إضاءات

“تشيك آوت” .. د. محمد عامر المارديني ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

لم أكن الشخص الوحيد المغادر للفندق الذي أقمت فيه لمدة يومين في مدينة القاهرة، فلقد كان معي في صف المغادرين نحو عشرة أشخاص من جنسيات مختلفة، منهم الأجانب، وآخرون عرب، معظمهم من دول الخليج. كان يقف أمامي في الصف رجل ضخم أشقر طويل، أوحت لي لكنته متحدثاً على جوّاله أنه أمريكي. أما ورائي فقد وقف شاب خليجي من سلطنة عمان، معروف من العمامة الشهيرة والخنجر على الخصر. لقد كان واضحاً أنني سأقف لفترة طويلة ريثما يأتي دوري، فقد كانت هناك أحاديث ونقاشات طويلة بين الواقفين عند منصّة تسليم الجوازات وبين عاملة الفندق، أخذ وردّ ممل للغاية، ثم حديث طويل على الهاتف، لم أكن أتوقع أن يحصل مثل ذلك في فندق ضخم كالذي أقمت فيه.

وأخيراً جاء دوري، فقلت لعاملة الفندق:”تشيك آوت بليز”. انتظرتُ بعد عبارتي المنمقة هذه نحو خمس دقائق حتى تنهي العاملة اتصالاً هاتفياً، متحدثةً بصوت خفيف وبكلمات مبهمة، وعلى الأغلب فهي كانت تسأل شخصاً ما عن مستهلكاتي من ثلاجة الغرفة. وهكذا، أخذت منها الموافقة على المغادرة بعد أن سددت ثمن عبوة ماء صغيرة كنت قد فتحتها فور وصولي، بسعر قارب ألفاً وخمسمائة ليرة سورية.

دفعت بعد ذلك بحقيبتيَّ المدولبتين، الكبيرة والصغيرة، وتفقدت جواز سفري وجوّالي ونقودي موزعاً إياها على جيوب عدة في ثيابي، وهممت بالمغادرة. وما أن حملت حقيبتي حتى خالجني شعور خفي داخلي بأنها أخف وزناً مما كانت عليه حين مغادرة غرفتي،ولكن لم أشأ العودة إلى الغرفة، وتكبد عناء الصعود والنزول من جديد رغم أنني شخص نسّاءً، فكثيراً ما كنت أعود من السفر ناسياً في الفندق شيئاً ما، إما بيجامتي، أو عدة الحلاقة، أو غيرها، فأنا مصنّفٌ من أولئك الأشخاص الذين يعانون عادة متاعب السفر والابتعاد عن المنزل، وكذلك من الذين يرتبكون كثيراً أثناء تبديل الغرفة والسرير والوسادة، أقصد عند نزولي في الفنادق، أي إنني وبلا فخر شخص “بيتوتي”، لكن للضرورة أحكام. طلبت من ركن خدمة النزلاء في الفندق سيارة أجرة لتبقى معي طوال النهار، ثم لتقلّني آخره إلى المطار استعداداً للعودة إلى دمشق. وهكذا، قضيت معظم نهاري أتجوّل في القاهرة، والتي سبق أن زرتها مرات عدة من قبل، وأعرف معظم معالمها السياحية، لذلك اقتصرتْ جولتي في ذلك اليوم على احتساء القهوة في خان الخليلي، ثم تناول طعام الغداء في أحد مطاعم الوجبات السريعة، وبعد ذلك المغادرة إلى المطار.

المهم، وصلت المطار مساءً، أنهيت أمور تفتيش حقائبي ووزنها، وأصبحت عند بوابة المغادرة قبل نحو أكثر من ساعتين على بداية رحلة العودة. وفي هذا الوقت المتسع نسبياً حتى يحين موعد الصعود إلى الطائرة، أردت الاستفادة من الوقت في كتابة ما يطيب لي من كلمات أو ملاحظات أو مشاهد جميلة علقت في ذاكرتي بعد انتهاء الزيارة لمصر. فتحت حقيبتي لأخرج منها ورقة وقلماً فإذا بها العجب العجاب، الله الله، إنها ليست حقيبتي!!

كاد دمي يجفّ في عروقي عندما شاهدت ما شاهدت، لكنني استطعت أن أمتص الصدمة بعد أن تذكّرت أن حقيبتي ليس فيها شيء ثمين يخشى ضياعه، أو أحزن لفقده. لقد كان فيها بضع ملابس داخلية قطنية جديدة كنت قد اشتريتها من متجر قريب من الفندق صباح هذا اليوم، وكتاب عن الجودة كنت أقرأ منه بين حين وآخر، وبعض علب البسكويت والشوكولا، إضافة إلى درع تذكاري ثقيل الوزن نسبياً كنت قد حزته في حفل التكريم بعد انتهاء أعمال المؤتمر الذي كنت أحضره. أما تلك الحقيبة الغريبة التي بحوزتي الآن فقد كان فيها بعض الملابس الرياضية الخفيفة، ورواية The Da Vinci Code للروائي الأمريكي Dan Brown، إضافة إلى شاحن هاتف محمول مع محفظة صغيرة ممتلئة ببطاقات الكترونية مختلفة، على بعضها صور فوتوغرافية لرجل أشقر الشعر، تبين لي على الفور أنها لذلك الأمريكي الذي كان يقف أمامي في الفندق أثناء عملية “التشيك آوت”، وأن خطأ ما قد حصل باستبدال الحقائب فيما بيننا.

حزنت ربما أكثر لأجل ذلك الشخص الأمريكي، فضياع المحفظة والأوراق الثبوتية أمر مربك للغاية، وقد يستغرق إعداد ثبوتيات جديدة وقتاً طويلاً ريثما يستعيد الشخص توازنه من جديد. أعدت البحث مجدداً في جيوب الحقيبة، وهنا كانت المفاجأة الصاعقة، رزمة سميكة جداً من فئة المئة دولار، يظهر عليها أنها مزورة، وكيس صغير من النايلون الأسود فيه لفافة “راتنجية” بدت وكأنها من الحشيش.

ارتعدت فرائصي لرؤية منظر لفافة الحشيش والنقود، واستغربت كيف مرت هذه الموجودات على الماسح الالكتروني دون أن يوقفني أحد، والحقيقة أنني لم أعرف ماذا أفعل. فكرت أن آخذ الحقيبة إلى الحمامات، وأتركها هناك وأمشي، كما كنت أشاهد في الأفلام البوليسية، لكن قلت في نفسي إن هذا اقتراح مرفوض، وغير ممكن على الإطلاق، فالمطار مجهّز بكاميرات تستطيع كشف حتى مواقع النمل القابع في مخابئه، وقد أوقع نفسي بذلك في جريمة ليس لي يد فيها، لذلك لا مناص إلا في التواصل مع أمن المطار، ولا سبيل آخر غير ذلك، فالأمن هو الجهة الوحيدة التي تستطيع إيجاد الحل المناسب. أما أنا فلماذا أخاف؟، إنني في كل الأحوال بريء من أي تهمة أو حتى شبهة، ولذلك فلا خوف من أي شيء.

وصلت غرفة أمن المطار، وأفصحت على الفور لشخص جالس برتبة نقيب عن المشكلة التي وقعتُ فيها. حادثْته مرتبكاً نوعاً ما، وبلهجتي السورية، لكنه كان لا يفهمني، ويطلب مني أن أكرر كلامي مرتين أو ثلاثاً حتى يفهم ما قد حصل معي، ولكنه-مع الأسف- لم يفهم. اضطررت بعد ذلك أن أهجِّن نوعاً ما من لهجتي السورية ببعض كلمات باللهجة المصرية، التي سبق وأن تعلَّمناها جميعاً كسوريين من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. كنت أضحك في نفسي وأنا أتكلم هذا الخليط الغريب، متذكراً ممثَّلاً سورياً كان اسمه -على ما أذكر- نبيل خزام في مشهد تلفزيوني يتحدث فيه مع الممثلة صباح جزائري باللهجة المصرية المدجّنة بالسورية. رمقني ذلك النقيب، بعد حديثي المهجّن، بنظرة غريبة لا تنبئ عن انفراج قريب، قائلاً لي:

“إنتا حتدْخل دلوقتي مكتب مدير الأمن، وتشرحْلو إزّاي الشنطة دي وصلتْ لإيدك”. بلعت ريقي من طريقة كلامه التي أوحتْ ببعض شكوكه نحوي، وكأنه لم يصدّق شيئاً مما قلت، لكنني حاولت جاهداً ألا أظهر له أنني مرتبك. نادى النقيب بصوت عالٍ على شخص برتبة ملازم، اسمه صلاح، كان يجلس في كواليس غرف أمن المطار. جاء الملازم صلاح ليقف أمام النقيب بكامل الاستعداد. قال له النقيب: “خد الأفندي ده – مشيراً إلي بقلم كان بين أصابعه- وودّيه لعند الباشا الكبير، قلتلك إيه؟، لعند الباشا سيادة اللوا مدحت، فوراً، لا يمين، ولا شمال، لا ميّه، ولا حمّام، مفهوم يا بني؟”. ولمجرد أن قال له “لا ميّه ولا حمّام” أحسست بمغص شديد في بطني، ترافق مع قرقرة دارت في أمعائي، تشبه كثيراً ما يحصل عادة عند بداية الإسهال الحاد. كنت أسمع في هذه الأثناء أصواتاً عالية آتية من غرفة مجاورة، لغات ولهجات إفريقية، وأحياناً عربية، ربما سودانية أو ليبية، وأحياناً أخرى لغات فرنسية إفريقية أو ما شابه.

على كل، تحاملت على نفسي، مظْهراً عدم فهمي تلك اللهجة الأمنية للنقيب، فقمت عن الكرسي ليقترب مني الملازم صلاح و”يأنكجني” كما “يؤنكج”الحبيب حبيبته، لكن بشيء من العنف. تجاهلت تلك الطريقة في الاصطحاب معتبراً إياها إعادة استذكار لأيام الودّ التي عاشها أفراد شعب واحد في إقليمين، شمالي وجنوبي.

وهكذا، ذهبنا سوية شبه مهرولين، إلى أن وصلنا القاعة المؤدية لغرفة الباشا، اللواء مدحت. وفي هذه القاعة كان قد تجمّع بعض الضباط وأفراد الشرطة، كما كان هناك العديد من أجانب العالم الثالث والرابع والخامس، بعضهم كان مفترشاً الأرض الوسخة يغط ُّ في نوم عميق، ومنهم من كان يصلي جماعة على جرائد ممددة، وآخرون قد اجتمعوا عند شرطي قصير القامة حاملين جوازات سفرهم يطلبون منه شيئاً ما، وآخرون جالسون على مقاعدهم كالأصنام مكفهرّة وجوههم، أحوال لا تبعث على الطمأنينة أبداً. نادى الملازم صلاح بعضاً من زملائه المتجمّعين أمام غرفة اللواء ممازحاً، وهو يسحبني من مرفقي من دون أن ينظر إليّ قائلاً لهم:”إيه يا جماعة، ما تعملولكو همة، خمسة وأجيلكو، بس أخلّص من الأفندي ده (وهو يشير إليَّ برأسه)”. لم يجب أحد من هؤلاء الزملاء على ملازمي بأي كلمة، فتابعنا سيرنا حتى وصلنا غرفة اللواء مدحت. قرع الملازم صلاح الباب، ثم دخل ووقف كالسارية بكامل الاحترام أمام سيادة اللواء قائلاً له: “تحت أمر سيادتك يا باشا، الشخص ده (وهو يشير إلي) بيقول إنّو معاه شنطة أخدها من واحد أجنبي”. يرد عليه اللواء مدحت وهو جالس لا ينظر إلينا يقرأ شيئاً من دفتر صغير بيده قائلاً:”مافهمتش يا بني، إيه يعني، هو سارئها؟”. يرد عليه الملازم صلاح :”والله معرفش يا باشا، بس سيادة النقيب جلال بيقول لسيادتك إنّو لازم سيادتك يا باشا يلي تحقق معاه، الموضوع فيه إنّ” (واقترب منه يُسِرُّ في إذنه بضع كلمات فهمت منها إيحاءات بوجود دولارات مزيفة وحشيش).

جفَّ حلقي تماماً حتى كدت أختنق بعد أن قرأت ما دار بين الباشا سيادة اللواء مدحت والملازم صلاح، ما يلمِّح إلى عملية تحقيق معقدة في قضية جنائية ليس لي يد فيها، وربما ستطول كثيراً. استدركت الحوار فوراً قائلاً بلهجة مصرية:”إيه يا سيادة اللوا، سارء إيه، إذا سمحت، الشنطة دي مش بتاعتي، دي بتاعت حد تاني أخد شنطتي بالغلط”.

نجحت بعض كلماتي باللهجة المصرية في إقناع سيادة اللواء بأنني ربما أكون مصري المنشأ، فقال لي على الفور:”اسكت دلوقتي، واترزع في مكانك”.عدت فقلت له بلغة فصيحة، بعد أن فشلت لهجتي المصرية في إقناعه بعدم علاقتي بالجريمة المفترضة: يا باشا، يا سيادة اللواء، أنا مواطن سوري، أنا كنت قد أتيت إلى مصر منذ بضعة أيام لحضور مؤتمر علمي، وأنا اليوم مغادر عائداً إلى بلدي، والحقيبة التي تحدث عنها سيادة الملازم هي ليست حقيبتي، هي على الأغلب لشخص ما قد أخذ حقيبتي بالخطأ عندما خرجنا سوية من الفندق، وأنا أخذت بدلاً منها هذه الحقيبة التي بين أيديكم. قال لي اللواء مدحت وكأنه مشكك في روايتي :”يعني عاوز تفهمني إنها مش بتاعتك، ولا إنت يلي سارئها؟”. قلت له: الله وكيلك الحقيبة ليست لي، ومعاذ الله أن أكون سارقها. يا سيادة اللواء، أنا شخص محترم في بلدي، ومحترم كذلك في بلدكم، وهناك بالتأكيد خطأ ما قد حصل، شخص ما قد أخذ حقيبتي، وأنا أخذت حقيبته، هذا كل ما في الأمر. قال لي اللواء وهو يتأفف: “يعني وما عرفتش بالحدوتة دي إلا هنا؟، في المطار؟، ولا قلت في نفسك، يعني نشوف أول إيه يلي فيها، وبعديها نقرر، ناخدها ولا نسيبها، أو نوزعها؟”. قلت له:لا حول ولا قوة إلا بالله، أرجوك يا سيادة اللواء فأنا مسافر بعد نحو ساعة، والطائرة السورية قد لا تأتي إلا مرة واحدة في الأسبوع، أرجوك لا تؤخّرني، فأنا لو كنت عديم الأخلاق لرميتها في الشارع، وكنت سأنتهي من هذه المشكلة. قال لي:”طبعاً الحلول دي طلعت معاك بعد ما قبضنا عليك متلبس، على كل إحنا حنتأكد من كل يلي قلتو، ويمكن أنت فتشت فيها، وأخدت يلي انت عاوزه منها، وجاي تقول لنا خدوها”. قلت له متلعثماً:طيب، هناك رقم هاتف على إحدى البطاقات الالكترونية في المحفظة داخل الحقيبة، لماذا لا تتصلون بهذا الرقم؟، فربما يتبين لكم شيء ما من خلال هذا الاتصال. قال لي: “علمني بقه، إيه يلي لازم يتعمل، وإيه يلي لازم ما يتعملش”. قلت له معاذ الله أن أعلِّمكم يا سيادة اللواء، لكنني كنت أقترح فقط. قال لي:”متخلّي مقترحاتك دي في دماغك يا بني، إحنا عارفين تمام إيه يلي لازم يتعمل”.

فتح اللواء مدحت حافظة النقود الخاصة بالشخص الأمريكي المفترض وأخذ يقلّبها بهدوء، ثم قال لي:”فين الرقم ده يلي كنت بتتكلم عليه”. اقتربت من الطاولة إلى أن أصبحت عن يمينه، ثم قلت له: هاك هو الرقم. استل اللواء ورقة صغيرة من أحد أدراج المكتب وأخذ يسجل الرقم ببطء شديد، وكان بين الفينة والأخرى ينير ضوء هاتفه المحمول ليستوضح بعض الأرقام المكتوبة. تنهّد قليلاً بعد أن انتهى من تسجيل الأرقام ثم قال لي:”بس يا خسارة، مفيش إمكانية للاتصال الخارجي من عندي”. قلت له على الفور:لا عليك فلدي هذه الميزة في هاتفي المحمول، يمكنك الاتصال منه، قال لي:”نجرب، وأمرنا لله”. أخذ مني هاتفي، وبدأ يضغط فيه تلك الأرقام المسجلة على الورقة الصغيرة، ثم هزّ رأسه بالنفي، بعد أن انتظر بضع ثوان، مشيراً إليّ بأن الرقم المطلوب خارج التغطية، أو خارج الخدمة. أصابتني خيبة أمل كبيرة، فرجوته أن يجرّب مرة ثانية. عاد اللواء فاتصل ثانية، لكن لا مجيب. قلت له مرة أخرى، والكلام يرجف في فمي: يا سيادة اللواء أرجوك أن تكرر الاتصال مرة جديدة. وما هي إلا لحظات حتى سمعت اللواء يتحدث الإنكليزية في الهاتف مع شخص ما، كانت انكليزية بلهجة مصرية لطيفة لا تقبل الأحرف الساكنة. كنت أنظر إلى وجه اللواء بترقّب بالغ لأستقرئ منه بعض ما يطمئني، لكن وجهه كان كوجه لاعبي البوكر، لا تقرأ منه شيئاً.

وأخيراً انتهت المكالمة، وأنا أنتظر بفارغ الصبر ما سيقوله لي اللواء، فإذا به يقول للملازم صلاح:”خود الأفندي ده لغرفة النقيب جلال وقولّو”، ثم همس بإذنه بضع كلمات غير مفهومة. بعد ذلك قال له: “بس أوعى يهرب منك، يقولك وديني التواليت، ولا عاوز أصلي، يقوم يهرب”. كادت ضربات قلبي تتوقف رعباً بعد سماع جملته الأخيرة، “أوعى يهرب منك”، فماذا قد دار من كلام على الهاتف مع ذلك الشخص الأمريكي المفترض، وماذا همس اللواء مدحت في أذن الملازم صلاح، أحجيات معقدة الحل.

استدركت الحديث قبل أن يسحبني الملازم صلاح قائلاً: سيادة اللواء، يا سيادة اللواء، لماذا لا تتصلون بالفندق؟، لعل ذلك الشخص الأمريكي قد أخبرهم بشيء ما؟

قال لي: “مع السلامة دلوقتي، إحنا حنتصل ونعرف الموضوع، اسمو إيه الأوتيل يلي كنت نازل فيه؟”. قلت له:”هيلتون” قال لي :”ماشي يا ابني، إحنا حنتصل ونخبّرك، بس أنتا تروح دلوقتي لغرفة النقيب جلال وهناك حتعرف كل حاجة”.

عاد الملازم صلاح ليؤنكجني من جديد ويسحبني خارجاً. نظرت إلى ساعة المطار فإذا بها تقترب بنحو نصف ساعة من موعد إقلاع الطائرة إلى دمشق، قلت للملازم صلاح وأنا في أشد الإحباط والغضب معاً: أرجوك يا سيادة الملازم، ستغادر طائرتي بعد نصف ساعة، ولن أستطيع السفر إلا بعد أسبوع. لقد كان واضحاً أن حديثي لا يهم الملازم صلاح أبداً، أو إنه لا يعنيه على الإطلاق، حيث كان بيده الأخرى هاتفه المحمول يقلّب فيه مجموعة من الرسائل القصيرة، وبدا كأنني كنت أتحدث مع الجن أو العفاريت.

وصلنا من جديد إلى غرفة النقيب، نقرَ الملازم صلاح على الباب، ثم فتح الباب من دون أن ينتظر سماع كلمة أدخل، فإذا بالنقيب جلال مسترخٍ تماماً على أريكة جلدية بالقرب من فتاة شابة فائقة الجمال، رشيقة، بيضاء البشرة، ترتدي قميصاً شفافاً أظهر بعضاً من معالم جسمها الطويل النحيل، وتنورة سوداء قصيرة تكشف عن كامل ركبتيها. كانت تتظاهر بأنها تبكي بحرقة، والنقيب يربت على كتفها مواسياً. نظر إلينا النقيب جلال مستهجناً طريقة دخولنا البشعة دونما استئذان، ثم قال لنا بوجه يتقطّر غضباً: “اطلعوا بره يا ولاد الإيه”، ثم لجم لسانه مكرهاً عن متابعة الشتائم بوجود تلك الفتاة البائسة. لقد كان واضحاً أننا عكّرنا عليه بدخولنا الهمجي صفو جلسته وهو يواسي شابة مسكينة حلوة، كاد الحزن يقضي عليها. خرجنا مسرعين، الملازم صلاح وأنا، مغلقين الباب خلفنا، ثم انتظرنا نحو ربع ساعة وقوفاً. بدأ القلق في هذه الأثناء يقتلني، فقد أقلعت الطائرة غير آبهة بما حصل لي، إضافة إلى أن حقيبتي الكبيرة قد سافرت معها. مع ذلك حاولت مقاومة هذا القلق بإيماني المطلق بأن ما يقدّره الله هو الخير دائماً، لذلك حاولت البدء بعملية استرخاء بعد أن انتهى كل شيء في قضية سفري، وما عليّ الآن إلا التفكير بما هو قادم من مفاجآت، والتخطيط للخلاص من مشكلة الحقيبة التي ألمّت بي، وللتهيئة من جديد لطريقة أعود بها إلى الوطن سالماً.

وبينما أنا واقف مع الملازم صلاح أمام الباب بانتظار انتهاء مواساة النقيب جلال للشابة الحزينة لمحت من بعيد شخصاً يشبه ذلك الأمريكي الذي كان معي بالفندق، والذي أعتقد أنه هو من تبادلت معه الحقائب، فما كان مني إلا أن صرخت عالياً منادياً إياه، صرخة دوّت في أركان صالة المطار، فينتبه إليَّ كل من كان فيها، بمن فيهم ذلك الشخص الذي اشتبهت به. صرخت منادياً:”Hey.. .Hey my friend.. could you come here please!!”. التفت إليّ ذلك الشخص مستغرباً مناداتي إليه بهذه الطريقة “السوقهالية”، فأشار إلى نفسه بإصبعه وكأنه يسألني فيما إذا كان هو المنادى. أشرت إليه قائلاً:”Yes please”. اقترب مني، ثم أخذ يتحدث معي بلهجته الأمريكية نفسها التي سمعتها في الفندق عندما كنا ننوي المغادرة، متسائلاً عن سبب صراخي ومناداتي له، فتأكدت بعد أن استرسل في الكلام أنه هو الشخص بعينه الذي كان معي في الفندق. نعم، إنه هو الشخص الذي أبحث عنه. لكن الغريب في الأمر أنه لم يتذكر وجهي أبداً، كما لم يسترعِ انتباهه وجودي واقفاً أمام قسم أمن المطار، كما لم يبدُ عليه أي تأثر لضياع حقيبته، ما أثار شكوكي قليلاً في أن يكون هو نفسه الشخص المطلوب. لكنني تأكدت بعد لحظات أنه هو الشخص الذي تبادلت وإياه الحقيبة. فرحت كثيراً بكونه الآن معي في قسم الأمن بالرغم من تنصله من معرفتي، ما جعلني أتفاءل بأن انفراجاً ما قد يلوح في الأفق. قلت له :”Do you remember me” ؟.قاطعني الملازم صلاح قائلاً: “إيه يا حبيبي؟، إيه يلي بتعملو؟، هيا الدنيا سايبة ولا إيه؟، مين سمحلك تتكلم معاه؟”. قلت له: الله يخلّيك يا ملازم صلاح، هذا الشخص هو مفتاح براءتي من هذه التهمة المقيتة، خذه وحقق معه وستعرف منه كل شيء.

دخل ذلك الرجل الأمريكي على الخط عندما سمع كلمة حقق معه، فتحدث إليّ غاضباً بلهجة لبنانية قائلا: “شو يا أفندي؟، شو حقق معو، ما حقق معو؟، وأنتا أصلاً مين؟، وكيف بتناديني؟، وشو عرّفك فيني؟”. دهشت أيّما دهشة وأنا أراه يتحدث العربية اللبنانية، فكلُّ ظني أنه أمريكي، لكن ذلك لم يقلّل من فرحتي بوجوده معنا. قلت له:”لا تواخذني يا أستاذ، فكّرت إنّك أميركي”. قال لي: “وهلّق شو طلع معك؟”. قلت له : “بس الله يخلّيك أنا واقع بمشكلة، والأمور مختلطة عليّ، يمكن أنا وياك تبادلنا الشناتي بالأوتيل بالخطأ، والبوليس ما عم يصدّق روايتي، محفظتك ووراقك الثبوتية يلي كانت بالشنطة موجودة معهم حالياً”. قال لي بوجه غاضب:”بربك؟، ولا عم تمزح؟، بتناديني من بعيد، وبتعطّلني عن سفري، وبعدين بتخترع قصة شناتي ووراق ثبوتية وبطيخ. يا عمي، انتبه تاني مرة وحاج تتبلى ع الناس”.غمزه الملازم صلاح لأن يذهب في طريقه مشيراً بيده على رأسي وكأنني شخص مجنون، ثم قال لي الملازم:”كفاية تهريج، كفاية تعلّق الناس الطيبين بجريمتك، لبساك يعني لبساك”.

دبّ الحزن في قلبي من جديد، فلقد كنت منتظراً فرجاً من الله على يد ذلك الأمريكي المفترض يزيح عني هذا الهم، لكن آمالي قد تبخرت مع مغادرته الصالة.

دخلنا من جديد مكتب النقيب جلال بعد أن خرجت منه تلك الحزينة ليقترب منه الملازم صلاح ويسرّ في أذنه ما قال له اللواء مدحت. قال النقيب جلال وهو يتقصّد أن يسمعني ماذا سيقول:”طيب، خدوه ونزلوه النظارة لحد بكرا، وبكرا تاخدوه القاهرة يستلمو الأمن العام”.

عاد ذلك المغص الحاد يقطع أمعائي لشدة الخوف. يا رب، ما هذه المصيبة التي ألمت بي، نظارة، وأمن عام، والقاهرة، يا ويلتاه.

استسلمت أخيراً لقدري المكتوب قائلاً للملازم صلاح بعد أن أسقط بيدي، وبلهجة مصرية صرفة:”يلا بينا يا صلاح، وديني النظارة وخلّصني ، ربنا يهديك، أنا عاوز أنام”. ضحك الملازم صلاح قائلاً:”نوم العوافي يا فندم، نوم إيه يلي بتتكلم عليه، البق والفار مش حيخليك تغمض عينيك” ثم أخذ يقهقه. ابتسمت مقهوراً من دون أن أنبس ببنت شفة.

عاد الملازم صلاح “ليعبطني” من جديد، ثم غادرنا الغرفة متوجهين إلى النظارة. مشينا نحو ربع ساعة وكأننا نتجول في أركان المطار. كنّا نصعد تارة على الدرج، وتارة أخرى نهبط درجاً آخر، مرّة نمشي إلى اليمين، ومرّة ثانية إلى اليسار، وبين كل دقيقة وأخرى كنت أرى الملازم صلاح ينظر في ساعته، ثم يتحدث عبر الهاتف اللاسلكي ببعض العبارات التي لم تفهمني شيئاً مثل: “حاضر يافندم، أمرك يا باشا، إن شاء الله”، وهكذا، إلى أن وصلنا ممراً اصطناعياً كالذي يوصلنا عادة إلى باب الطائرة. استغربت مثل هذا الطريق المفترض كيف سيوصلنا إلى النظارة فقلت للملازم صلاح باللهجة المصرية: “إيه يلي مودينا الحتة دي يا صلاح”.دفعني الملازم صلاح إلى الحائط بعد أن نظر يميناً ثم شمالاً وكأنه يتأكد أن لا أحد يرانا، ثم قال لي: “شوف يا فندم، هنا ما فيش كاميرات ولا أمن، ولا أي حاجه، إيه رأيك تديني ميتين دولار، وانا أهربك بره المطار”. بلعت ريقي لشدة خوفي من اقتراح كهذا. فكّرت للحظة فيما قاله لي، ثم ما كان مني إلا أن استهجنت الفكرة قائلاً له:”وديني النظارة يا صلاح، لا ميتين دولار ولا مال الدنيا، إيه الفكرة الشيطانية يلي بتقولهالي، انت عاوز توديني حبل المشنقة”. ضحك الملازم صلاح قائلاً لي: “زي ما تحب، أنا حبيت أخدم يا باشا” ثم عاد ليسحبني من مرفقي في طريقنا إلى النظارة.

استغربت من جديد ذلك الطريق الذي عاد ليسلكه الملازم صلاح، فقد دخلنا أحد الممرات الموصلة إلى باب إحدى الطائرات إلى أن وصلنا فعلاً باب طائرة مغلق فتوقفنا عنده.

قلت للملازم صلاح:”إيه الحكاية يا صلاح، أبوس إيدك إحنا فين”. أفكار شتى دارت في رأسي خلال لحظات التوقف عند باب الطائرة، صرت أسأل نفسي هل هي عملية اختطاف؟، أم لعلها تجارة أعضاء؟، أم جريمة تهريب مخدرات يريدون إلصاقها بي؟، أم ماذا؟ أسئلة وشكوك كادت تطيح بي.

وبينما أنا واقف مطأطئ الرأس، محطّم عناءً وقهراً، أفكر بالقادمات من الأحداث، إذ بباب الطائرة ينفتح عن شابة رشيقة جميلة، ويا لعجبي، لقد كانت هي الفتاة نفسها التي شاهدتها تبكي في مكتب النقيب جلال، أقبلت عليّ والابتسامة بعرض وجهها لتظهر لي أسنانها كاللؤلؤ المنضود، ومن ورائها وقف رجل يحمل على كتفه آلة تصوير “كاميرامان” يصور أحداث اللقاء. قالت لي بغنج بالغ:”هاي مسيو، معك الكاميرا الخفية، برنامج “غصّة ومغصة” من تلفزيون TEL 7AS TZ بلبنان، أهلا وسهلا فيك بحلقتنا يلّي بدّا تنعردْ برامادان الجايه، وبهل مناسبة في إلك هدية من فريق الإعداد، وهي دعوة لبيروت لمدة تلتيّام، بتنام عنا وبتنبست كتير إنتا والمادام”.

وفجأة رأيت ذلك اللبناني “المؤمرك” الذي استبدلت معه الحقائب في الفندق يخرج من خلف الكواليس ليسلمني الدعوة قائلاً لي: “مبروك ماي فريند، انجوي يور فيزيت تو بايروت”.

بعد ذلك خرج من باب الطائرة إلى الممر جميع من شارك في هذه الحلقة من برنامج “غصة ومغصة” وهم يصفقون بحرارة، حتى إن بعضهم كاد ينهمر دمعه لشدة ضحكه واستمتاعه بهذا المقلب.عانقني الأشقاء المصريون المزيفون، سيادة الباشا اللواء مدحت والنقيب جلال والملازم صلاح، وهم يتأسفون بشدة على ما بدر منهم من “غلاسة” أثناء تمثيلهم الأدوار المطلوبة، وكذلك قام كابتن ومساعدو ومضيفات وركاب الطائرة بالتصفيق الحاد والتهنئة الحميمية احتفاءً “بخوزقتي” في أحد مقالب الكاميرا الخفية اللبنانية.

وما هي إلا لحظات حتى عاد لي المغص والإسهال لتضيع مني لحظات الفرح بانتهاء هذا المقلب من دون حدوث جلطة أو أزمة قلبية. استأذنت الجميع للانسحاب سريعاً إلى “التواليت”، لكن ليس قبل أن تناديني تلك الحسناء، وتقدم لي باقة ورد رائعة، ثم لتطبع على خدي قبلة خفيفة قائلة لي: “تعيش وتاكل غيرها”. قلت لها: “البوسة؟”. قالت لي: لا، الكاميرا الخفية مسيو ..

*قـاص سـوري 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق