العناوين الرئيسيةحرف و لون

جيّنات شامية .. نجد سعيد

لوحة: عبدالرحمن مهنا

|| Midline-news || – الوسط …

 

لا أعرف إن كان هناك مكان آخر غير هذه البلاد، يمكن أن تجد فيه أثاثاً مرمياً في الشارع كعلبة عصير فارغة ! وقد يبقى لأيام بانتظار سيارة البلدية.. أما أن تجد أريكة من القطيفة لها ظهر عال من خشب باهظ الثمن وعلامة فيرزاتشي محفورة عليه، على مدخل عمارة قديمة يجلس عليها حارس ينفث دخان نرجيلته، هذا المنظر السوريالي حصراً هنا. وهناك أشكال متعددة من الأرائك المقطوعة من شجرة،حرفيّاً، غير المتآلفة مع المكان قرب البقالات ومحلات تصليح السيارات دون أن يفكر أحد برحلة انتقال تلك الأريكة من مالكها الأول حتى تحولها إلى يتيمة ومستباحة.

  أفكر كثيراً بعدوى تغيير الأثاث هنا التي تصيب الجميع وخاصة بعد انتشار الأثاث الرّخيص نسبياً، وأعتقد أنّني مازلت أحمل الجينات الشاميّة في الحفاظ على كل قطعة في البيت وكأنّها جزء من العائلة، ولا أنسى كم كانت أمّي تتباهى أنّ فرن الغاز من عمر أسامة، والصوفايات من عمر عمار، وعند التفكير بالتجديد يكفي تنجيدها وشراء غطاء دامسكو جديد، وإذا بدها تبالغ شوي و”تخبصها” تفصّل ستائر جديدة للصالون وغالباً تعيد تفصيل الستائر القديمة وتنقلها إلى غرفة أخرى.

أخبرني زميلي بالشركة أنّ ابنه شاطر ويعرف كيف يلقّط رزقه فقد حوّل شقته إلى مخزن للمطهّرات والمعقّمات والكمّامات، وأنّ زوجته بدأت بتطريز علامات شانيل وديور على الكمامات، بل هناك بعض الشّركات طلبت منه تطريز الشعار الخاص بها، وطبعاً هناك ألوان للرجال وألوان للنساء وماحدا بيعرف شو ممكن يعمل كمان، الإبداع مفتوح دائماً .
لاأدري كيف ينزلق الانسان من تأمين حاجاته الأساسية مروراً بحبه وسعيه الدائم لإضفاء الجمال والمعنى عليها ، ينزلق ليصبح مستهلكًا وضحية لمن يستغل هذه الطبيعة البشرية ويبدع في تحويل هذه الحاجات إلى ماركات وعلامات مسجّلة ليقع في فخ استهلاك “الماركة” بعيداً عن حاجته الأصلية لها .

بالتأكيد قلة الإمكانيات ولّدت كل إبداعات ربّات البيوت في إعادة تدوير كل شيء -كانت أمّي تفصّل أغطية لجرة الغاز من الستائر القديمة، حتى كيس الغسيل وستائر المطبخ من تفصيلها – ولكن إغراق الأسواق بكل مالايخطر على بال من سلع شجّع على الهوس الاستهلاكي بعد أن صار لدينا مليون خيار لحاجة بسيطة مثل ملاقط الغسيل مثلاً .

لاأدري إن كان حبي للمكان بكل تفاصيله التي قد تعني صوفا قديمة أو شباك يده مكسورة هو سبب كرهي للتجديد الدائم الذي يطال حتى فناجين القهوة التي صار بعضها لايشبه فناجين القهوة أبداً .
.

*كاتبة من سورية – مقيمة في الكويت
*(اللوحة للفنان التشكيلي عبدالرحمن مهنا- سورية)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق