العناوين الرئيسيةحرف و لون

جِسرٌ ومَقْعد ..  بيانكا ماضيّة

لوحة : مراد إبراهيم

|| Midline-news || – الوسط …

 

مَقعدٌ استلقى على ضفة نهرٍ، تترقرق مياهُه في شوقٍ لأن يحتضنَها بحرٌ … مقعدٌ تجاوره شجرةٌ انتصبت بأغصانها لتظلِّلَ اخضرارَه، تحنو عليه كأمٍ تحتضنُ بذراعيها جسدَ وليدها…  وفي الأفق ثمة جسرٌ عُلّق بطرفيه ليربطَ بين أمسٍ من حكاياتٍ وبين غدٍ لم تُستشرف فضاءاتُه بعد…  كأن الخُشُبَ التي تراصّت على امتداده تحكي حكاياتِ أقدامٍ لم تملَّ المسيرَ يوماً فوقها في أثناء غروبٍ أو في وقتِ انعكاسِ صورةٍ لقمرٍ فضيٍّ على سطحِ النهر الخجول …. لونُ الخُشُبِ البنيُّ المعتّقُ يتناغم مع هذا الأخضرِ المنتشرِ على الأطراف، الأخضرِ الذي يكسو سفوحَ وقممَ جبالٍ ارتمتْ على ضفتي النهر. في وسطِ ذاك الجسرِ ثمة رجلٌ وامرأةٌ، ويدٌ تعانق الخصرَ النحيل، وشعرٌ منسدلٌ يكاد يلامس تلك اليدَ، وأخرى تتكئ بحنو على الكتفِ … رجلٌ وامرأةٌ لم ينفصلا عن جزئيات المشهدِ، لكنهما في حالة غيابٍ عن المكان، عن الزمان، عن تفاصيلِ اللوحة. لم تجعله تلك اللوحةُ التي وقف أمامها متأملاً، يزيحُ ببصره عنها، بعد أن جذبتْه بمشهدها الذي يتغلغلُ في وسطها كوشاحٍ من ماضٍ بعيد … كانتْ قد أطلَّتْ تلك اللوحةُ على عينيه من بين كلِّ اللوحاتِ التي صُلبت على جدران معرِضٍ كان قد ولجه باحثاً فيه عن شيء من أحاسيسَ أو ألوانٍ أو وجوه. وقف أمامها سارحاً بخياله نحو ماضٍ أرغمتْه تلك اللوحةُ على أن يسافرَ بجسده ومشاعره إليه، وكانت الموسيقا التي ترافق تأملَه تنخرُ في مسامه لتجعلَه أسيرَ مشهدٍ لم يجدْ طريقاً إلى انعتاقٍ من قيده. خرج من المعرِض والطرقُ أمامه متاهاتٌ لا تنتهي… قادته قدماه نحو جسرٍ تشهقُ على جانبيه الأبنيةُ، وأصواتُ السيارات التي تملأ الفضاءَ بأصواتها تُفسدُ عليه سفرَه نحو ذاك الماضي البعيد … هنا كان اللقاءُ الأخير … هنا كان الزمنُ الفاصلُ بين سعادةٍ وأنين، بين تحليقٍ في سماواتٍ لا متناهية زرقتُها، وبين انزلاقٍ نحو وادٍ لا يوجدُ فيه إلا رجعُ الصدى… كان يبحث من بين الوجوه التي تعبر الجسرَ عن وجهٍ كان يبثّ في نفسه المزيدَ من العشقِ والوله، عن وجهٍ قد يجده اليوم في شوقٍ وحنينٍ إلى الأمس الغافي بأحلامِه… ولم تكن الوجوهُ التي يراها الآن إلا وجوهاً لا يعرف ملامحَها، وجوهاً غريبةً عنه، بعيدةً عن ماضيه الآفل ِفي الغياب. كان يسيرُ فوق الجسرِ، والذكرياتُ في ذهنه تتوالى كأنها وقعُ خطواته … لماذا أصرتْ على الرحيلِ؟ لماذا اكتفتْ ببضعِ كلماتٍ ليس فيها إلا رسمٌ لمشهدِ الوداع؟
* * *
بعد ذاك اللقاءِ حملتُ أوجاعي وأمتعتي ورحلتُ نحو مدينة أخرى … لم تكنْ مدينةً …كانت بيوتاً وشوارعَ من أشباحٍ تطالعني كلَّ يوم، لم أذقْ طعماً للهناءةِ في تلك المدينة، لم أكن أحيا فيها، كنتُ روحاً تائهة، جسداً بلا قلب…. لماذا تركتِني يا أنثى الروح؟ كنتُ أخلدُ للنوم فتفتح لي الأحلامُ طريقاً نحو هواكِ، وأستيقظُ فأجدني روحاً بلا أحلام . لماذا جعلتِني أغوصُ في مستنقعاتِ الألم أعاني الوحدةَ والفراقَ واللوعة؟ ألأنني كنت أودُّ الزواجَ منك، مضيتِ من دونِ وداع؟ ألأنكِ كنتِ تعتقدين أن الزواجَ يقتل الحبَّ، رحلتِ؟ ورجعتُ إلى المدينة التي عشتُ كلَّ تفاصيلها فغفتْ على أحلامنا، لم أعد أطيق الابتعادَ عنكِ وعنها… وهتفتُ بكِ حينذاك وسرى إلى مسامعي صوتُك الذي اشتقتُ إلى تموجاته، إلى بحَّتِه التي تذوبُ في مسمعي كما يغيب مركبٌ مبحرٌ نحو الأفق … لم تردّي بعد أن سمعتِ صوتي، ولكنني كنتُ أسمعُ صدى أنفاسِكِ كأنها شهقاتُ حنينٍ إلى ما مضى.

* * *

أيتُها الذكرياتُ الصافية، نفسُه عاجزةٌ عن حملِ أثقالِكِ، لا تزالين تشعلين في داخلِه ناراً لم يعدْ يحتملُ سعيرَها، تلهبُ روحَه فتحيلها إلى رماد. الأيامُ الماضيةُ المفعمةُ برائحتكِ، لاتزال صورُها ترقص أمامه، في مخيلته، في يقظته وفي منامه، تحيلُ قناديلَ سهره إلى خيالاتٍ تحومُ في روحه، إلى ليالٍ يسودّ فيها ضوءُ القمر في عينيه، فيهبط إلى أوديةٍ سحيقةٍ تدفنُ جسدَه، فلا يجد فراغاً يسعُ هذا الجسدَ … لم يعدْ يبتغي العيشَ في أعماقِ هذه الظلمةِ التي تجتاحُه من كلِّ الجهاتِ؛ فتجعلَه يلمسُ العدمَ بيديه … كمْ من مسافاتٍ قطعها في صحارى العدمِ واللاوجود، يحاولُ البحثَ عن معنى لوجودِه فلا يفلح… دعيه يجدد الحياةَ في ذاته، إلامَ يبقى أسيرَك أيتها الذكريات، أسيرَ اللحظات التي تحفرُ في روحه أخاديدَ وجروحاً لا تندمل.

* * *
كان يَوَدُّ في ذاك اللقاء الأخير أن يضمَّها إليه، أن يعانقَ خصرَها، أن يميلَ جيدُها إليه كزهرةٍ تضوع له بعبيرها، أن تتكئَ ذراعُها على كتفه، أن يمضي بها فوقَ ذاك الجسرِ نحو أفقٍ غيرِ محدودِ الجهات … ولكن الصمتَ المطبق ألقى بوشاحه على تلك اللحظاتِ المتجذرةِ في الذاكرة، الساحقةِ للروح … كان يَود لو أن الزمانَ قد امتد بلا نهاية قبل مجيء ذاك اليومِ الأخير، لو أن المكانَ تلاشى، ولم يبقَ أسيرَ أمسٍ أفَلت في ثوانيه شمسُ العالم.

 

*إعلامية وأديبة – سورية
*(اللوحة للفنان التشكيلي مراد إبراهيم- العراق)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى