العناوين الرئيسيةحرف و لون

حينما تتفوق الشخصية على ذاتها “كركترات الدراما أنموذجاً” .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

لا ريب أن الشخصيات في مطلق العمل الدرامي هي قيمة مضافة ارتباطاً بالمقولة والنص والرؤية الإخراجية ووصولاً إلى ما نعنيه بكلية الخطاب الدرامي لذلك العمل أو سواه، لكن فرادة شخصية بعينها تجعلنا أبداً أمام أمثولة تحتفظ بخصوصيتها على الرغم من تعددها أحياناً، ونبقى في إثر انخطافات الدهشة، على مستوى كيف امتصت الشخصية دورها وتفوقت عليها، وعلى مستوى التشكيل الذي تحوزه الشخصية في وعي المتلقي، وذلك ما يستدعي القول بجدلية الفنان المثقف وليس الفنان المؤدي فحسب، ذلك لأن الشخصية التي يؤديها ستبقى في ذاكرة ووجدان المتلقي طويلاً، عابرةً لأزمنتها وأمكنتها وفضاء مقولات النص، وهذا ما يعيدنا أيضاً إلى أعمال درامية بعينها حملتها شخصيات درامية باذخة في حضورها وامتصاصها للشخصية المكتوبة على الورق حتى لو كانت هذه الشخصية سلبية، أو كما يقول الناس بوعيهم الفطري «شريرة»، فلعّل الإحالة هنا إلى شخصيات الأعمال الدرامية لا تنفصل عن العمل الدرامي ذاته من حيث البناء والزمان والمكان والنص واللغة وسوى ذلك من مفردات أساسية في صنع العمل الناجح حتى يكتمل بأبعاده مع متلقٍ يجيد قراءة تلك الأعمال والوقوف عند دلالاتها القصية.
نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، الشخصيات التي ابتدعها الفنان بسام كوسا وسلوم حداد ومحمد حداقي وأحمد الأحمد ورشيد عساف، في رسمهم لشخصيات جدلية، أكثر قدرة على الاقناع والإدهاش والتشكيل بالجسد والفكرة والأداء، وفي الأعم الأغلب تلك الشخصيات الآتية من فضاءات مسرحية تجيد تشكيلها الحركي «الميزانسين»، حتى لكأنها أيقونات تتحرك في فضاءات ممزوجة بالدهشة والقدرة الفائقة بأداءاتها المختلفة، وفي هذه السعة من الاختلاف تجترح للمتلقي والمتفرج ما يعينها على تحدي الشخصية ورسم آفاقها التي يحتملها المتفرج ولعله يحاورها كذلك، وسيعبر «الادعشري وأبو نجيب وسمعان وفياض» في ذاكرتنا الدرامية عبوراً يعني الاقامة فيها طويلاً واستدعائها ليكونوا في تمام اللحظة الدرامية المنشودة وهي لحظة ثقافية بامتياز لأنها  تأخذ ثقافة الدراما إلى الحيز الذي يعني الأفعال ولغة الصراع، حسب ما اشتقه أرسطو وأصبح في الأمثولات الدرامية حديث صنّاع الدراما كتاب ومخرجين ظل هدفهم هو المتلقي فحسب، فهم من يهيئون له انتاج النص من جديد ليأخذ علامته المستحقة، وعلينا هنا أن نتذكر عشرات الشخصيات التي مرت في الدراما العربية أيضاً والأوروبية ممن نجحت في أن تلتقط ليس المعادل الجمالي والمعرفي فحسب للشخصية الرئيس، بل المعادل الوجودي أيضاً.

هكذا نجد أن «الكركتر» الذي يؤديه الفنان عبر نماذجه المتعددة هو ما يعادل خلق مساحة للتأويل الفائض بمتعته وسؤاله: كيف أداها؟، وسؤال الكيفية هنا هو سؤال مضاعف لأنه سيعني قيم الإبداع والفرادة والخصوصية، التي تجعلنا نستبطن ثقافة الفنان المؤسسة على الوعي أولاً، ومن ثم احترام عقل المتلقي مرسوم بدقة ورهافة، وبكسر النمط الذي وقر في الأذهان، فليس صحيحاً دائماً أن المطلوب هو أن تكون الشخصية خيرّة دائماً، حتى تحظى برضى المتلقي على الرغم من أن رغبته الضمنية أن تكون كذلك، لكن البراعة في الأدوار المختلفة «الشر» مثلاً، ذلك ما يفضي بنا إلى علاقة جدلية بين الثنائيات التي يؤديها الفنانون، لأن السؤال الأساسي هنا كيف يتفوقون على الشخصية السلبية ويمتصونها؟، ليُستدعى النقيض «الخير» وتتوازن العلاقة الدرامية في انفتاحها على الأبعاد الإنسانية، فليس من المصادفة بمكان أن ينسى المتلقي اسم الفنان ليناديه باسمه «الكركتر» الذي ابتكره، بل ويعيش معه في حالة حوارية تتخطى العمل إذ المهم هنا ما بعد العمل، وهذا ما يستدعي القول لايجابية اعادة الأعمال لا سيما التي مثلت استقطاب الجمهور بالمعنى العاطفي والوجداني والجمالي، إعادة تعني الاكتشاف من جديد وكأن عملاً ما يُبث لأول مرة.

 

*كاتب وناقد- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق