إضاءاتالعناوين الرئيسية

ثلج حار ! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط

 

للثلج تصاديات ماتعة في روائع  الكتاب والمبدعين، ولا سيما الروائيين. ومنها على سبيل المثال رائعة يوري بونداريف “الثلج الحار” لكننا هنا سنذهب في استعارة موحية للعنوان وليس ذهاباً لمتن الرواية.

ذلك أن للثلج دلالات سترتبط بالنزوع إلى النقاء والصفاء في عالم باتت تحكمه متغيرات العيش ومفارقاته المؤسية، فإن نذهب إلى هذا التركيب المفارق ثلج وحار، سيكون سعينا هنا بحثاً عن أفق دلالي يجمع هذه النقائض، ويشتق منها ما يعني فكرة المفارقة. إذ هي من تكتبنا ولسنا من نكتبها فحسب، وما تنطوي عليه الحرارة هنا وهي نقيض الثلج في برودته هو أسلوب حياتنا المحكومة أبداً بزواج النقائض دون عقد…

تماماً كما هي جدليات الحياة، فلم تعد –تلك الحياة- ذات بعد واحد، فلعلها تتعدد لاحتمالات عديدة، فمثلاً هل يستوي أن يبدع الكاتب والبرد يناوش أطرافه وروحه، إن لم يلتحف شرر الكلام من خزان لغته، ليأتي الكلام مبرءاً من لعنة البرد ومتناغماً مع دفء داخلي، يشيعه الكلام في ذوات المتلقين، وكيف يستوي أن تكتب رواية إن لم تكن أحد أبطالها، بطلاً خفياً ليس منه ظاهراً سوى الاسم الذي يذيل الغلاف؟ وكيف تستوي مدن تحت ندف الثلج ونثراته، دون أن تجترح الدفء؟ ليس دفئاً افتراضياً ما نعنيه هنا لنذهب إلى التخييل الفادح، وحسب الواقع بذاته خيالاً طليقاً بما يكفي أن يتواضع الخيال قليلاً، ويؤوب  إلى كهفه المسحور، هي الكلمة إذن من نظل في إثرها نحلة الروح التي تتشهى صنع العسل لغيرها، ولا عزاء للثلوج وهي تُذكّر بما نفتقده في حيواتنا وما سيصبح يوماً محض ذاكرة شهية.

تقبض الأصابع على ثلج في الطريق أو في أعلى التلال، لا تكترث له وهو يذوب كما يذوب عاشق، لكنها تضرج أرواح أصحابها بفرح خفي، وإلا ماذا سنفسر حفاوة الناس بالثلج… القادم من هناك، فهل هو قطعة من أرواحهم  التي تعيد تعريف الحياة ودورة الفصول وبلاغتها في اتساق صيرورتها، مطر وثلج ومطر…سونيتة سماوية أزلية ظلت كما أعالي الأناشيد تتلقفها الأرواح قبل الأجساد، لتعلل احتياجها الروحي والعاطفي ونقصها وكل اكتمال نقص.

ثلج حار في ما سيأتي على الخرائط الملتهبة فصولاً، لكنها من ترهص بالمتغير بوصفه الثابت الوحيد، للأرواح  أن  تستشرف الآتي… ليكون الثلج أبيض أبيض.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى