العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

ترفض صورة المرأة في “البيئة الشامية” سلمى اللحام: الاستعمار العثماني ظلم وقمع المرأة والرجل على حد سواء

كتاباتها ومجموعاتها القصصية نالت استحسان وإعجاب كبار أدباء عصرها

|| Midline-news || – الوسط …
.
إعداد وحوار: روعة يونس

 

أمام أديبة كبيرة ورائدة من رائدات الثقافة السورية. نحار من أين نبدأ، فالحوار مع السيدة الحسناء الأديبة سلمى اللحام، هو استحضار لتاريخ امتد لنصف قرن. كانت خلاله إحدى رائدات الحركة الثقافية وقدمت خلال تجربتها الطويلة الثرية مع الحرف، العديد من المجموعات القصصية والمقالات والكتابات التي نُشرت في العديد من المطبوعات. والتقت بكبار أدباء عصرها في مصر وسورية ولبنان وفلسطين. ما ساهم في تعزيز ثقافتها وأدبها وكتابتها، وصولاً إلى تقديمها العديد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، أهمها “ليالي الصالحية” و “جرن الجاويش”.
إلى جانب دورها الثقافي، كانت سلمى اللحام حاضرة بثقلها الأدبي والإنساني والعملي في الاتحاد النسائي، سواء في قسم الشؤون الاجتماعية أو لجنة رعاية أسر الشهداء. فقدمت إسهاماتها الكبيرة على صعيد الثقافة والمجتمع، وكذلك الأسرة، إذ أعطت للحياة ثلاثة أنجال كرام أكفاء، كل منهم ينطلق في خدمة مجتمعه من خلال موقعه وعمله.

مطالعة وكتابة مبكرة
لا شك تحبين مثلنا استعادة الذكريات، فحبذا لو نذكّر الأجيال الشابة، ببداياتك مع الكتابة؟
  • الحقيقة بدأت الكتابة في سن مبكرة، كنت في الثانية عشر من عمري عندما كتبت أبيات من الشعر الشعبي متأثرة بوالدي الشاعر الشعبي. وأرسلتها إلى برنامج الأطفال في الإذاعة السورية، وكان المشرف على البرنامج الشاعر الفلسطيني “أبو سلمى” فأعجبه ما أرسلته وشجعني على الاستمرار ناصحاً لي بقراءة الشعر وكتب الأدب. فكتبت بعدها الخاطرة الأدبية الرومانسية في سن المراهقة ثم مقالات قصيرة، قرأتها صديقة لي وأعجبت بها، وعرضت علي أن أنشرها في مجلة “الدنيا” لصاحبها ورئيس تحريرها -الراحل- عبدالغني العطري، حيث كان يمت لها بصلة قرابة. فاختار بعض الخواطر ونشرها لي تباعاً، كما نشر لي يعض المقالات وزودني بنصائح مؤكداً علي بمزيد من المطالعة.


ارتباط الصحافة والثقافة
هذا يرشدنا إلى كيفية تعارفك مع شيخ الصحافيين الأستاذ الراحل عبدالغني العطري. والذي أصبح فيما بعد زوجك! هل ثمة قصة ما مرتبطة بتلك الذكرى؟
  • صحيح، فبعد زيارتي له في مجلة “الدنيا” قال لي إنه أعجب بي وأحبني منذ اللقاء الأول وأنني كنت أجسد فتاة أحلامه والمواصفات التي كان يريدها فيمن سيختارها شريكة لحياته. فتقدم لي ووافق والدي الذي كان معجباً به وقارئاً لمجلته. ووافق مشترطاً عليه إكمال دراستي.
عذراً، يبدو أن ذلك الزواج حقق لك نقلة نوعية. فقد كان زوجك الراحل أديباً وصحفياً لامعاً وتربطه مع أدباء عرب علاقات وثيقة؟
  •   لاشك.. كان زواجي من الأستاذ عبد الغني عطري -رحمه الله- نقلة نوعية فكونه صاحب أهم مجلة في سورية كان دائم الاجتماع واللقاء مع كبار أصحاب الصحف والأدباء. فمن أصدقائه في مصر توفيق الحكيم ومحمود تيمور، الذي أهداني جميع كتبه. وفي سورية عرّفني على رائدة القصة القصيرة الأديبة وداد سكاكيني وزوجها الشاعر د.زكي المحاسني وغيرهم من أدباء وشعراء وكتاب استفدت من خبراتهم ونتاجهم الأدبي.

 

ثورة الحجارة
هل كانت تلك المرحلة هي شرارة انطلاقك إلى عالم القصة القصيرة؟
  • نعم، حينها رأيت نفسي مندفعة لكتابة القصة القصيرة. فكتبت ونشرت في مجلة “الأديب” اللبنانية وفي مجلة “المرأة العربية” وفي مجلة “الدنيا” وأذيعت بعض قصصي في الإذاعتين السورية و الشرق الأدنى في لبنان. إلى أن طرحت مجموعتي القصصية الأولى “أعواد الثقاب” ومعظم قصصها تدور حول القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني. ثم مجموعتي القصصية الثانية “الانتظار” عن اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين. ثم صدر لي كتاب سياسي عن الإدارة السياسية السورية بعنوان “ثورة الحجارة لماذا وإلى أين” ونال نجاحاً كبيراً، حيث كان الكتاب الأول الذي خصصت له الإذاعة السورية برنامجاً يومياً لقراءة فقرات منه، وكتبت عنه وسائل الإعلام بإسهاب.
مسلسلات تلفزيونية
كتبت العديد من المسلسلات الإذاعية، إنما ما هي ظروف إنجازك مسلسلات تلفزيونية تخص البيئة الشامية؟
  • حين أرسلت مسلسل “حي الصالحية” إلى الإذاعة. أعجب المعنيون به، وكان هناك وفد سيذهب إلى القاهرة يضم كتّاب ومخرجين وفنانين وإعلاميين بهدف تقديم الانتاج السوري من مسلسلات وبرامج. وتمنوا لو أن “حي الصالحية” كان جاهزاً ليرسل إلى القاهرة. وبالفعل تعهد المخرج  محمد عنقا بإخراجه وتجهيزه كلياً، إلى أن سافر المسلسل وحصد الجائزة الذهبية فيما بعد. لكن ما أسعدني أكثر من الجائزة، ما قاله الكاتب الكبير أسامه أنور عكاشة للصحافية هيام منور في لقائها معه. حيث أشاد بالمسلسل وعبّر عن إعجابه به. بعدها حوّل المخرج بسام الملا المسلسل إلى مسلسل تلفزيوني “ليالي الصالحية” ولاقى نجاحاً كبيراً. وكان أن قدمنا جزء ثان من العمل لكنه عرض تحت اسم “جرن الجاويش” لأسباب خارجة عن إرادتي!
ألستِ مستاءة من طروحات مسلسلات البيئة والحارة الشامية؟ التي يتردد الكثير عن كونها تكرّس نماذج للمرأة متخلفة وجاهلة، ونماذج للرجل قاسية وفظة؟
  • هذه ليست مسلسلات تعبر عن أهل الشام، فالرجل وإن كان شديد الغيرة لكنه بعيد عن القسوة والعنف مع زوجته ولا يتدخل في شؤونها المنزلية الخاصة لأنه يعتبر المنزل مملكتها. وفي سورية كلها يُعاب الرجل الذي يقدم على ضرب زوجته. أما الأدعية والشتائم التي تتلفظ بها النساء في بعض المسلسلات فهي بعيدة عن الواقع، لأن المرأة السورية تشتهر بالتهذيب وحلو الحديث والبعد عن الكلمات السوقية النابية. ومن الظلم أن يختزل دور المرأة الشامية في بعض هذه المسلسلات بكونها منجبة للأطفال وطاهية. ويتم تجريدها من التفكير والإحساس والكبرياء! لهذا عمدت في أعمالي إلى تصحيح ما جاء في مسلسلات البيئة الشامية من حوارات وألفاظ وعادات مسيئة ومبالغ بها. مع ملاحظة أن هناك ظلم وجهل وغبن وقع على المرأة، لكنه أيضاً وقع على الرجل جراء الاحتلال العثماني وحكمه الظالم والقامع للرجل والمرأة على حد سواء.

الأم الحنون
كنتِ في فترة تألقك الكتاب، أماً. كيف تمكّنت سلمى اللحام في زحمة تلك الإنتاجات والعطاءات الأدبية، أن تنشئ ثلاثة أبناء قدّمتهم للمجتمع في كامل اللياقة الوطنية والأخلاقية، فأنتِ أم لدكتور في العلوم السياسية والاجتماعية الإنسانية. ومحام شهير وشاعر جميل أيضاً، وصناعي ناجح يجوب العالم؟
  • الأمومة حنان وعطاء وتضحية ومحبة وسمو بالمشاعر. وكل هذه الصفات روافد تغذي وتقوي وتلهم وتعمق التفكير وتعطي المزيد من القدرات للنفس الإنسانية وأبنائي الثلاثة أجمل وأغلى ما في الوجود. وعندما زرت روسيا كانت نائبة رئيسة الاتحاد النسائي هناك تقدمني كأم لثلاثة أبناء أقوم برعايتهم، وليس فقط كأديبة أو كاتبة ورئيسة قسم الشؤون الاجتماعية ولجنة رعاية أسر الشهداء (أفخر أنهم كانوا مصدر إلهامي. وكنت موضع اعتزاز وفخر لهم ولأحفادي).

رائدات القرن العشرين
الحوار معك، هو استحضار لتاريخ امتد لنصف قرن. هل يمكن أن تعيديننا إلى القرن الماضي، لتخبريننا كيف بدأت الحركة الثقافية النسوية؟
  • قامت المرأة بدور نضالي الى جانب الرجل قبل أن تكون رائدة في حقل الثقافة والأدب. فقد دخلت المرأة في مجال الكتابة والإعلام والنشر في سورية من خلال مريانا المراشي أول سيدة عربية تنشر مقالاً صحفياً في جريدة “الجنان” وبعدها جاءت وردة اليازجي ثم ماري عجمي التي أسست مجلة “العروس” وكذلك النادي النسائي وجمعية “نور الفيحاء” ومن مؤلفاتها وترجماتها “دوحة الذكرى” و”المجدلية الحسناء” و”مجد الغايات” ونالت على إنتاجها عدة جوائز. وهناك نازك العابد التي حملت السلاح وحاربت الفرنسيين وتعلمت التمريض والإسعاف. فحاربت وعالجت وأسست جمعية ومجلة “نور الفيحاء” وكتبت في (لسان العرب، والعروس، والحارس) وكرست جمعيتها للمساعدة. كما استكتبت النساء في دمشق. وكانت العابد تقود مظاهرات نسائية ضد الفرنسيين وهي أول من نزع الحجاب في سورية. أما الكاتبة نجاح الساعاتي من حمص فتعتبر أول صيدلانية في الوطن العربي وأول من حصلت على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد السياسي وأسست مع زوجها دار نشر “الجماهير الشعبية” فضلاً عن العديد من السيدات الرائدات سواء بنضالهن أو ثقافتهن أمثال السيدة عادلة الجزائري والسيدة ثرية الحافظ والسيدة سنية الأيوبي، وغيرهن.

أديبات زميلات
وبعد الاستقلال، من استلم الراية؟
  • بعد الاستقلال نشطت المرأة أكثر، وتجلى إبداعها الثقافي، وانطلقت جمعيات نسائية وأدبية عديدة. وظهرت أديبات لامعات أمثال قمر كيلاني وسهام ترجمان وغادة السمان و د.ناديا خوست وكوليت خوري. كما لمعت أديبة وكاتبة مهمة هي د.نجاح العطار التي أصبحت أول وزيرة للثقافة في سورية بعد الحركة التصحيحية التي قادها القائد الخالد حافظ الأسد. وجاء بعده الرئيس الدكتور بشار الأسد ليؤكد على دور المرأة الثقافي، ولتكون د.نجاح العطار أول نائب رئيس جمهورية، وليختار الأديبة كوليت خوري لتكون مستشاره السياسي.
    والآن في عصرنا الحالي نجد إبداعات نسائية شابة، نتمنى أن تحمل راية الثقافة والتنوير وتتابع الدرب. بمثل ما أتمنى لكم في “الوسط” مزيداً من التقدم والتطور.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق