شقّة للإيجار لوالدها في دمشق، كان ذلك قبل وفاته بشهرين تقريبًا.

إنّ الأمّة التي لا تهتمّ بمفكّريها ومبدعيها ستبقى ذليلةً مهزومة، ويجب عليها أن تتحمّل جزاء سنمار، لأنّها تقدّم الولاءات المجانيّة لمن لا يستحقّها، متناسية ركلة الجنرال غورو لضريح صلاح الدين الأيّوبي في دمشق، وقوله: قم يا صلاح الدين، ها نحن عدنا! فالجنرال المحتلّ لم ينسَ هزيمة أجداده.

لا أريد تمجيد الماضي والهروب إليه، ولا أريد أن أتجاوز الحاضر لأفكر بشيء قد لا يحدث، لكنّي ملزم بأن أحارب “السنمارية” وأطلب من غيري محاربتها، لأنّها مشروع مظلم، لم نفلح في الخروج من نفقها الحالك.

وأختم بقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:

ومن يجعل المعروف في غير أهله  …..    يكن حمده ذمًّا عليه ويندم
.

*روائي وأكاديمي سوريّ

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى