إضاءاتالعناوين الرئيسية

“تويكس”.. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

كالعادة يجب أن يكون هناك قائمة صباحية من الأغراض التي يتوجب شراؤها للبيت، تعدها وتجهزها بكل إتقان السيدة المدام، الأمر الذي يجعل من انطلاقتي اليومية إلى العمل مشوبة دائماً بشيء من الضيق وتعكّر المزاج، إضافة لما قد تعطّله مثل هذه الطلبات من بعض مشاريعي الصباحية المقررة سلفاً، وبخاصة تلك المشاريع المخطط لها مسبقاً في أيام العطل الرسمية والأعياد الرسمية مع “شلة” من الأصدقاء والخلّان.

وقد تصيبك طلبات الصباح هذه بقلق دائم، فتجعلك دائب التفكير في اختيار الوقت والمكان المناسبين للقيام بعملية الشراء، مع التركيز، كل التركيز، على فكرة عدم نسيان أي شيء من الطلبات. وإيّاك ثم إيّاك والنسيان، أو أن تكون “كواليتي” البضاعة، أي جودتها، غير متناسبة ومزاج المدام، أو أن تكون نوعيتها غير متوافقة مع المواصفات المعتمدة سلفاً من قبلها. لذلك يتوجب عليك عند إنفاذ عملية الشراء أن تتقمص شخصيتها دائماً، وكأنها هي التي تنتقي أو التي تشتري، وإلا فلن يكون العود إلى المنزل بأحمد.

تدقق أم العيال عادة بتفاصيل البضاعة الحاضرة، فتسألني عند إحضارها بوجه مقتضب في غالب الأحيان، عن سعر كل غرض بمفرده، ثم تبدأ شيئاً فشيئاً بالكزّ على أسنانها، مع برمة خفيفة لشفتيها، من دون إظهار أي إيماءة عن الرضا، أو حتى من دون كرم الالتفاتة إلى وجهي المترقب، مما يظهرها غالباً بلبوس أحد أعضاء فرق مداهمة الأمن الجنائي. لذلك، ولمجابهة مثل تلك المواقف الرافعة للأدرينالين في الدم، عليك أن لا تسهو عن تركيب مجموعة من “الكذبات” لجهة نوعية البضائع المشتراة، أو حتى لناحية سعرها، أو مكان تسوقها، أو الأمور كلها مجتمعة. فإذا توفر قبول الجودة، فإن ذلك لن يكفي، لأن السعر يجب أن يبدو أيضاً معقولاً، والحُجّة دائماً متاحة للسيدة المدام، وكذلك هي الشواهد والأمثلة، غالباً ما تكون على رأس لسانها. فمثلاً، أخوها نادر استطاع بالأمس شراء بضاعة من سوق “الشيخ محدّين” أفضل بمرات ومرات من تلك التي اشتريتها أنا الأسبوع الماضي، كما أن سعرها كان أقل بكثير من سعر بضاعتي. أما صهرها سليم، أي زوج أختها “الفتح والرّاكز”، وهما الصفتان اللتان تطلقهما دائماً على صهرها (بمعنى أنهما لا تمتان إليً بصلة، أو إن صفاتي ربما بعكسهما)، فقد طلب بالأمس سيارة شاحنة “هونداية” لتحميل ونقل جميع متطلبات البيت التي اشتراها بأسعار “جملة” لا تصدق، وتفوق كل التوقعات. ثم تأتي لاحقاً المرحلة الأكثر صعوبة وهي عملية التحقيق، بمعنى طرح الأسئلة الاستنكارية: مثلاً، بكم اشتريت علبة المحارم حبيبي؟ (تأتي هنا كلمة حبيبي لتشديد لهجة السؤال، وليس لتلطيفه كما قد يظن البعض)، فأجيبها بصوت شبه مرتجف من صعوبة تلك العملية الامتحانية: “والله بميتين ليرة” (تضطر أحياناً لتحلف بالله بغاية الاستعطاف، أو لتخفيف عدد الأسئلة، ودرجة صعوبتها)، فتقول لي على الفور وهي تغمض عينيها، مع هزة خفيفة لرأسها، يمنة ثم شمالاً، ومن دون أي اعتبار لحلفي بالله : “يا حرام الشوم على هل شروة، مو معقول شو غاشينك”. ثم تبادرني هي بعملية الحلف بالله قائلة: “والله، ومالك عليّ يمين، اشتراها أخي نادر مبارح من باب الجابية بمية وخمسين ليرة بس”. ثم تتابع زوجتي تحقيقها قائلة: “ولازم تعرف حبيبي، أنّو المحارم يلّي بعلبة أخي أكثر بكثير من يلّي بعلبتك التعيسة. كمان نوعية محارم أخي سوفت، ناعمة وطرية، مو مثل يلّي جايبلي ياهم، خشنين مثل ورق القزاز”.

وهكذا، ترى زوجتي تغوص دائماً في أدق التفاصيل لعملية شرائي البائسة، إلى أن يصيبني ذلك بكثير من الإحباط والكره لكل شيء اسمه تسوق، لأن الفشل دائماً من نصيبي مهما فعلت، وإن أي عملية مقارنة بين مشترياتي ومشتريات “ابن الحما” أو “العديل” هي خاسرة طبعاً، ولصالحهما حتماً.

ونتيجة لتلك المعارك الشرائية المعقدة، وباعتباري خبيراً وطنياً في قضايا “الكواليتي”، وتخفيفاً لعمليات المد والجزر التي قد تعصف بنقاشاتي مع زوجتي حول جودة البضائع التي أقوم بشرائها، فقد اتفقت سراً مع أفضل البائعين في المنطقة من “الخضرجية والسمانة واللحّامة، وبائعي النوفوتيه والخرداوات والفراريج والشاورما والفلافل”، وغيرهم الكثير، على القيام بتزويدي، وبشكل دائم، بأفضل المشتريات، ومن دون النظر إلى الأسعار مهما ارتفعت، أو حتى التطرق العابر إلى عملية “المفاصلة” التي يقوم بها عموم الناس، وذلك تمهيداً للقضاء على أعقد مشكلة تقض مضجعي، وللتنعم بهدوء البال عند الصباح، ومن ثم للقضاء على التفوق النوعي “لابن حماي وعديلي”، وكذلك للاستمتاع بوقت التروي في الذهاب إلى العمل، وبنعيم لقاء الأصدقاء أيام العطل الأسبوعية والأعياد الرسمية، من دون التفكير بأي غرض من أغراض البيت.

صبرت على البلوى مدة أسبوعين لاكتشاف الموردين الجيدين في السوق القريبة من منزلنا، ثم بدأت باستمالتهم بلطيف الكلام والابتسامات من خلال زيارات سريعة لمحالّهم، والثناء الدائم على بضائعهم، إلى أن جرى الاستقرار على أفضل هؤلاء البائعين، محتفظاً بأرقام هواتفهم، تمهيداً لإجراء الطلبيات بسرعة كبيرة قبل الوصول إليهم.

وفي اليوم الأول الذي تلا اتفاقاتي السرية مع هؤلاء البائعين قمت بتجهيز نفسي مادياً ومعنوياً، فاستيقظت باكراً، واحتسيت قهوتي، ثم سألت زوجتي بكل لطف عن الأغراض المطلوبة، فقدمت لي من على سريرها، وهي “تتمطمط” نصف نائمة، قائمة الشراء التي كانت قد كتبتها منذ الأمس، قائلة لي قبل أن أخرج من الغرفة: “الكوسا والبيتنجان والفليفلة للكوسا محشي، قياسهن وسط، والبندورة نص قاسية ونص طرية، والجبنة نص ملح”. ثم تتابع زوجتي شرح المواصفات بتفصيل ممل، من دون أي كلل أو ملل، حتى وهي في طور التثاؤب، وأنا أهز برأسي موافقاً بالقول: “مفهوم حبيبتي، مفهوم يا روحي” (تأتي هنا كلمتا حبيبتي وروحي محاولة مني لتلطيف لهجة الأوامر).

وعلى الفور خرجت من المنزل مستبشراً بعهد جيد، بادئاً الاتصال بمجموعة البائعين الأخيار، ومسلمّاً إياهم طلبات زوجتي المفصلة، وخلال أقل من ساعة كانت سيارتي قد امتلأت بالأغراض المطلوبة ذات النوعية الفائقة، ثم عدت أعقابي إلى المنزل، منتظراً مفاجأة سيدتي المدام بأفضل محتويات السوق.

فُتحت الأكياس، وبدأت نظرات زوجتي المشككة إلى محتوياتها، مع قليل من عمليات الملامسة والشم والعد. لقد كانت الانطباعات الأولى مقبولة نوعاً ما، حيث لم تقم بالكزّ على أسنانها أو ببرم شفتيها، لا بل العكس، فبعضٌ من علامات الرضا ظهرت على وجهها. قلت لها باستبشار، وكأنني غير آبه بقرارها النهائي: “أنا رايح ع الشغل، انشالله كلشي تمام؟، ولّا في شي ناقص من الغراض؟”.

قالت لي وهي تحملق في الأكياس، شاردة الذهن: “لا لا، كلّه تمام”، ثم أردفت نفيها بسؤالي: “دخلك من وين اشتريت كل هل غراض؟”. قلت لها من دون أي تلكؤ: “والله أكترهم من سوق الشيخ محدّين”. ثم استدركت الأمر مسرعاً لأسألها قائلاً: “دخلك وليش هالسؤال؟، شو ما عجبوكي الغراض؟”. قالت لي: “لا مافي شي، روح، الله معك”. ثم استدركتني بسؤال على السريع وأنا عند عتبة الباب: “دخلك بكم اشتريتهن؟”. قلت لها: “والله مثل ما نصحتيني حبيبتي، تاريلك هالسوق، قصدي سوق الشيخ محدّين بياخد العقل، وكل شي فيه، وأسعاره ببلاش، أرخص شي بالشام”.

خرجت من المنزل وعلائم نجاح خطتي بدت مطمئنة، وأنه لا خوف علي غالباً في قادم الأيام من أي مشكلات يمكن أن تعترض جودة احتياجات المنزل التي سأشتريها، كما أنني أعلنت منذ أول يوم من نجاح خطتي تحدياً لا هوادة فيه لابن حماي وعديلي، تمهيداً لقلب المعادلة، أو الصورة السائدة عن شطارتهما وحرفيتهما في عمليات الشراء.

وهكذا، أخذت خطتي تزداد نجاحاً يوماً بعد يوم، وبدأت معها زوجتي في منحي بعض الثقة، إلا أنها لم تكن كافية لإزاحة هم المنافسة مع هذين القريبين.

وفي أحد الأيام جاءت زوجتي تقول لي أننا مدعوون غداً لوليمة كبرى على العشاء مع جميع أفراد العائلة عند صهرها، زوج أختها، ونبهتني في هذا السياق ألا أرتبط مع أحد في ذلك المساء، وأنها ستذهب صباحاً باكراً لتساعد أختها في التحضير للوليمة. ظهر لي أمرها عسكرياً نوعاً ما، حيث لم يكن هناك أي مجال حتى للتفكير في الإجابة، فأومأت لها برأسي معلناً قبولي الأمر صاغراً.

وفي الصباح الباكر من اليوم التالي رن هاتفي المحمول. قلت وأنا نصف نائم: “ألو، مين معي؟”. قال المتكلم: “مرحبا أبو عبدو، كيفك؟”. وبأقل جزء من الثانية، وحتى قبل أن أجيبه بأنني لست ذلك المطلوب أبا عبدو، بان لي أن صوت المتكلم ليس غريباً علي، لا بل إنني أعرفه جيداً، نعم عرفته، إنه صوت ذلك المتعجرف عديلي، فما كان مني إلا أن مشيت مع حديثه وكأنني فعلاً ذلك المدعو أبو عبدو، وطبعاً من دون أن أخبره أن الرقم المطلوب ليس صحيحاً. قلت له: نعم (محاولاً التقنين في الكلام حتى لا يكتشف أنني عديله). قال لي: الله يرضى عليك يا أبو عبدو عندي عزيمة اليوم، وبدّي ياك تأمّنلي هل غراض ع السريع. لح أبعتلك ياهم برسالة صوتية على موبايلك، وبعد ما تشتريهم حطّهم بباكاج السيارة يلي واقفة قدّام مكتبي، مثل العادة. ولح حطّلّك المفتاح عند الناطور أبو عادل. بس أوعك تنسى تشتري لمرتي كم علبة شوكولا تويكس يلي بتحبها، بدّي ياك تجيب القطعة الكبيرة، مو الصغيرة، عرفتها؟، تبع الحجم العائلي؟، ماشي أبو عبدو؟”. ومن دون أدنى تفكير بالعواقب قلت له: “حاضر معلم”. قال لي غاضباً: “العمى شو فهمك قليل،مليون مرة قلت لك لا تنده لي معلم، أنا أسمي سليم بك، فهمان ولا أشرح لك ياها مرة تانية، فعلاً مخّك سميك”. قلت له: “أمرك أبو شادي بيك، بدّك ما تواخذني، الكبر عبر”. قال لي: “لك شبك أبو عبدو؟، شو صايرلك اليوم؟، هي أول مرة بتناديني أبو شادي!!”. ارتبكت قليلاً، ثم قلت له بسرعة بديهة غير معهودة بي : “والله سمعتها مبارح من الناطور أبو عادل، سليم بك!!”. وهكذا انتهت المكالمة.

أغلقت الهاتف، ثم عدلت من جلستي في السرير أتأمل في ما قد حصل، لتبادرني زوجتي سريعاً بالسؤال: “مين كان ع التلفون؟”. قلت لها: “رقم خطأ، ما تهتمي”.

وخلال بضع لحظات وردت رسالة عديلي على هاتفي المحمول. لقد كانت ملأى بالطلبات المتنوعة، خضار وفواكه، وأنواع من اللحوم المختلفة. لقد كان واضحاً أن عديلي قد أخطأ الرقم حقيقة، وظنّ بالفعل أنني أبو عبدو. قلت في نفسي: ها هي الفرصة قد جاءتك على قدميها للاقتصاص من عجرفة ذلك الشخص ثقيل الدم، هي فرصة لإثبات تفوقك النوعي عليه في شراء الأغراض تنهي بها سنوات من الاعتقادات الخاطئة لدى عموم الأقارب، التي تروّج لها أيضاً زوجتي المصون، وهي أنني شخص آدمي و”حبّاب”!!، لكنني في الوقت نفسه لا أفقه شيئاً في عمليات التبضع أو التسوق، وأن الشراء الراقي هي هواية عديلي، زوج أختها، وهي جزء مكمّل لشطارته ونباهته الكاملة.

خرجت صباحاً للتسوق المنزلي كما هي العادة، وقررت أن أكمل اللعبة إلى النهاية. فإن اكتشف عديلي ذلك سأقول له إن محبتي الفائقة “لجنابه” استدعتني القيام بالشراء بدلاً عنه، نظراً لمشاغله الكثيرة. أما إن اكتشف ذلك لاحقاً فإنه لن يمكنه التفوّه بأي حرف، خوفاً من اكتشاف سرّه بين عموم العائلة، وبأن أغراضه هي من تسوّق أبي عبدو، وليست من تسوّقه أبداً، فينتفي بذلك تميّزه الفائق في عمليات التبضع إلى الأبد.

المهم، قمت متحمّساً بشراء أغراضه بأجود نوعية، ومن تلك المحال التي سبق لي وأن اتفقت مع أصحابها، وأعجبت بالوقت نفسه ذوق زوجتي المصون، وكما يقال أغراض رائعة تهدى للملوك. وقد كان لافتاً أن من بين تلك الأغراض المشتراة وجود خمس علب شوكولا “تويكس” حجم عائلي. لم أهتم لذلك الأمر كثيراً، بالرغم من أن طعمها اللذيذ كان قادراً على أن يسيل لعابي لمجرد النظر إليها. قمت بعد ذلك بإيصال جميع الأغراض على جناح من السرعة إلى باب البناء الذي فيه مكتب عديلي. استدعيت البواب بصوت خافت خشية أن يسمعني أحد غيره، وطلبت منه أن يفتح لي باب سيارة سليم بك، ثم وضعت كامل البضاعة في الصندوق، ليسألني بعدها البّواب عن قيمة الفاتورة ليسددها لي. قلت له وأنا أنسحب بسرعة من المكان خوفاً أن يراني عديلي فجأة: “لا تاكل هم، أنا بكرا بحاسب سليم بك، إذا الله راد”.

وفي المساء جهّزت نفسي، وكذلك زوجتي، للذهاب إلى بيت سليم بيك تلبية لدعوة العشاء المنتظرة. وقفت عند الباب وأنا ممسك بمفاتيحه، منادياً زوجتي: “حبيبتي، يالله.. تأخرنا على أبو شادي بيك” (كلمة حبيبتي تستخدم في هذا المقام تعبيراً عن قليل من التأفف لطول انتظار الزوجة وهي تصلح مكياجها). تردّ زوجتي بشيء من التعنيف: “دخلك وليش عم تتمسخر على عديلك، من إيمتى وأنت بتناديه أبو شادي بيك، هو أنت هيك دائماً، طول عمرك بتكرهه”. صمتُّ لحظتها من دون أن أتفوه بكلمة واحدة، خشية أن أضيع برعونتي بعضاً من روعة المفاجأة. قلت لها: “بعتذر منك يا ست الكل، والله ما كنت عم أتمسخر، بس ما بعرف ليش خطر على بالي ناديله هيك”. هدأت عاصفتها قليلاً، ثم ما لبثت أن قالت لي:” شرّف حبيبي، أنا جاهزة” (كلمة حبيبي تعني هنا أنها ستتابع حديث التعنيف معي بعد عودتنا من العشاء). وهكذا كانت انطلاقتنا إلى أن وصلنا بيت العديل.

كان العشاءً فاخراً، فقد امتلأت الطاولة بالعديد من أنواع الطعام، وأكلنا منها ما لذّ وطاب، ثم جلس الجميع بعد ذلك متحلّقين حول طاولة الجلوس، يتسامرون ويضحكون، ويستغيبون. بعد ذلك عادت أخت زوجتي تدعونا من جديد إلى طاولة أخرى نتناول منها الحلويات والفواكه المختلفة. وقد أعجب الجميع بالمنظر الرائع لتراكب أنواع الفواكه فوق بعضها، وبأصناف الحلويات المرصوفة بإتقان. وأمام جمال ذلك المنظر أخذ الجميع يكيل عبارات المديح للعديل وإبداعات شراءاته، فما كان منه إلا أن انتفض كالطاووس متفاخراً، تفاخراً مبتذلاً، مستعرضاً طريقته الفريدة في تسوّق بضائعه، وبأنه يتفحّص بنفسه كل قطعة يشتريها، وأنه يتذوقها أحياناً إن اضطر لذلك، وأن عملية التسوق هي من هواياته المحببة، التي تشكل له متعة بحد ذاتها مهما كان ضغط “البزنس” عليه، وأنه لا يملّ أبداً من هذا العمل الشرائي، وأنه لا يبتغي بذلك إلا أن تكون زوجته راضية عنه، وأن رضاها هو مبتغاه الأبدي، فتبتسم له زوجته دلالة على مدى الرضا والحبور، بينما ترمقني زوجتي بنظرة نارية، تُتبعها بغمزة خفيفة، بما معناه أن علّي تعلّم حلو الكلام من عديلي.

وأمام هذا التعالي والتكبّر والكذب لم أستطع إلا أن أقاطع عديلي قائلاً له: “روح، الله يعزّك معلّم أبو شادي، أحلى عديل، والله منظر هل فواكه يلي محطوطة ع الطاولة بتاخد العقل، بس للأسف الله خالقني ما بحب كتير الفواكه، بس بحب عواضها الشوكولا، وبشكل خاص روح قلبي شوكولا تويكس، يا ترى بيلتقى عندك شي قطعة شوكولا نوع تويكس؟، ولسّا إذا كانت علبة من الحجم العائلي ما بقول لا، لأنّو القطعة الصغيرة ما بتعبّي راسي”. ارتبك عديلي فجأة عندما سمع كلمة “تويكس”، وبدا لي أن وجهه قد شحب، وأن ريق فمه قد جف، وكذلك شفتيه اللتين بدا لونهما ينقلب أبيضاً، وكأنه يسأل نفسه من أين لي أن أعلم شيئاً عن “التويكس”؟، وبشكل خاص عن موضوع الحجم العائلي؟، ثم كيف لي أن ناديته بمعلّم أبو شادي؟

أثار شكل العديل انتباه الجميع، فدبّ في قلوبهم الخوف، وأسرعت أخت زوجتي تمسكه من ذراعه وتقول له: “سليم حبيبي، فيك شي؟، عم تشكي من شي؟”. قال لها وهو يرمقني بنظرة عميقة محتارة، وكأن حروفه قد تلعثمت في حلقه: “أبداً يا روحي، كلّه تمام”، ثم نادى مضيفة المنزل بصوت عال متحشرج قائلاً لها: “يا بنت!!، ناوليني من غرفتي كيس الشوكولا تويكس يلّي جبته اليوم لمرتي حبيبتي”، ثم قال لي مبتسماً: “لعيونك عديل، أنا شبيك لبيك، الله وكيلك بيتي مثل السوبرماركت، فيك تلاقي فيه كل شي بتطلبه”. ثم أومأ إلى المضيفة بنظرة لأن تعطيني الكيس، وعاد ليبادرني القول مخفياً ابتسامة لئيمة، وكأنه يستفسر عن لغز ما: “بس دخلك من إيمتى وأنت بتناديني معلم أبو شادي، يا عديلي الظريف”. قلت له مبتسماً: “أبداً حبيبي، بس مدري ليش تذكرت على غفلة الممثل أيمن رضا بمسلسل بقعة ضوء وقت تقمّص فيه شخصية أبو شادي بين الأيادي، صاحب مكتب الخدمات، يلي بيأمّن كل غراض العراس والموتات”.

ضحك معظم الجالسين، متذكّرين معي تلك الشخصية الفكاهية، إلا عديلي، الذي قام بهزّ رأسه هزّة تدلّ على شكوكه بمغزى روايتي. ثم عدت لأسأله قائلاً: “دخلك بكم سعر التويكس هل أيام؟”. ارتجف صوته قليلاً ثم قال: “والله ما بتذكّر السعر، مدري بألف، مدري بألف وخمسمية، الله وكيلك مالي متذكر”. بدا على عديلي وكأنه أحسّ بالفخ الذي كنت أنصبه له، فحاول أن يخرج من الحديث معي بعيداً عن “التويكس” والحلويات، ليدخل مع ضيوفه في أحاديث أخرى عن السياسة والثقافة والأدب، لكنني لم أتركه ليفعل. صفقت بكفيّ ثلاث صفقات، ثم ناديت الجميع للانتباه قائلاً: “اسمعوا يا حبايبي، اسمعوا وعوا، شوفوا شو صار اليوم الصبح”.

وقف الجميع باستعداد لسماع ماذا سأقول، متوقعين مفاجأة ما. قلت بصوت عال: “اليوم الصبح اتصل فيني عديلي سليم بيك على موبايلي، متخيل إنّي واحد أسمو أبو عبدو، والحقيقة أنا ما بعرف مين هاد أبو عبدو، بس توقعت إنّه يكون واحد من يلي بيشتغلوا عنده”. ثم أخذت أسرد بتفصيل ممل ما حدث معي صبيحة هذا اليوم. وقد كنت أتوقف للحظات ضاحكاً بشكل مبتذل، متظاهراً بأن عينيّ تدمعان من طرافة الموقف، كما كنت بين لحظة وأخرى استرق النظر إلى عديلي أبي شادي لأرى تعابير وجهه، فأراه متجهّماً عابساً، ما لفت انتباه جميع الجالسين.

ناديت بعد ذلك الجميع قائلاً، وأنا ألتفت إلى زوجتي التفاتة المنتصرين: “يا شباب، ويا صبايا، شايفين كل هالنعم يلّي محطوطة ع الطاولة؟، حزروا مين يلي اشتراها؟، أنا يلي اشتريتها، تصوروا يا جماعة، أنا بكون وبكل فخر المدعو أبو عبدو”. ضحك معظم الأهل، إلا سليم بيك، الذي جلس بائساً، متظاهراً بالغثيان، محاولاً إفساد مفاجأتي وخفة دمي. أما زوجتي الحبيبة فقد اكتفت بابتسامة مجاملة، من دون أن ينسيها الموقف أن تربت على كتف سليم بيك تضامناً معه.

 

 *أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق