العناوين الرئيسيةرأي

حنظلة قم وانتفض إذاً .. بقلم ريم عثمان

|| Midline-news || – الوسط … 

 

“الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة إنها بمسافة الثورة “. هكذا أرشد الإعلامي الفلسطيني الراحل ناجي العلي من يرغب بقصد فلسطين العربية المحتلة ,فلسطين التي اخترع لها ناجي العلي, شخصية المقاوم حنظلة من بنات خياله وجبله من حبر وورق وجعل دمه بطعم الحنظل المرّ وروحه برائحة المقاومين الزكية ,وهداه للإيمان بفكرة “أن جرّة قلم ورسم خط له وقع أقوى من طلقات الرصاص “, فأخذ حنظلة دور الحارس لفلسطين القضية يغرز أشواك أسلاكه المحيطة بجسده الورقي في ضمير كل من يريد أن يتعدى حدودها ويعتدي على حقوقها.

قال ناجي العلي ذات مرة ” أريد أن أؤذن في آذان الناس وأقول لهم أين قضيتكم، وإلى أين وصلت؟” ,يؤسفنا أن نجيب مخترع حنظلة على هذا السؤال , فالجواب صادم لدرجة قد تجعل دمه يغلي ويفور في قبره , فبالتزامن مع ذكرى اغتياله ,المصادفة في الــ22 من تموز /يوليو ,ثمّة وفد صحفي عربي من جنسيات سعودية وعراقية ومصرية وأردنية ,قصد فلسطين المحتلة لكن ليس وفق خارطة الطريق التي رسمها الإعلامي الراحل, بل عبر اللفّ والدوران والقفز من فوق حدود القضية وحقوق شعبها ,متسللا من تحت أسلاك حنظلة الشائكة . لم يكن قصد هؤلاء المارين الاطلاع على واقع حال شعب فلسطين المحتلة ولا التيمم بطهر تراب أرضها المعمّد بدماء الشهداء ,ولا بغية جرّ أقلامهم إلى الكلمة الحق ,بل لتصوير من يطلق الرصاص على أطفال الحجارة بأبهى الصور وتجميل جرائمهم والتستر على عنصريتهم . نعم يا حنظلة , فهاهنا الضمير مصفّح بالخيانة ,خيانة الكلمة والقلم وشرف المهنة الصحفية وأخلاقها ,خيانة فلسطين وشعبها وقضيته ,لذا لم تكن أسلاكك الشائكة حصنا منيعا لرده أو ردعه. نعم إلى هنا وصلت القضية يا حنظلة ,وفد إعلامي عربي يلبي دعوة وزارة الخارجية الإسرائيلية تحت عنوان “مدّ جسور السلام والتفاهم بين الشعوب ,والتعرف على إسرائيل عن قرب”.

فما كفاهم التعرف عليها عن بعد عبر وسائل الإعلام المسموع والمرئي والمقروء والمكتوب التي تقول إنها كيان غاصب مجرم سرق أرض وحقوق وأحلام شعب بأكمله, وقتل أطفالا وبقر بطونا وذبح شيوخا واغتصب نساءا ,واغتال عقولا وقطع أرازاقا وأعناقا ومارس كل صنوف العنصرية ببشاعتها , فكان هؤلاء الصحفيين الفضوليين أن اقتربوا أكثر وتجاوزوا كل الكلمات والأصوات والصفات المعرفة ليصلوا إلى عقر دار الموصوف فكان أن شهدوا على أكبر عملية هدم نفذتها “إسرائيل” لمنازل الفلسطينيين في قرية ,صور باهر, على مشارف القدس الشرقية ,والتي تزامنت مع زيارتهم إلى فلسطين المحتلة . فهل كانت تلك المجزرة بحق الحجر والبشر كافية ليتعرف هؤلاء الصحفيين على المجتمع الإسرائيلي المجرم ,ويصفونه بعدها بــ”بلد الأحلام” كما نقل عن ألسنتهم إبان الزيارة ؟ نعم إلى هنا وصلت القضية الفلسطينية يا حنظلة ,بعد أن وضعت في عهدة مراهق ,فقط لكونه صهر الرئيس الأمريكي الحالي ,فبازر المراهق,جيراد كوشنر, على القضية واشترى ما بقي من الأرض لصالح “إسرائيل” ودفع الثمن من جيوب شيوخ النفط السعودي وأشقائه الخليجيين ممن بادروا إلى الدفع على عجل وعن طيب خاطر, كرمى لعيون ما بات يعرف بــ”صفقة القرن” حتى لو كانت تلك الصفقة تكسر كلام الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز فيما كان يعرف بمبادرة السلام العربية 2002,لا يهم فمبادرة الصهر الغريب أحق من مبادرة الملك القريب الراحل ,ربما من مبدأ “الحي أبقى من الميت”,و ليس من مبدأ الأقربون أولى بالمعروف .

لو كان الإعلامي ورسام الكاريكاتور ناجي العلي حيّاً يرزق ترى ماذا كان لحنظلته أن يفعل وهو من تجرّع كل أنواع المرّ حتى كُنِي به ؟ أليس لمرارة “صفقة القرن” والتطبيع العلني الذي يكرّ كسبحة فرطت منها حبّة ,طعما أكثر مرارة ؟! ولو كان الإعلامي والأديب الفلسطيني غسان كنفاني على قيد الحياة ربما لاختار السفر بنفسه في صهريج مغلق تحت أشعة شمس الصحراء الحارقة ليموت خنقا ,عوضا عن شخصيات روايته ,على أن تلطّخ سمعة مهنة الصحافة ويداس على أخلاقها المهنية من قبل صعاليك يقتاتون على خيانة قضية وطنه وشعبه, وهو من قال يوما “إن الجلوس مع العدوّ حتى في استديو تلفزيوني، هو خطأ أساسي في المعركة، وكذلك فإنه من الخطأ اعتبار هذه المسألة مسألة شكلية.”

نعم هم يعرفون جيدا أنها ليست شكلية يا كنفاني ,بل ممنهجة ومدروسة وأهدافها ليست إلاّ جزء من “صفقة القرن” اللعينة القائمة أركانها على التطبيع , تطبيع يبدأ بقراءة الفاتحة التلمودية على نصب تخليد ذكرى الهولوكوست وتنتهي بغسل أدمغة الزائرين لبلاد العجائب حتى يتسنى لهم العودة إلى ديارهم ليرووا ما شاهدت أعينهم من عجائب في “بلاد الأحلام”, تسرّ السامعين علّهم يتحمسون لعيش نفس التجربة المثيرة ,وبالتالي يمدون جسر العبور إلى “إسرائيل” يرسمون عليه غصن زيتون وحمامة بيضاء ويعبره كل من يرغب التعرف على “إسرائيل” عن قرب والتفاهم مع شعبها الملموم من الشتات متجاهلا الشعب الفلسطيني المفرّق في الشتات . نعم إلى هنا وصلت القضية الفلسطينية يا حنظلة , وتجاوز الجلوس مع العدو جدران استديو تلفزيوني يا كنفاني ,فها هناك ثمّة صحفيون عرب يتجولون في شوارع تل أبيب والقدس ويتفرجون على متحف الهولوكوست وقبلهم وطأت أقدام سيدات عراقيات المكان عينه لتلقي فنون العلاج من الصدمات النفسية ما بعد الحرب, فضلا عن اللقاءات السرية والعلنية هنا وهناك بين مسؤولين إسرائيليين وعرب , وأكثر ,هذه البحرين العربية تستقبل صحفيين إسرائيليين ليبثوا من أرضها وقائع الورشة الإقتصادية التي أقيمت بضيافتها لجمع أموال الخليج وتقسيمها على بنود صفقة القرن . فليعلم ناجي العلي إذاً أن القرن الذي كان يسوده مبدأ مساومة السلام بعودة الأرض قد انتهى و أصبحنا في قرن تعقد فيه الصفقات لبيع الأرض مقابل المال ومقايضة ذاك المال بسلام منقوص على أرض بديلة.

نحن في زمن نحتاج فيه نسخا غير معدودة من حنظلة حقيقي من لحم ودم لا من ورق وحبر ,وإلاّ فلن يكون لفلسطين وقضيتها وشعبها السلام بل عليهم السلام , وبعدها فإلى صهاريج الصحراء سر ,ولتخنق داخلها أصوات الشجب والتنديد والاستنكار تحت الشمس الحارقة التي لا تخفى بغربال الأقوال ولا خلف بيانات ختام المؤتمرات والاجتماعات ولا بالتصريحات المنددة والمستنكرة لممارسات العدو والمتمسكة بالقضية .

*ريم عثمان كاتبة من سوريا – دمشق 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى