إضاءاتالعناوين الرئيسية

“حموضة معدة” ! .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

.في ليلة من ليالي الصيف الحارة فررت ومجموعة مختارة من الأصدقاء هرباً من صخب العاصمة، ومن تلوث بيئتها، إلى مصيف معروف يدعى عين الفيجة، حيث الطعام الألذ، والهواء الأنقى.

أذهب عادة ً إلى عين الفيجة بسرور بالغ، لا بل بإصرار، بالرغم من المعاناة التي قد تنتظرني قبل النوم، ومن عسر الهضم الذي سيرافقني بالتأكيد إلى الصباح، بعد امتلاء البطن بكثير من الطعام، ومن انتفاخه وتطبله نتيجةً لتنوع طفيليات البقدونس والجرجير. أضف إلى كل ذلك حموضة في المعدة ناتجة عن اختلاط شحم “الكبة” المشوية مع الباذنجان المقلي، وامتزاج “المحمّرة بالعيران”، وانصهار قشدة “القطايف عصافيري” بالقهوة المرّة. مع كل ذلك أشعر أن مثل هذه السهرات قد أصبحت بالنسبة لي شراً لا بد منه، وجزءاً من احتياجاتي الشهرية، وشيئاً شبه مقدّرٍ لا يمكن الهروب منه. إلا أن المرح والحبور الذي يرافق مثل هذه الجلسات، و”فش الخلق” بعد ضغط العمل، وسماع الطّرف والنكات التي تغسل القلوب يجعلني أتشبث بتلبية أي دعوة متاحة لعين الفيجة. زد إلى كل ذلك تفننا نحن الرجال في استغابة زوجاتنا، والنيل منهن في الخفاء، الأمر الذي قد يشعرنا في كثير من الأحيان براحة نفسية كبيرة. طبعاً لا أقصد في هذا السياق زوجتي الغالية – معاذ الله- فأنا والله لا أشارك أصدقائي أبداً في مثل هذه الأحاديث السخيفة، وأحاول دائماً أن أصم أذنيّ عن كل ما قد يتناول روعة الزوجات!!، وحنانهن!!، وعظمتهن!!

المهم، فبعد أن وصلنا إلى المطعم المقصود أجلسنا صاحبه الملقب “أبو نعيم” في مكان استراتيجي، بعد أن أشبعنا تقبيلاً، تعبيراً منه عن محبته لنا، ثم رغبة منه كذلك في التفاخر أمام زبائنه بصداقتنا نحن أساتذة الجامعة، فنحن ما زلنا برأيه من نخبة المجتمع – سامحه الله-.

وعلى الفور بدأت جلستنا في مطعم أبي نعيم في استكشاف الجالسين والوافدين، فلعلك تحظى اليوم بصديقك الذي لم تره منذ زمن بعيد، أو برؤية مديرك المباشر، القادر على إدارتك باقتدار، لا بل تدويرك طوال اليوم حتى يصيبك بالغثيان من دون كلل أو ملل، أو ربما تكّحل عينيك بالنظر إلى شبه مسؤول ٍ، كنت تتمنى رؤيته خارج إطار الشاشة الصغيرة، لتعرف شكله أو حجمه الحقيقي، نظراً لأن الكاميرا وكما يقال” بتسمّن”. ولا أخفيكم أنّني عادة ما أميل للتخفي في مثل هذه الأماكن العامة لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتنا، حيث كما يقال، فإن الأكل والشرب والضحك أمام الناس مدعاة للانتقاد، وعليه فيجب أن تكون حذراً في جلستك وأكلك وشربك، فأنت كأستاذ جامعي قدوة، غصباً عنك.

وبعد انقضاء بعض ٍ من الوقت، وعلى بعد طاولتين من طاولتنا شبّه لي شخص كأنني أعرفه. كان رجلاً طويلاً، منتفخاً، كثيف الشعر، تبدو عليه علامات النعمة. جلس يشفط من خرطوم “النارجيله” شفطاً وكأنه في سباق مع الزمن، الأمر الذي كان يزيد من انتفاخه. صرت أسأل نفسي محتاراً، من هذا الشخص يا ترى؟، والله إني لأعرفه. التفتُ إلى أصدقائي من دون أن أشعره باهتمامي، خوفاً من زيادة نشوته أو انتفاخه، وبخاصة إن لاحظ أنني مهتم به، أو إذا كان بحق من تلك الشخصيات المهمة. سألتهم فرداً فرداً إن كانوا يعرفونه، فأنكر الجميع معرفته بلا تردد، وكأني أسألهم عن مشبوه “لا سمح الله”.

وفي خضم هذه الشكوك والحيرة أتت – كما يقال- عيني في عينه رغماً عني، فبرزت لي ابتسامته في البداية خفيفة من بين أكتاف الجالسين مقابله، ثم بدا وكأنه يعصف دماغه ليستذكرني. وإذ به بعد بضع لحظات يصرخ بفرحة عارمة: “أبو عمير، حبيبي أبو عمير، تقبشني” عمّورة”. شُدِه الجميع من الجلبة التي أحدثها هذا الزبون، ولا أخفيكم أني صعقت من طريقة صراخه، التي كانت تظهره في شخصية بائع فجل متجول، فتجمّع دمي كاملاً في رأسي من شدة الخجل، وصرت أتلفت يميناً وشمالاً خوفاً من وجود أحد من معارفي قد يشهد هذه البلبلة، وخشية ً كذلك من أن يصنفني أحد ممن رآني في هذا الموقف “الدراماتيكي” من المنتفخين أمثاله.

آثرت في تلك اللحظة المحرجة أن أكون صاحب المبادرة لأقطع عليه الطريق، فأقبلت عليه مسرعاً لأمنعه من متابعة الصراخ قائلاً له بصوت خافت: “أهلين أبو الشباب”. ولعل لقب “أبو الشباب”، وكما هو معروف للجميع، مصطلح متداول عندما يكون أحدنا ناسياً اسم الشخص الذي يقابله، فكيف إذا كنت ناسياً الشخص كله. باشرني ذلك المنتفخ بالحديث: “لك كيفك أبو عمير، والله “اشتقتلك، شو نثيان مين أنا يا رذيل؟”.

وبمجرد أن لثغ في كلمتي “نسيان ورزيل” رجعت بي الذاكرة خلال لحظة واحدة ثلاثاً وثلاثين سنة، وتذكّرت فوراً صديق المراهقة حسان.

آه كم كانت فرحتي برؤية حسان كبيرة بعد أن فرقتنا كل هذه السنين، وبعد أن شردتنا نتائج “البكالوريا” الكئيبة شر تشريد، فأصبح كل منا إلى مآب. وكل الذي عرفته في ذلك الوقت، أي بعد امتحان “البكالوريا”، أن صديقي حسان هذا قد رسب في الامتحان، ثم غاب دون عنوان، مع أنني كنت أعرف مسبقاً أن رسوبه لم يكن يعني له، أو لوالديه، أي شيء، فهو من أسرة ميسورة جداً، و”البكالوريا” قد كانت لدى أهله، ولديه تحديداً، للهواية كما هي لعبة “البنغ بونغ”، ولم تكن أبداً طريقاً لكسب الرزق.

على كلٍ جلست بقربه فرحاً، مستبشراً، أستنشق فيه، وبه، عبق أيام المراهقة والمغامرات، والهروب من المدرسة، والتسكع في الشوارع، وحلق اللحى والشوارب عدة مرات في اليوم الواحد، أملاً في نظرة خاطفة من إحدى طالبات الثانوية التجارية التي كانت قرب ثانويتنا “ابن الأثير”. سقى الله تلك الأيام الجميلة.

باشرت حسّاناً بالسؤال عن أحواله وأشغاله وعائلته، فسرد لي بسرعة أنه وبعد أن فشل مرتين في حصد “البكالوريا” اللئيمة آزره الحظ في المرة الثالثة، ليترك العلم بعد ذلك منتقلاً إلى إدارة ورشات أبيه، حيث آلت إليه هذه الورشات بعد وفاته “رحمه الله” باعتباره كان وحيده. ثم تزوج حسان مباشرة وهو في العشرين من عمره، ليخّلف بعدها ثلاث بنات، ثم صبيين.

وبالمقابل شرحت له عن أحوالي الشخصية، المادية منها والمعنوية، وعن مهنتي المتعبة كأستاذ جامعي.

وبمجرد أن قلت له كلمة جامعة تملكته فرحة عظيمة، قائلاً لي باستبشار كبير: “بتشتغل بالجامعة؟، الله أكبر، أجيت وألله جابك”.

لم أفهم قصده في البداية، ثم ما لبثت الأمور أن تكشّفت لي شيئاً فشيئاً حين قال لي: “عمّور، الله يخليك، بدك تثاعدني”. قلت له: خيراً إن شاء الله، أنا تحت أمرك ياغالي. هيأت نفسي سلفاً لطلبٍ ربما أصبح طبيعياً جداً لدى عامة الناس، وقد اعتدنا عليه في سلك الجامعة، وهو بالتأكيد أن ابنه، أو ابنته، أو ربما أحد من أقاربه قد رسب في المقرر الذي أقوم بتدريسه، ويريدني طبعاً أن أنجّحه فيه، أو أن أسعى على الأقل في تنجيحه. لكن ظنّي والحمد لله قد خاب بعدما قال لي مستدركاً : “عمّورتي، بتعرفلك شي جامعة خرج تعطيني شهادة”. قلت له لم أفهم قصدك. قال : “ولوّ”، سأشرح لك، وركّز معي. أنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا، وبعد أن اشتغلت بورشات الوالد، الله أنعم علي. لكني لا “ذلت” بنظر أولادي و”ذبائني معلّم ورشة وبث، وأنا بالحقيقة بدّي أطلع من جلباب أبي، وصير دكتور محترم. الله وكيلك يا أبوعمير قرفت من “الثيّارات والميتورات والبواجي وذيت الفرام، وثمعت أنه يمكن للواحد إذا معو شوية دولارات بيدبّر شهادة ماجثتير أو دكتوراه. بث انتبهلي عمّورة، أنا ما بحثن ثافر لبره أكتر من أثبوعين، والله الولاد بالمحل بيثرقوني، كمان أنا حمار بالانكليزي، وما بعرف غير ذيث ايذ ذه ويندو”. ضحك صديقي حسان بعد ذلك ضحكة من أعماق قلبه أسمعت جميع الحاضرين. قلت له: طيب، وشو بتريد تدرس يا حسّونتي؟ قال لي: “ما بتفرق، المهم أن يناديني الذباين والشغيلة دكتور حثان. بدرث صيدلة، لغة ثنثكريتية، علاقات دبلوماثية، ذراعة، والله ما بتفرق، وشو مابدهن فلوث أنا جاهذ”. قلت له: “تكرم عيونك حسونتي، لكن على فرض إني استطعت أن أدبّر لك هادا الموضوع، شو بيضمن لي ألا تتقدم بعدين لمسابقة التعيين بعضوية هيئة التدريس في الجامعة؟، أو أن تفتح صيدلية؟”. قال لي: “أعوذ بالله، على الجامعة والله ما بقرّب، لأني الحقيقة ماصدقت أيمتى خلصت من المدرثة ومن قرف الأثاتذة. أما موضوع فتح الصيدلية، فما بحثن أوعدك”، ثم أتبع كلماته بقهقهة عالية وصلت للسماء، وطغت على هدير ماء نبع الفيجة.

في هذه الأثناء كانت طاولتنا قد عمرت بألذ الأطعمة والأشربة، وبدأت حركة الكراسي والصحون والملاعق تؤلف سيمفونية موسيقية رائعة تمهيداً لبدء مراسم الطعام، تخللها صخب الجائعين من أصدقائي ونداؤهم لي، وبخاصة عندما عبق المكان برائحة الخبز الساخن الشهي.

ودّعت صديقي حسان معتذراً على أملٍ أن أزوره قريباً في ورشته، لترتيب موضوع الشهادة. وأعطيته تأكيداً لحسن نواياي رقم هاتفي المحمول، الممتلئ بحرف السين قائلاً له ممازحاً: “ثجل الرقم حبيبي حثّون: صفر تثعة خمثة خمثة، ثتة ثتة صفر، ثتة ثتة حمر”.

 .

 *أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى