إضاءاتالعناوين الرئيسية

ثرثرة فيلسوف فاشل.. حسين شعبان

|| Midline-news || – الوسط

.

في عالم العولمة التي أخفت حقائق الأشياء وألغت الكثير من الحدود ونمّطت الأفكار والمشاعر وأنبتت قيماً زائفة سريعة الظهور والزوال، وفي مجتمعات تقدّس ثقافة الاستهلاك التكنولوجي، تقلّصت قيمة الحنين العفوي واختصرها البعض في صور عابرة، وقتيّة، تحكي سيرة خطوة واحدة يرتاد فيها المرء الأمكنة ويسعى إلى تجميع الأصدقاء وحضور المناسبات الاجتماعية والثقافية أو المقاهي التذكارية أو الرحلات الشكلية ذات الطابع السياحي السريع.

وكأن بالفرد يتصنع مزاولة الحياة المبهجة لأجل التقاط الصور اللحظية ودفع عجلة الاندهاش السريع فحسب، أو لغاية إعتاق الحنين التكنولوجي الملتبس بكل ما هو مؤقت، ثم إعادة حبسه كرقم داخل حدود صور الهواتف المتحركة.
بدأت رحلة الجنون والاستعراض لما يحب أحدنا أن يظهر عليه أمام الآخرين! ونتبادل حفلات النفاق! ومن لم يستطع التميّز بالجودة تميّز بـ”الجحشنة” أو الانحلال أو الاستعراض المبتذل. وهنا تقول النوستالجيا “إنني أحاول الاتساق مع الذاكرة”.
وقد يظن البعض أن المجتمعات إذا تقدّمت وتحضّرت فهي تبدأ بأولى مراحل التخلي عن الحنين، وهذا لا يتناسق مع الواقع. لا يمكن أبداً أن نحيا دونما ذاكرة، دون أن تكون لنا مخازن من الماضي الأصيل، تحوي أوراقنا وأشعارنا وأقلامنا ودفاتر تلوين القلب ورسائل الحب الأول وألبوم صورنا وانجازاتنا “الخرندعية”! حتى لو تعقدت المجتمعات وبالغت في حداثتها، يصير حنين الإنسان إلى ماضيه هو المهرب من الحاضر المفجع.
إن مشاعرنا مستلبة بالرّقمنة والاستعباد من عالم نخضع لجبروته في العصر الحالي دون أن ننتبه إلى مدى تشابهنا بلا اختلاف أو فردية، ربما صار العالم لعبة نرجسية، فكل واحد بات يشبه تلفونه. وفي مقابل أجواء المخاوف من أن تكون التكنولوجيا هي الأفيون الجديد للشعوب، ومن منطق الاستلهام من الضد فقد فشلت في الاقتناع بكل ما هو معقّد، ورفضت اقتناء كل ما هو دهليزي ومركب العناصر، فأنا أؤمن ببراءة الأحداث في الطبيعة وعمق البحث الفلسفي الكامن في المادة الخام، وأن مهمة الإبداع ليست في التعقيد بل في التبسيط. وإعادة المادة إلى عناصرها الأساسية وتفكيكها واقتناء الجوهر ورمي الخسيس.
الحنين ديمومي، حاجة روحية غريزية، وعالمه باطني وأبجديته كتبت بعد تاريخ ولادة القلم الكونيّ، ولو عدنا إلى الزمن الذي نتمنى العودة إليه، لن يهدأ أنين الروح ولن تندثر لغة الحنين، بل سنبقى على حنين بما يسبق، حالمين ذهنياً بزمن مثالي -ندّعيه- ونرجو عودته.
.

*كاتب من سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى