إضاءاتالعناوين الرئيسية

“توك توك” ثقافي! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

في الزمن يوسم بندرة القراءة، حدَّ امحاءها بعض الشيء، ثمة مبادرات خلاّقة لعلها ترسم آفاقاً جديدة لحركة الكتاب ولدينامية القراءة المختلفة، من مثل ما أقدم عليه الأخوان التوأم في استثمار عربة التوك توك في لبنان من أجل الحض على القراءة، القراءة التي غادرتها  الأجيال أو ربما هجرتها لتستبدلها بما هو أدنى، أي ثقافة الاستهلاك، ربما يكون الخبر هنا عادياً تماماً وخلفيته البحث عن فرص عمل للشباب المتبطل عن العمل، لكن ما هو أعمق ما هو هنا هو استخدام التوك توك المتنقل وقد رأينا استخدامه في غير بلد عربي بقصد قطع المسافات الطويلة والتخفيف من أعباء المواصلات والازدحام الشديد، وربما النزهات الخفيفة بين المدن والأرياف المتباعدة، فأن يصبح ثقافياً هذه المرة، ويجري استخدامه لغايات ثقافية محضة تقوم على دعوة الناس إلى التنزه بطريقة مختلفة هي في عوالم القراءة والكتب، هذا العالم الذي بدأنا نفقده حقيقة ولأسباب لا تعد ولا تحصى، في زمن أصبح الكتاب فيه وكأنه قطعة من ماضٍ مضى، أو تحفة فنية باهرةـ، فقد عانى الكتاب من تهجير قسري نتيجة ظروف مختلفة ليست الحرب آخرها، فمثلاً أُغلقت مكتبات «تاريخية» وأُستبدلت بمحالات الألعاب والأحذية، فكيف يستقيم هنا فكر يرتقي بالعقول ينزل أرضاً غير ذي زرع ليتصل بثقافة الأحذية!، هذه مفارقة سوف تتعدد صورها ومستوياتها لتنتج غيرها من مفارقات مؤسية، لا ننعي فيها زمن الكتاب الذي يعني القراءة، ولا ننعي فيه زمن القراءة الذي يعني الكتابة والإبداع، السياق ذاته الذي نجد فيه الأمم المتحضرة تجد كتبها في الطريق، فتأخذ الكتاب لتقرأه، وتمر أمام أنهار من الكتب لتأخذ منها حاجتها وتمضي، فيما يبقى الكتاب مهجوراً وتكاد تقاليد القراءة –على الرغم- من مبادرات عديدة وخلاّقة لإعادة تقاليد القراءة، سواء عبر أفراد أو جمعيات أو مؤسسات، أن تصبح شيئاً من ما سمي تندراً بالزمن الجميل، لأن القراءة هنا ستعني التفكير دفعاً لقيمة أعلى هي التغيير، فكيف إذن سيستقيم في الوعي والثقافة أن نسبة القراءة في مجتمعنا العربي مازالت هزيلة جداً، وتكاد تقتصر على مبادرات فردية بفعل سعي المؤلفين والكتاب والمبدعين، للتدليل على منتوجاتهم عبر حفلات توقيع الكتب، أو الأخبار المقتضبة السريعة في وسائل الإعلام.

إن بناء مجتمع قارئ سيحيلنا إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بالتمكين الثقافي، الذي يجعل من الثقافة بنية وخطاباً وسلوكاً وممارسةً تفيض على السلوك وتُشتق منها تعبيرات المجتمعات الحيّة، سيبدو حديثنا هنا ضرب من التكرار في مسألة جدُّ جدلية، لكنها مسألة تتطير من الترف إلى أن تصبح كما يحلم كثيرون شكلاً من أشكال الحياة، وسيظل السؤال كلازمة ضرورية ماذا يعني أن نقرأ؟، وبالتأكيد فإن الاجابة هنا ستذهب إلى ماهية هذه القراءة، ماذا نقرأ وكيف نقرأ؟، تماماً كما ذهب الفيلسوف سارتر إلى تلك الأسئلة في كتابه اللامع «ما الأدب».

لقد أصبحت مفارقات الواقع ممجوجة إلى حد كبير لأنها لم تعد تضيف شيئاً، ما خلا استدرار ضحكاتنا السوداء لنأخذ الكتاب بقوة، كي لا نجعل من كلامنا هذا مجرد صوت صارخ في البرية.

 

*كاتب وناقد – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق