إضاءاتالعناوين الرئيسية

“حديث حيوانات” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

يحكى أن قطة شقراء ساحرة الجمال، ذات طلّة جذابة، تقطن في مخبأ متطرف قرب حاوية القمامة، عند آخر الشارع.
كانت تلك القطة معشوقة جميع الحيوانات في المنطقة، نظراً لغنجها ودلالها الفائقين، الكل يسعى ويتمنى أن يجاورها يوماً ما، أو أن يصادقها، أو حتى أن يتزوجها.
وفي يوم من الأيام حضر كلب أسود أجرب من الشارع المجاور إلى مكان إقامة تلك القطة، ثم وقف أمام الحاوية وأخذ ينبح طويلاً إلى أن خرجت من مسكنها منزعجة جداً من صوت نباحه الشنيع. قالت له: ماذا دهاك أيها الكلب القذر؟، لماذا تنبح والقطط نيام؟ قال لها: أتيتُ أطلب يدك للزواج، وكلّي أمل أن توافقي أيتها الجميلة، فأنا الكلب، ذلك الحيوان المشهور بالقوة والجرأة، والمعروف عنه الذكاء والوفاء وحفظ الود، وسأكون لكِ كذلك طول العمر إن وافقتِ على الزواج مني. قالت له وهي بأقصى سخطها واستيائها من طلبه: إنها لمسخرة المساخر أن تأتيني أنت، أيها الكلب ابن الكلب، وتطلب يدي للزواج، هذا آخر ما كنت أتوقعه، أو أن يخطر على بالي. قال لها مصدوماً: صحيح أنني كلب ابن كلب، لكن يجب أن تعلمي أن ميزة “الكلبنة” قد أصبحت في هذه الأيام صفة مرغوبة جداً، ولعلها فرصتك الفريدة التي لن تتكرر في أن تحظي بكلب يتزوجك، وقد تندمين على ضياعها. قالت له: أغرب عن وجهي في الحال، قبح الله وجهك أيها الكلب القذر، طلبك مرفوض.  غادر الكلب المنطقة عائداً إلى مسكنه حزيناً مقهوراً بعد أن أهانته تلك القطة الجميلة، وجرحت كرامته.

في اليوم التالي التقى ذلك الكلب المقهور بحمار كان يجر خلفه صهريج ماء، قال له الحمار: مالي أراك حزيناً باكياً أيها الكلب، ما الذي حلّ بك؟ قال الكلب: أصابتني صدمة عاطفية قاسية، ربما ستودي بي قريباً، فقد طلبت أمس يد قطة أخطبها لنفسي، فرفضت رفضاً شنيعاً، ثم أهانتني وطردتني. قال له الحمار: ولماذا رفضتك تلك المغرورة؟ قال الكلب: لم تقل لي أي سبب مقنع، سوى أنها قد عيرتني بأنني كلب ابن كلب. قال له: لم أفهم جيداً، وهل كانت تتوقع أن تكون كلباً ابن ضبع، أو ابن تمساح مثلاً؟، الكل يعرف أنك كلب ابن كلب. لكن قل لي بالله عليك، هل هي جميلة إلى هذا الحد الذي جعلك هكذا حزيناً، دامع العينين، آسفاً على رفضها لك، وضياعها منك. قال له وهو يتأوه نباحاً: نعم نعم، هنا المشكلة، لقد أخذت مني عقلي، ولا أستطيع أن أبعد قلبي عنها أو أن أنساها، إنها أيها الحمار جميلة الجميلات. فكّر الحمار قليلاً ثم قال للكلب: طيب، طالما أنها رفضتك، وفاتتك فرصة الزواج منها، فهل يزعجك إن ذهبت أنا، وحاولت أن أخطبها لنفسي، بعد أن شوقتني كثيراً لرؤية وجهها الجميل؟ قال له وهو يمسح برجله بعضاً من دموعه المنسكبة: لا أبداً على الإطلاق، خذ راحتك، كرامتي لن تسمح لي بالتفكير فيها مجدداً، ولو أن نسيانها شيء صعب.

وفي مساء اليوم التالي ذهب الحمار متأنقاً بسرج أحمر مزركش، ثم وقف أمام الحاوية القريبة من مسكن القطة، وأخذ ينهق عالياً علّها تسمعه فتخرج إليه.     خرجت القطة الجميلة أخيراً منزعجة أشد انزعاج من صوت النهيق، ثم قالت له بتأفف: ماذا دهاك أيها الحمار؟، لماذا تنهق وأهلي القطط نيام؟ قال لها: حياكِ الله أيتها الجميلة، أتيت، أنا الحمار، أطلب يدك. قالت له باستغراب: ماذا؟، حمار يخطبني؟ قال لها: نعم، أنا ذلك الحمار الذي يرغب الزواج منكِ، يا أجمل قطة رأيتها في حياتي، وافقي على طلبي أرجوكِ، وستريْنني زوجاً مثالياً، زوجاً مسالماً وديعاً لطيفاً، لن أصرخ أبداً إذا ضربتني ليل نهار، أو حتى قبل أن أنام، ويمكنك كذلك أن تركبي على ظهري متى شئتِ، وأن أحمل لك حقيبتك وكل أغراضك، وحتى أغراض أهلك، وأغراض أهل صديقاتك، من دون أي تأفف أو كلل أو ملل. قالت له بعد أن سرح خيالها بعيداً: الله الله، هذا آخر ما كان ينقصني، أن أتزوج في النهاية حماراً. ماذا تقول عني بقية الحيوانات إن تزوجتك؟، سيقولون بالتأكيد نني لم أجد إلا حماراً أتزوجه وأركبه. ثم تابعت القطة حديثها قائلة: لعلك لا تعرف بماذا ينعتك الجميع؟، اذهب واسأل!!، إنهم يقولون عنك إنك واحدٌ حمار، أحمق، غبي!!، ولا أدل على ذلك إلا هذا السرج الأحمر المزركش الذي تضعه على ظهرك!!، لعلك ظننت بارتدائه أن ظهرك سيصبح صهوة حصان جميل تستطيع به إغراء وإغواء الإناث!!، قال لها مودعاً بعد أن أشبعته سبّاً وشتماً: إنك يا قطتي الحلوة ما تزالين صغيرة، ولا تعرفين شيئاً عن هذه الحياة، لكن على ما يظهر أنك تنقادين بلا تفكير وراء كلام الحيوانات الأخرى، إنما أنا متيقّن تمام اليقين، أنه سيأتيك ذلك اليوم الذي تندمين فيه لرفضك لي لأن ميزة “الحمرنة” قد أصبحت أهم وأروع صفة شائعة وغالبة في هذه الأيام، يتسابق على التطبع بها الجميع. قالت له: أبداً، الحمير هم آخر من أفكر فيهم، اذهب من هنا حالاً، وابحث عن حمارة مثلك لتتزوجها. غادر الحمار حزيناً على حلم ضاع منه بمصاهرة معشر القطط.

في اليوم التالي وقف الحمار حزيناً أمام أحد المنازل، ينتظر إفراغ صهريج الماء الذي كان يجره، فرآه صدفة تيس رشيق، له شعر بني أملس طويل، وعينان سوداوان كبيرتان جاحظتان، وقف يقلّم قرنيه الطويلين بجذع شجرة زنزلخت، توقف التيس للحظة عن عملية التقليم عندما شاهد ذلك الحمار ساهماً، كئيباً، مهموماً، والدمع يفيض من عينيه، فقال له: ما يبكيك أيها الصديق العزيز؟ قال له الحمار: لا عليك، إنها قصة حزينة، لا أريد التحدث عنها. قال له التيس: قل لي بالله عليك، فقد أستطيع مساعدتك. قال الحمار: صدمة عاطفية قوية، صدمة لم أعش مثلها من قبل، فقد طلبت يد قطة للزواج مني، لكنها رفضتني بعد أن سبتني، وشتمتني، ثم طردتني. قال له التيس: ولماذا رفضتك تلك اللئيمة الحقيرة؟، هل ستجد أفضل من حمار ليكون شريك حياتها؟ قال الحمار وهو يشهق: أرجوك لا تسبها. قال التيس: أو تشفق عليها فوق كل ما فعلته بك؟ نهق الحمار قائلاً: لقد تمنيت أن أعرف السبب، إنها لم تقل لي سوى جملة واحدة. قال التيس: وما هي هذه الجملة؟ قال الحمار: قالت لي وهي تلوي حنكها، هذا آخر ما كان ينقصني أن أتزوج حماراً!! قال له التيس: وهل تحبها إلى هذا الحد الذي يجعلك هكذا حزيناً، مقهور القلب، مكسور الخاطر؟ قال الحمار وهو يضرب حافراً بحافر: بماذا أصف لك هذه القطة؟، إنها آية في الجمال، أخذت بلبّي، بالرغم من أنه لا لبّ لي. فكر التيس قليلاً بعد أن توقف عن حك قرنيه بجذع الشجرة، ثم قال له: لا عليك أيها الصديق الطيب، هناك مئات القطط الجميلة التي تملأ الشوارع، والتي تنتظر إشارة من حافرك لتتزوجها. عليك أن تصبر يا حمار، فأنت أبو الصبر، وستجد من هي أجمل منها تستحق قلبك الطيب. قال له الحمار: أشكر لك عواطفك النبيلة، لكنني قد عزفت الآن عن فكرة الزواج نهائياً. قال له التيس بعد أن حكِّ قرنيه بالأرض وعفّر عينيه بالتراب: طيب، هل أزعجك إن ذهبت لأخطبها لنفسي، بعد أن رفضتك؟ قال له الحمار وهو يهش بذيله بعضاً من الذباب الذي تجمع عند فتحة شرجه: لا أبداً، على الإطلاق، فأنا قد بدأت منذ اليوم عملية نسيانها، فخذ راحتك!!، هي لك!!

وفي مساء اليوم التالي ذهب التيس متأنقاً بجرس يلف عنقه، ثم وقف أمام مسكن تلك القطة الشقراء، وأخذ ينطح حاوية القمامة الحديدية، فإذا بجرسه يرن رنيناً متقطعاً، ما جعل القطة تخرج من مخبئها منزعجة من صوت الجرس ومن النطح على الحاوية، قالت له: ماذا دهاك يا جاحظ العينين؟، لماذا تزعجنا في هذا الوقت المتأخر من اليوم؟ قال لها: أتيت أخطبك إلي يا فاتنة الفاتنات. قالت له: يا سلام!!، تيس!!، هذا الذي كان ينقصني!!، أن أتزوج تيساً !! قال لها متسائلاً: وماذا يعيب سلالتي لتستغربي هكذا؟، هل زواجك من تيس سيحطّ من قدرك؟، لعلك لا تعرفينني جيداً، فأنا ذلك الحيوان، الذي له رأس يابس كالصخر، قادر على القيام بالممانعة والمجابهة، في أي وقت، وفي أي مكان. صحيح أنهم يقولون عني إنني ساذج، وقليل النباهة، وأمشي خلف القوم تابعاً وإمّعة، لكن فلتعلمي يا صغيرتي أن جميع هذه الصفات هي مزايا عظيمة ورائعة لأن يتمتع بها زوج المستقبل، فقد تستطيع خصال كهذه أن تخلصّك، إن تزوجتني، من عديد المواقف المحرجة، التي يمكن أن تقعي بها، حيث الكل سيعذرك بالقول إن زوجك هذا واحد تيس. قالت له القطة وصوت موائها يملأ المكان: إليك عني يا تيس، يا ذا الرأس المحشو غباء وعناداً، أنت واحد حيوان قليل النباهة، لا تغير مبادئك أبداً، مصرٌّ دائماً على مواقفك، ومتشبث برأيك، صفات كريهة مقيتة في زوج المستقبل. اذهب من هنا في الحال، وابحث عن عنزة غبية مثلك تتحمّل طباعك!!

وهكذا، مضت الأيام سريعة، من دون أن ترضى تلك القطة الجميلة بأي حيوان يطلب يدها.
وبينما كانت تلك الشقراء تتمشى في الحي، وهي تتمايل يميناً وشمالاً بكل غنج ودلال، إذ بدراجة نارية تسير نحوها بسرعة جنونية فتدهسها، ثم ترمي بها عند منتصف الشارع. اجتمع حولها جميع حيوانات الحي يسعفونها، ثم أدخلوها المستشفى وهي في حالة غيبوبة تامة، وقد تحطمت أضلاعها، وتكسرت أسنانها، وفقئت إحدى عينيها، وبدت في وضع جسدي يرثى له.
تناوب أولئك العشاق الثلاثة، الكلب والحمار والتيس، من باب الوفاء للمحبوب على زيارتها، والسهر على علاجها وراحتها، حتى كادت تستعيد معظم صحتها، لكن وجهها قد أصابه إثر ذلك الحادث تشوه كبير، فلم يعد يطاق حتى النظر إليها.

وفي مساء يوم مناوبة الكلب سألته القطة المكلومة وهي تصطنع التأوه من الألم: أما زلت تحبني يا كلب؟، أما زلت ترغب في الزواج مني؟ قال لها الكلب بعد أن نبح نباحاً خفيفاً كأنه سعال استجمع من خلاله كل ما يريد قوله: لعل الحادث المأساوي الذي حل بك يا قطتي العزيزة قد أنساك ما قلته لكِ ذات يوم حينما طلبتك لنفسي زوجة. قالت له مستغربة: نسيت؟، ماذا نسيت؟، ذكرني يا كلب؟، فلعل ذاكرتي قد ضاعت بسبب هذا الحادث المشؤوم. قال لها: لقد قلتُ لكِ حينها تزوجيني، فلعل صفة “الكلبنة” يا عزيزتي هذه الأيام هي أكثر خصلة مرغوبة، وقلت لكِ أيضاً إنها فرصتك الفريدة، التي لن تتكرر، أن يناديكِ الجميع “مدام كلب”، فرصة ستندمين على ضياعها. فهمت القطة تهرب الكلب من طلبها بحديثه عن ميزة “الكلبنة”، فأغمضت عينيها منهية هذا الحوار.

وفي اليوم التالي جاء دور الحمار في مناوبته، وفي المساء أجلست القطة نفسها على السرير، ثم اتكأت على الوسادة القطنية، ثم قالت للحمار وهي تبتسم محاولة بطريقة أو بأخرى استعطافه: أما زلت تحبني يا حمار؟، أما زلت ترغب بالزواج مني؟ قال لها الحمار بعد أن نهق نهيقاً طويلاً، وكأنه يستجمع من خلاله جميع الكلمات التي يرغب قولها للقطة الجريحة: لعل الحادث الفظيع الذي أصابك قد أفقدك ذاكرتك يا ملاكي، وجعلك تنسين ما قلته حينها لكِ. قالت له: ذكّرني بالله عليك ما قلته لي، أيها الحمار المسامح الأنيس!! قال لها: لقد قلت لكِ حينها إنك بزواجك مني ستحافظين على مَلَكَة “الجحشنة”، كما قلت لكِ أيضاً أن “الجحشنة” هي من أهم وأحدث وأروع الخصال المطلوبة في هذه الأيام، والتي ستندمين جداً على فقدها إن رفضت الزواج بي. قالت له: نعم، الآن تذكرت، فعلاً تذكرت ذلك الموقف، لكنك لم تقل لي شيئاً عن “الجحشنة”، بل كلمتني عن “الحمرنة” إن لم تخني الذاكرة. قال لها: لا فرق يا قطتي، فالجحش والحمار قريبان، وصنوان لا يفترقان، أي أنهما وجهان لعملة واحدة. سكتت القطة وقد عرفت أن لا فائدة من متابعة حديثها مع حمار.

وفي اليوم الثالث جاء موعد التيس مع مناوبته في مشفى القطط. وبمجرد أن وصل إلى غرفة الحبيبة المصابة نادته قائلة: اسمع يا تيس!!، أنا موافقة على طلبك فوراً. قال لها: وماذا طلبت منكِ؟ قالت له: هل نسيت؟، طلبتَ الزواج مني؟ قال لها موارياً وجهه عنها: ماذا تقولين؟، ذكريني بالله عليك؟، متى طلبتُ منك الزواج؟ قالت له وهي تتلعثم: كيف؟، كيف؟، كيف؟، لكأنك أنت المصاب بالحادث، ولست أنا!!، نعم.. لقد طلبت يدي للزواج منذ مدة قريبة، وأنا الآن موافقة. قال لها وهو يطقطق بحوافره على الأرض: هاها، الآن تذكرت تلك الواقعة، لكن كأنك أنت التي نسيتِ ما قلتِه لي حين أتيتك خاطباً!! قالت له مندهشة: أنا؟، ماذا قلتُ لك حينها؟

قال: قلتِ لي، وكأنك تسبينني، أنت واحد تيس لا تغير مبادئك ولا آراءك، ودائماً تصر على مواقفك، وتتشبث برأيك. قالت له: نعم تذكرت، لكن ماذا في هذه الكلمة من شيء يجعلك تغضب؟ قال لها: لكنني حاولت أن أشرح لك أن التشبث بالرأي والإصرار على المواقف صفتان رائعتان، وليستا ذميمتين كما ترغبين تصويرها. أنا فعلاً واحد حيوان، ساذج، قليل النباهة، لكن ما أعظمها من خصال رائجة في هذه الأيام. لقد أضعتِ برعونتكِ تلك الفرصة في أن تكوني يوماً من الأيام حرم تيس مصون عندما قلتِ لي اذهب وابحث عن عنزة غبية مثلك تتحمّل طباعك. قالت القطة للتيس بصوت مرتجف، وهي تتنهد أسفاً وحزناً على ما حلّ بها من شماتة: فعلاً، معك كل الحق، لا يتعلم أحد إلا من كيسه. لقد تعلمت بعد أن فات الأوان أن الكلبنة، والحمرنة، والتياسة، وكذلك الجحشنة صفات جدّ مهمة في هذه الأيام، مزايا عظيمة أضعتها بحماقتي وغروري.

أرخت القطة وسادتها تحت رأسها ثم أغمضت عينيها لتغط في سبات عميق من دون حتى أن تقول للتيس تصبح على خير.

 

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق