إضاءاتالعناوين الرئيسية

“تميمة في عنق الوقت”.. د.فاطمة اسبر

|| Midline-news || – الوسط
.

منذ أن خصصوا يوماً للغة العربية في 18- 12 وأنا في حيرة من أمري: هل تخصيص يوم للاحتفاء باللغة العربية أمر صائبٌ، أم هو أمر مستهجن؟! أليس قيام وزارة التربية بنفض جميع الأسس التي تختار المعلمين والمدرسين بناء عليها وتغييرها بحيث يتحول التعليم إلى حلم بدل أن يكون سد حاجة هو أهم خطوة ثورية في التربية والتعليم وحماية اللغة العربية؟! ولن أنسى يوم الأرض- الأرض العربية.. ويوم القدس.. ويوم المرأة.. وأخشى أن يتحول وجودنا إلى تسميات أيام فنقول: يوم العرب.. يوم هذا المذهب.. وذاك المذهب! هل من أحد يشعر أننا ندمّر أنفسنا، ونحول تاريخنا وأهدافنا إلى أيام للذكرى؟
من منكم أيها القراء الأصدقاء تؤلمه هذه الأفكار مثلي؟! أم أنني على خطأ!؟

إنما، لندخل إلى اللغة العربية.. فهي من أقدم اللغات السامية، وأكثرها انتشاراً وتحدثاً بين مجموعة اللغات السامية في العالم، يتحدثها أكثر من 467 مليون نسمة ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة، وهي من بين اللغات الأربع الأكثر استخدامًا في الإنترنت، وكذلك الأكثر انتشارًا ونموًا، وهي متفوقةً على الفرنسية والروسية.
اللغة العربية ذات أهمية كبيرة لدى المسلمين، فهي لغة القرآن، ولا تتم الصلاة في الإسلام إلا بإتقان كلماتها. وهي أيضا لغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، كما كُتبت بها أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى، كمؤلفات ابن حيوج في النحو وسعيد الفيومي وموسى بن ميمون في الفلسفة ويهوذا اللاوي في الشعر، كما شرح وفسر إسحاق الفاسي كتاب التوراة، فكان لها بالغ الأثر في اللغة والدين والأدب اليهودي.
أيضاً اللغة العربية من أهم اللغات التي تتميز بقدرتها على التعريب واحتواء الألفاظ من اللغات الأخرى بشروط دقيقة معينة وكذلك تمتاز بقدرتها على نقل روح النصوص المترجمة عن اللغة الأم، ذلك أنها تمتلك خصائص الترادف، والأضداد، والمشتركات اللفظية. وتتميز كذلك بظاهرة المجاز، ومايعتمد عليه من فنون التشبيه والاستعارة. والفنون الأخرى من بلاغة وفصاحة وما تحويه من علم البديع.
هذه اللغة عملوا لها يوماً أسوة بيوم الأرض الذي يصادف يوم 30 آذار!
بالله عليكم أي يوم هذا الذي وافقنا عليه ونحتفي به، وما الفائدة التي تجنيها اللغة العربية من هذا اليوم؟ وهي في كل يوم تتعرض لزيادة الأخطاء المخجلة بدل السعي لتوليد المفردات الجديدة وهي اللغة القابلة للتوليد والاشتقاقات التي لاتنتهي.
هذه اللغة العظيمة من منا سأل نفسه السؤال المهم: ما الذي يحدث للغتنا على أيدينا؟ هل فكر شاعر أن يفتح معجماً أو ينظر في قاعدة حين يكتب قصيدته حين يشك بكلمة ما؟ وكذلك كاتب القصة وكاتب أي نص أدبي؟ هل فكر مسؤول وهو يتحدث بأخطائه التي تثقب الأذن لو أنه قرأ نصه مرة قبل أن يتكلم؟
سأمنح الحق لبعضهم أن يخطئ فهو قد يكون غير متخصص، لكن هذه لغتنا والكل يجب أن يتكلم بها من دون أخطاء.
وهنا لابد من تحميل المسؤولين في اختيار المدرسين والمعلمين في وزارتي التربية والتعليم والثقافة مسؤولية اختيار من سيعلم لغتنا الجميلة، مسؤولية أن يجعلوا مهنة التعليم حلماً لمن يريد، وأن يختاروا خيرة العقول، وليس الفشلة الذين لم يقدروا أن يدخلوا فروعاً أخرى، جعلوها أحلاماً. وهي التي لن تنجح ولن تتفوق إلا بجهود المعلم.
لابأس من الاحتفاء بلغتنا، لكن ليس في يوم واحد، بل في كل يوم وهذا الاحتفاء عليه أن يكون راصداً للأخطاء التي تنتشر وتشيع ومن دون خجل. وأن يمنع نشر أي نص إذا لم يكن خالياً من الأخطاء.
مع الأسف وصلنا إلى تثبيت الهمزة مكان قاف القرآن واقرأ.. وصارت الكسرة ياءً وحرف الذال زاياً، فأي يوم يمكن أن يفيد لغتنا رمز حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا إن لم تبق لغة الضاد كما يقول أدونيس (تميمة في عنق الوقت) وكذلك تميمة في أعناقنا.
.

*(فنانة تشكيلية وكاتبة- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى