إضاءاتالعناوين الرئيسية

“تعالوا نتحاكم قدام الصحراء” .. عباس ثائر

|| Midline-news || – الوسط

.

“تعالوا نتحاكم قدام الصحراء”…
جملة من أحدى قصائد مظفر النواب، استعرتها لتكون عنوانًا لمقالي.. هي حقًا محاكمة لكنها تخص الشعر العربي وحده، وهي ليست رؤية جديدة للشعر أو طرحًا فنيًا مختلفًا، إنما شِقْشِقة هَدرتْ ولم تقَرّ بعد.
اعتادت الإمارات العربية المتحدة، أن تقيم برنامجها السنوي “أمير الشعراء” والذي خُصص للشعراء الذين يكتبون الشعر العمودي.  مضافاً لذلك الشعراء الأغنياء.

الأغنياء؟ نعم، أنى لك هذا؟
أعني هنا بالأغنياء، هم  الأغنياء مادياً، وليس فكريًا أو أدبيًا، بالضبط كما فهمتم. وأعني بالغنى، الغنى الضروري لاجتياز مراحل التصويت بعد أن تتعطل مهمة “لجنة التحكيم” وينتهي دورها، وفق ما ممنوح لها من صلاحيات مسبقة، وما مرسوم لها! وتبقى مثل فزاعة فارغة، ليس بمقدورها إخافة أو هش أصغر طير أو عصفور شعري.

يأتي دور الغنى الذي كان كفيلًا بأن يمنح  فلاناً وعلاناً  لقب أمير الشعراء، غنى أن تكون الأقدار على التصويت، الأقدر على الدفع، بمعنى أن يكون للشاعر الذي اجتاز مراحل الاختبار البدائية -لجنة التحكيم- والتي تُقيّم الشاعر وتمنحه لقب شاعرًا من خلال معرفته بالعروض او الوزن والقافية، وقدرته على الارتجال الشعري فقط. ذلك كله كان قبل مجيء مرحلة الغنى التي سيكون الشاعر مضطرًا فيها لعد اوراقه النقدية، و للاتكاء على العمات والخالات والأصدقاء والأحبة كي يمنحوه أصواتهم عبر رسالة “sms”. الشاعر الذي سيتفق بعدها مع وزارة الاتصالات وشركات الاتصالات في بلده -كما اتفق أحدهم/ن، في العراق، لكنه لم يفز، أو تفوز- لتيسر له عملية التصويت وتخفض كلفة الدفع.

والجدير بالذكر: يحق للمرء أن يصوت للشاعر الذي يرغب بالتصويت له، ألف مرة، دون أي مانع يمنعه ما دامت شركات الاتصالات ستستقطع من حسابه في كلّ مرة يصوت فيها. هنا السؤال يمد أنفه مرغمًا: أيكون أميرالشعراء أميرًا بالتصويت؟ و ربَّما بأصوات من لم يقرأوا جملة عربية واحدة باللغة الفصحى حتى؟! ألم يكن هذا الشاعر أمير التصويت لا الشعراء؟! من سيجب؟ لا أحد.
يكون التصويت عبر “sms” ما يسمح لأي شخص كان المشاركة -وإن كان غير مميز- يكفي امتلاكه تلفون مشحون بالرصيد، فيكتب رقم المشارك أو اسمه ويضغط على زر الإرسال. انتهى، لقد تمّ التصويت.

ياله من ظلم!
لماذا اعترضتُ على هذه الفكرة الانتهازية والمادية -ناهيك من أن البرنامج جاهلي- كونه يؤمّر شخصًا ما على غيره من الشعراء وإن كان لا يفقه من الشعر سوى الوزن والقافية؟!
سأجيب: لو فرضنا جدلًا أن المتنبي والمعري، شاعران بائسان لا يملكان شيئًا، لا، دعك منهم الآن. وتعال معي، لأكون أكثر دقة و واقعية سأخذ عروة بن الورد مثالاً، كونه في الأقل عُرف بأنه صعلوك فقير؛ بعد أن ترك جاهه وجاه أهله وهام في البراري والصحاري ليصطف للفقراء والآبقين من العبيد والناشزين من قبائلهم.. قد شارك في هذا البرنامج، وأجازته لجنة التحكيم حتى ارتقى لمرحلة أخرى “مرحلة التصويت” مع شعراء آخرين أغنياء، ولديهم الكثير من العمات والخالات الغنيات اللائي سيصوتن لهم عبر شركات الاتصالات، ترى من سيربح، من سيفوز، من سينال لقب أمير الشعراء؟ هل سيناله الصعلوك الفقير عروة بن الورد أم فلان بن علان أو علانة بنت فلان من الأغنياء الذين بحوزتهم الكثير من أصوات العمات والخالات والاصدقاء والوصوليين؟!

أأجيب على سؤالي هذا أم أتركه؛ فهو يجب على نفسه بذاته؟!
سأجيب: دون أدنى شك، لو أنّنا رأينا في ظهر شهر تموز الحارق أنّ في السماء لمعت وبزغت نجوم فإن عروة بن الورد سوف لن يفوز أبداً ولن ينال لقب أمير الشعراء. هذا المثال بإمكاننا أنّ نضربه أو نقيسه على رجل دعي ولقب سابقًا بأمير الشعراء بعد أن نجرده من لقب باشا ونخلع عنه الطربوش ونمنحه فقر أمل دنقل ونزج به في برنامج أمير الشعراء، لمجرد أن ينهي مشاركته سنرجع له أشياؤه الغنية ولنرى هل ستمنحه الإمارات لقبه الحقيقي الذي سرقته منه -لأكون حسن النية- تيمنت به أم لا؟!
كما أود الإشارة أيضًا إلى شيء مهم ولابد منه؛ كي أكون أكثر وضوحًا وإنصافًا: في كلّ ما سردته أعلاه وفي كلّ ما تقدم: لا يعني أن البرنامج قد خلا من شعراء حقيقيين كانوا قد فازوا أو خسروا.. على العكس تماماً، كانت هناك أصوات شعرية جميلة، في جميع دورات البرنامج.
.

*شاعر وكاتب من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى