رأي

حكومة لبنان وبناء السمعة والصورة الذهنية ما قبل وأثناء زمن “الكورونا” .. أما بعد ..!! بـقـلـم نـسـيب شـمس ..

ιι midline-news ιι .. الوسط .. 

 

حين اقتحمت الدبابات الأميركية بغداد في 9 نيسان 2003، استسلم مشاهدو التلفزيون في الولايات المتحدة لمشاعر لحظة الفرح الأولى في الحرب الأميركية على العراق، لقد عاشوا فرصة الشهادة على إسقاط “الديكتاتور” العراقي صدام حسين.

يومذاك، كان يمكن عند تقليب القنوات الأميركية كافة أثناء الفطور، من فوكس نيوز إلى السي أن أن CNN إلى السي بي إس CBS ألخ، أن يرى المُشاهد نفس الصور التي بُثت بشكل مباشر من ساحة الفردوس في بغداد، كما أن أولئك الذين فاتتهم الصور المباشرة في الصباح، فقد أعيد بث المشاهد بشكل مستمر ضمن نشرات أخبار محطات الكابل على مدار اليوم، كما أن الصحف نشرت الصور ملونة على صدر صفحاتها الأولى.

لا شك إن هذه الصور البصرية هي أكثر ما سيتذكره الناس، أي معظم الأميركيين، وستبقى عالقة في ذاكرتهم.

إن المشهد أكثر من رائع، لكن لا شك أن الأمر المذكور أعلاه يستدعي طرح السؤال، السؤال الذي قد يبدو مستغرباً لدى كثر، أما قلة قليلة ستراه سؤالاً مهماً، والسؤال: هل كان إسقاط تمثال صدام حسين قد حدث بشكل تلقائي كما أريد له أن يبدو؟. لقد بدا هذا المشهد وكأنه أشبه بصورة مثالية متقنة الصنع. للسؤال المذكور أسبابه.

سأحاول التوضيح أكثر، سنعود إلى ملاحظات أبداها مستشار العلاقات العامة جون دبليو ريندون – الذي عمل على نطاق واسع على المشاريع ذات العلاقة بالعراق أثناء عقد التسعينيات من القرن المنصرم، نيابة عن زبائن من ضمنهم وزارة الدفاع الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حيث قال في 29 شباط 1996 أمام الطلبة الأميركيين في أكاديمية القوات الجوية الأميركية:” أنا لست متخصصاً إستراتيجياً في الأمن القومي أو خبير تكتيك عسكري” قال ريندون : “أنا سياسي، وشخص يستعمل التواصل والعلاقات العامة لتحقيق السياسة العامة أو أهداف السياسة الخارجية، في الحقيقة، أنا محارب معلوماتي ومدير فهم وإدراك” . كما ذكّر ريندون طلاب أكاديمية القوات الجوية أنه عندما دخلت القوات المنتصرة إلى مدينة الكويت في نهاية حرب الخليج الأولى، استُقبلت تلك القوات بالترحيب من مئات الكويتيين الذين يلوّحون بالأعلام الأميركية الصغيرة، المشهد، الذي شعّ على شاشات التلفزيون في مختلف أنحاء العالم، أوصل الرسالة التي تفيد بأن جنود المارينز تم الترحيب بهم في الكويت كأبطال التحرير.

“هل توقّفت لحظة لتتساءل”، سأل ريندون، “كيف استطاع سكان مدينة الكويت، بعد أن وقعوا رهينة الاحتلال لسبعة أشهر طويلة ومؤلمة، أن يحصلوا على الأعلام الأميركية اليدوية الصغيرة، وغيرها من أعلام الدول الأخرى المشاركة في قوات التحالف” ثم توقّف عن الكلام للتأثير. “حسناً، أنت تعرف الجواب الآن. إذن، تلك كانت إحد وظائفي” .

ومن خلال ما تقدم، ندخل إلى لبنان، هذا الوطن المستحيل، وبشكل أدق إلى الدولة، أو السلطة الحاكمة، وبشكل مباشر وأضيق إلى السلطة التنفيذية، أي الحكومة، وتحديداً حكومة الرئيس حسّان دياب، هذا الرجل الآتي من العالم الأكاديمي، وخاصة الانجلوسكسوني، وتحديداً الأميركي، الآتي من مؤسسة أكاديمية ذات عمق تاريخي، متجذر في الشرق الأوسط، أي الجامعة الأميركية في بيروت، والتي لم يعمل في مؤسسة غيرها في تاريخه الوظيفي، سوى أنه شارك فقط في الحكومة في موقع وزاري من ضمن مجاله الوظيفي أي كان وزيراً للتربية والتعليم العالي. من البديهي أن يتساءل القارئ ما هو الرابط من بين ما ذكر في البداية عن العراق والكويت ومن ثم لبنان بشخص رئيس الحكومة الحالي.

بداية، كلنا يعرف الواقع الذي يعيشه لبنان، في ظل الأعاصير القائمة في الإقليم، عدا عن التشابك والتعقد الذي يشهده النظام الدولي على وقع الصراعات القائمة في الشرق الأوسط. فعدا عن أن الوطن الصغير لبنان تحول في مطلع الألفية الثالثة إلى لاعب إقليمي مؤثر، بعد تاريخ طويل من استمراره بكونه متأثر ومتلقي إن لم نقل كان ساحة لحروب الأخرين، كما قال يوماً الأستاذ غسان تويني. لكن لبنان اليوم يخوض حروباً ويحقق انتصارات خارج حدوده، ويكاد أن يتحكم بمسارات استراتيجية لدول كبرى. حتى بات هذا الوطن الصغير كالشعرة التي تقصم ظهر البعير، وأعذروني لهذا التشبيه. وبالعودة الى داخل لبنان، فرغم هذه القوة في الخارج، كان لبنان داخليا ساحات وصراعات وتجاذبات ومماحكات وصخب، في ظل محاولات حثيثة لتحجيم دوره الخارجي المتعاظم من قبل قوى كبرى. كل هذا في وطن متناهي في الصغر، وفي ظل واقع اقتصادي ومالي، يمكن وصفه، بكلمتين، دون القاع، أي إنهيار تام. كل ذلك أدى في لحظة 17 تشرين الأول 2019 إلى إندلاع شيئا ما، البعض إعتبره ثورة، والبعض الأخر قال أنه حراك، وهناك من قال انتفاضة… وبالنتيجة استقالة حكومة سعد الحريري، دون أي نتيجة أخرى، أو أن يستطيع أحد أن يفهم بالتحديد: ماذا حصل؟ أو ماذا يحصل؟ ليس هذا موضوعنا في هذا المقال، فهذا بحث أخر. وبعد أخذ ورد ومخاض عسير، جاء ذاك الرجل من أقصى الجامعة يسعى، جاء الرئيس حسان ديّاب، وتجدد المخاض، فولدت الحكومة، وجاء الوزراء، وجاء زمن إعداد البيان الوزاري. وهنا مربط الفرس، ومن المعروف أن البيان الوزاري هو عبارة عن استراتيجية الحكومة، نعم أنه خطتها ، مشروعها، خارطة طريقها. لا شك أن المعروف والمتعارف عليه في لبنان بأن البيان الوزاري لأي حكومة في لبنان كان يُعتبر دائماً “حبراً على ورق” ومجرد عبارات وجمل إنشائية ليس أكثر.

لكن المفاجأة كانت أن البيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب إحتوى على مفاهيم وتوجهات وردت للمرة الأولى في تاريخ الحكومات اللبنانية، حتى أن بعضاً من هذه العبارات والتوجهات لم تحتويها البيانات الوزارية لحكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. نعم هذه حقيقة واضحة لمن يتابع ويرصد ويوثق. ولكن هناك أمر أكثر أهمية وقد يكون مميزاً ومثيراً للاهتمام أننا رأينا هذه العبارات والتوجهات تترجم إلى أفعال تنفذ على أيدي خبراء في مجالاتها. أعتقد أن كثر يتساءلون : عن ماذا يتحدث هذا الباحث، لم نفهم بعد. لا بأس سأقوم بعرض بعض الوقائع التي رصدتها وتابعتها، علماً أن هذا العمل هو ضمن مجالات عملي واختصاصي واهتماماتي الوطنية والسياسية والإعلامية والبحثية.

ما لفتني، في البيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب الحديث عن « تفعيل الدبلوماسية العامة بأوجهها المتعددة، التي تتجه الى صناع الرأي والقرار في المجتمعات المختلفة لبناء وتعزيز جسور تواصل وتعاون بين لبنان وهذه المجتمعات، وذلك خدمة للمصالح اللبنانية في المجالات كافة. إن هذه الدبلوماسية في صيغ وأشكال مختلفة تساهم في دعم وتعزيز دور الدبلوماسية الرسمية للبنان، لا بل تكمل دور دبلوماسيتنا الرسمية» . بحسب أبحاثي ومتابعاتي لم ترد عبارة “الدبلوماسية العامة” في أي بيان وزاري لبناني سابقاً. ولمن لا يعرف ما هي “الدبلوماسية العامة”، فهي تعني باختصار شديد ومكثف جدا بحسب اندرليك ” بأنها عملية التأثير على الرأي العام لتحقيق أهداف السياسة الخارجية” . ولكنه يضيف تعريفاً آخر هو أن الدبلوماسية العامة تعمل للتأثير على الحكومات من خلال التأثير على مواطنيها عن طريق وسائل الإعلام .

نعم أعلنت الحكومة أنه ستُفعل “الدبلوماسية العامة”، وبسرعة وبعد نيل الثقة بدأت مهمتها الشاقة، لمعالجة تركة ضخمة من الأزمات، وكان وقتها أخطرها الأزمة المالية واستحقاق سندات دين “اليوروبوند”.

لذلك شمرت الحكومة ورئيسها عن سواعدها، عدا عن أن رئيس الحكومة اللبنانية إختار وزيرة إعلام شابة تعتبر مميزة في اختصاصها العلمي وشهاداتها الأكاديمية، علماً أنها غير متخصصة في الإعلام، ولكنه حتى اللحظة، لم تخطئ في تظهير مواقف الحكومة إعلامياً بالشكل الملائم. وهذا أمر جيد، وسنفهم لاحقاً أسبابه. علماً بأن رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب، بحسب ما ذكرت إحدى المجلات اللبنانية قد طلب “من الوزراء أكثر من مرة عدم الظهور الإعلامي على الشاشات إلا للضرورة أو لعقد مؤتمر صحافي يتناول فيه الوزير الإعلان عن إنجاز ما، كما تمنى دياب على الوزراء عدم تسريب معلومات لأصدقائهم الصحافيين” . ولقد بدا ذلك واضحاً منذ بداية العمل الحكومي، أي إلتزام الوزراء بطلب رئيسهم.

وبدأ العمل على معالجة الهم الأبرز قبل زمن الكورونا، وكان يوم ذاك هم دفع سندات “اليوروبوند” المستحقة في ظل شح للدولار الأميركي، عدا عن حالة إنهيار مالي، عدا عن إنقسام كبير لدى القوى السياسية حول الدفع أو عدم الدفع، وبشكل أدق مأزق ضخم، عدا أن الشعب كله، أي كافة شرائح المجتمع اللبناني، باتت أسيرة الأزمة الاقتصادية والمالية، كما أن خطوات الحكومة مُراقبة مُراقبة لصيقة من كل الفئات والجهات داخلياً وخارجياً. وهنا في اللحظة الحرجة حول مسألة سندات اليوروبوند” اتخذت الحكومة إجراءً متوقعاً وهو طلب الاستعانة باستشاريين، وقامت بتعيين استشاري مالي “lazad”، كما عينت استشاري قانوني “cleary gottlieb”، أضافة الى استشاري ثالث، قد يكون بعض الخبراء قد انتبه لذلك، لكن كثر لم يفهموا ماهية الاستشاري الثالث، “تم  تعيين استشاري ثالث لشؤون التواصل حضر جلسة مجلس الوزراء التي إنعقدت يوم الخميس  5 آذار 2020، وبحسب ما ذكرت إحدى الصحف اللبنانية، أن “مهمته الشرح للرأي العام طريقة إدارة القرار وتسويقه إعلامياً بكل التفاصيل، وصولاً إلى   body Langauge ” . نعم كان هناك في الظل استشاري تواصل وعلاقات عامة.

ووقف رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب يوم السبت 7 آذار 2020 ، موجهاً رسالة الى اللبنانيين عقب جلسة لمجلس الوزراء وقال إن الاحتياطات “بلغت مستوى حرجاً وخطيراً، يدفع الحكومة اللبنانية إلى تعليق سداد 9 آذار من سندات اليروبوند” . جاء الإعلان في ظل مشهد كامل متكامل ومتميز، لرئيس حكومة يتقن فنون الأداء والتواصل، علماً بأنها ليس المرة الأولى التي يقف فيها بهذا الشكل المتقن والمتمكن بمواجهة الإعلاميين والكاميرات، فقد تميزت إطلالاته الإعلامية منذ زمن التكليف بالإتقان. علماً بأنه يوم كان وزيراً للتربية والتعليم العالي سابقاً كان أيضا يتصرف كرجل دولة، والمؤسف أن البعض فسر اعتماده نشر كتاب توثيقي عن مسيرته الوزارية أمراً يدل على “نرجسية”، علماً بأن أهم الشخصيات السياسية أو العاملة في الخدمة العامة تقوم بنشر هكذا كتب، عدا عن أن شخصيات سياسية عديدة كرؤوساء جمهورية مثلا كانت تقوم وزارة الاعلام اللبنانية بإعداد كتب عن ما قاموا به فترة رئاستهم، أي أن هذا الأمر متعارف عليه في عالم السياسة والعلاقات العامة.

وفوراً وبعد إعلان الانتقال إلى زمن “عدم السداد”، وبشكل سريع هيمن زمن فيروس “الكورونا” على لبنان، فأصبح الهم  المركزي والأخطر سواء داخل لبنان، أو في جميع أنحاء العالم. سريعاً بدأت السلطة التنفيذية باتخاذ الإجراءات وتحديد السياسات، والمؤسف أن كل ذلك العمل الحكومي سواء قبل زمن الكورونا أو أثناءه وقد يستمر لما بعده، كان يجري في ظل صخب واصطراع كبير بين مكونات الطبقة السياسية اللبنانية، إلى جانب أدوات إعلامية لا تهدأ ولا ترتاح عن إثارة الشعب، الذي لا يكفيه ما يحصل  ويجعله في غليان. ورغم كل ذلك برزت مؤشرات تدل على مسارات إعلامية تواكب العمل الحكومي، ظهر الكثير من تجلياتها في سلسلة مؤتمرات صحافية أو رسائل من الرؤساء تختلف سياقاتها عما كان يحصل في السابق.

في زمن أزمة فيروس الكورونا، حققت الحكومة اللبنانية لغاية الأن نجاحاً تاريخياً، مما أشعر كثر بالقلق على مستقبلهم السياسي، ورغم ما تعيشه البلاد والعالم بدأت مناوشات ومماحكات باتجاه الحكومة، لست في وارد تحليل سياسي أو قراءة سياسية، كما أني لست في موقع المداح للحكومة. لكن هذه الحكومة التي يرأسها الرئيس حسان دياب بدا أنها تقوم من الناحية الإعلامية، ببناء الصورة الذهنية أو بناء السمعة، على أيد خبراء متخصصين، وفي ظل أزمات متعددة ومصيرية، وهي تحرز تقدماً في إستمالة الرأي العام بشكل منهجي وعلمي نحو مشروع الدولة لأول مرة، وتحديدا على أبواب المئوية للبنان الكبير. ولعل ما قامت به قوى الأمن الداخلي ليل الأحد الواقع في 29 آذار 2020 أمام مستشفى بيروت الحكومي، كعرفان جميل وشكر لفريق المستشفى الحكومي الذي يشكل قوات الخط الأمامي في مواجهة فيروس الكورونا، مع توفير طائرات “الدرونز” لتصوير مناطق متعددة في لحظة تصفيق وطني وتضامن ونقل مباشر على شاشات التلفزة اللبنانية كافة، لشكر ذاك الفريق الطبي، عدا عن وقفة ذاك الضابط وهؤلاء العناصر وتأديتهم التحية لمن هم يتصدون لذلك الفيروس. شكل مشهداً مؤثراً من حيث إعداده إعلامياً بشكل متقن ومحترف، عدا عما تقوم به القوى الأمنية من مداهمات برفقة الكاميرا لأماكن تجمعات في ظل القرارات الحكومية تمنع التجمع.

وأخيراً، لا شك بأن ما يقوم به رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب ووزارءه، أمر مطلوب، لكن لأول مرة يتم “بناء السمعة” وخلق “صورة ذهنية” لدى الرأي العام حول الدولة ومؤسساتها، والمؤشرات والمعطيات تدل أنها الأمور باتت تأتي أكُلها. ومن الجميل أن نرى دولتنا تستفيد من العلم والمعرفة، مما يدفعني لأعيد قول ” جون دبليو ريندون”: “حسناً، أنت تعرف الجواب الآن. إذن، تلك كانت إحد وظائفي” . نعم هذه الوظيفة لها خبراءها في لبنان، على أمل أن يكون ذلك الاستشاري الثالث “لبناني” أو أن شركته شركة لبنانية. كما نأمل أن نرى قريباً أيضاً “مركز تفكير وتخطيط استراتيجي” لبناني يدعم القرار اللبناني، إن لم يكن بالمقدور  إعادة “وزارة التخطيط” الى الحياة.

*نـسيب شـمس – باحث وإعلامي لبناني مستقل .. بيروت ..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق