إضاءات

تدريب جامعي .. د. محمد عامر مارديني ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

شغلتُ بين العامين 2004 و2006 منصب عميد كلية الصيدلة بجامعة دمشق. وقد كنت إضافة لأعباء العمادة أعطي محاضراتي في  مقرر  الرقابة الدوائية لطلاب السنة الخامسة أثناء الفصل الأول من العام الدراسي، وفي وقت متأخر نسبياً من النهار.
كانت محاضرتي تمتدُّ من الساعة الثانية عصراً حتى الساعة الخامسة مساءً، وقد كنت أسمح خلال المحاضرة باستراحة مدتها 20 دقيقة، تقريباً عند الساعة الثالثة والنصف، أنزل حينها من المدرج الكائن في الطابق الثاني إلى مكتبي الموجود في ممر العمادة عند الطابق الأرضي لتناول فنجان من القهوة، أو ربما لقضاء حاجة ما.

في إحدى المحاضرات اضطررت أثناء موعد الاستراحة إلى دخول الحمّام المخصص لمكتب العميد حصراً. لقد كان حمّاماً نظيفاً، فيه ثلاث من “الكبائن” مسطحة (حمّامات عربية)، ذات أبواب خشبية، لها أقفال صغيرة، وغير محكمة على الإطلاق؛ إضافة إلى وجود مغسلتين مجهزتين بصابون معطر، مع علبة من المناديل الورقية الناعمة. وبالطبع، وكما هو معروف للجميع، كان يمنع على الطلاب منعاً باتاً الدخول إلى ذلك المكان.

دخلت ذلك الحمّام على عجل، فلقد كان الوقت يومها ضيقاً نوعاً ما ليكفيني تحضير وتناول فنجان من القهوة. وبعدما فتحت باب إحدى “الكبائن”، واسترحت إلى المكان الذي أنا فيه، خيّل إلي أنني أسمع أصواتاً عالية آتية من بعيد، ثم ما لبثت تلك الأصوات أن اقتربت مني شيئاً فشيئاً، إلى أن اكتشفت لاحقاً أنها كانت لثلاثة طلاب، قاموا بالدخول جهاراً نهاراً إلى المملكة المحرَّمة عليهم، متحدين بذلك رهبة المكان “العميدي”، وظناً منهم أن لا أحد موجود في ذلك الوقت المتأخر من النهار، لا العميد ولا أي شخص غيره من إدارة الكلية، لكي يقوم بمنعهم من فعل الاقتحام اللامشروع، فلعلهم سيحصلون اليوم على حمّام نظيف يشعرهم على الأقل بآدميتهم، التي لا يحصلون عليها عادة في حمّامات الطلاب المنتشرة في طوابق الكلية العليا.

دخل الفرسان الثلاثة إلى الحمّام من دون أن يعلموا بوجود الأستاذ العميد في أحد “كبائنه”. كنت أسمع طرق أحذيتهم العنيفة على بلاط الأرض، والتي بانت لي لاحقاً أنها أحذية عسكرية، حيث كان هؤلاء الطلاب يخضعون لدروس أسبوعية لمعسكر تدريب جامعي داخلي، والتي كانت قد انفضَّت في ذلك الوقت من النهار؛ فدخلوا الحمّام بكل جرأة قبل أن يغادروا الكلية عائدين إلى بيوتهم.

كنت أسمعهم وأنا داخل “الكبين” يصرخون صراخاً عنيفاً، وبأعلى أصواتهم، ثم يشتمون بعضهم بعضاً بأسوأ الألفاظ. إنما كان واضحاً أن ذلك السباب الرذيل، وتلك الشتائم لم تكن إلا من قبيل المزاح الثقيل ليس إلاّ. ولعله من الغريب فعلاً أن معظم الطلاب، وأنا في وقت ما مثلهم، كانوا عندما يرتدون لباس التدريب الجامعي ينسون “بريستيجهم” ودماثتهم ووسامتهم، وينسلخون تماماً عن حياتهم المدنية.

المهم، دخل أحد الطلاب الثلاثة إلى “الكبين” المجاور للكبين الذي كنت فيه، وطالب آخر ربما إلى “الكبين” الأبعد، أما الطالب الثالث فعلى ما يبدو أنه قد جاء متأخراً إلى الحمّام بثوان قليلة عن الاثنين الباقيين. وما إن دخل ذلك الطالب بهو الحمّامات حتى تابع صراخه وشتائمه على صديقيه الموجودين بجوار “كبين” العميد؛ ومن باب المزاح الغليظ صار يطرق بكلتا يديه على باب “الكبين” الذي اختليت أنا فيه، ظنَّاً منه أن أحد صديقيه كان بداخله. ثم بدأ يركل ويرفس الباب بحذائه الصلد مهدداً بفتحه عليَّ، قائلاً لي بأعلى صوته وهو يقهقه: “لَكْ طلاعْ بقى يا وسخ، لَكْ طلاع يا كذا ويا كذا”؛ ثم ما لبث أن أمسك بقبضة الباب محاولاً فتحه عنوة، ثم أخذ يدفعه بكتفه، وبكل ما أوتي من عزم. ولكم أن تتصوروا مدى قلقي وعذابي وحيرتي أثناء تلك اللحظات المحرجة، فقد كان علي أن أمسك بيدٍ قبضة الباب، وبكل قوة، خشية اقتحامه، وباليد الأخرى كان علي أن أعالج أموراً أخرى، كإغلاق صنبور الماء المفتوح، وغير ذلك من الأمور الصعبة. فكيف لي أن أمسك بقبضة الباب ذي القفل اللامقفول؟ وكيف لي أن أغلق الصنبور المفتوح بماء دافق؟ ثم كيف لي أن أرتدي ما تساقط من ثيابي؟ وكيف وكيف وكيف؟ وقد كنت كلما أنقر على الباب باليد الأخرى لأستوقف ذلك الطالب عن دفعه الهمجي كان خرطوم الماء الغزير يلتف حول بنطالي، إلى أن شعرت بأن الماء ينبع من جيوبي.

سنحت لي الفرصة أخيراً بعد جهد وعناء شديدين أن ألملم نفسي قليلاً، ثم سرعان ما تمكنت من فتح الباب لإنهاء ذلك الموقف شديد الإحراج، مهما كانت العواقب، فإذا بوجهي يأتي مباشرة في وجه ذلك الطالب الأرعن. وما إن نظر إلي ذلك الطالب، وعرف أنني لست واحداً من صديقيه الأثنين، بل كنت عميد الكلية ذاته، حتى بدأ وجهه بالشحوب شيئاً فشيئاً، ثم أخذ يتلون بالاصفرار، ثم ازرقّت شفتاه، وارتجفت أصابعه؛ ثم تراجع خطوتين إلى الوراء متمتماً بكلمات غير مفهومة : بااااء.. باااء.. بااااء.. ثم سقط أخيراً على الأرض مغشيِّاً عليه. أما الطالبان الآخران، فكنت أسمعهما يغنيان من “كبينتيهما” بأصوات خشنة تشبه أصوات بائعي المازوت؛ لاحظت بعدها استعدادهما للخروج من الكبائن من خلال صوت الطرق المرافق لربط الأحزمة الحديدية التي كانت ترتدى كجزء من اللباس التدريب الجامعي. ولكم أن تتصوروا شكليهما لحظة خروجهما، ومشاهدتهما للأستاذ العميد منبطحاً على الأرض معانقاً صديقهما المغشي عليه والزَّبَد يملأ فمه دون أن يعرفا ما قد حصل.
ارتجف الاثنان رعباً من هول المنظر؛ فصرخت فيهما صراخاً عنيفاً ليساعداني في حمل صديقهما إلى مكتبي، تمهيداً لعملية إنعاشه. وعندما وصلنا جميعاً المكتب أضجعنا المغشي عليه على إحدى الأرائك الكبيرة، ثم أخذت أمسح وجهه بشيء من الكحول إلى أن استيقظ من غفوته.

قد يسأل سائل ماذا فعلت بهؤلاء الطلاب الثلاثة بعد أن استفاق ثالثهما. الحقيقة  أنني لم أفعل شيئاً سوى أنني حاولت اقتلاع اللوحات الاسمية التي رصعت صدور بزاتهم التدريبية، ثم تركتهم يخرجون من مكتبي آمنين مطمئنين من دون أن أنبس ببنت شفة؛ فقد كان الرعب يملأ قلبي خوفاً أن يكون ذلك الطالب قد مات رعباً بين يدي، أو ربما خوفاً من أن يتَّهمني أحد ما بقتله. لكن عندما استفاق ذلك الطالب اعترتني فرحة عارمة، ممزوجة بصك في الركب، فرحة أنستني فكرة العقاب من أساسها.

وها أنا أحلف صادقاً أنني إلى تاريخ رواية هذه القصة لم أرَ بعد تلك الواقعة المشؤومة أي أحد من هؤلاء الطلاب الثلاثة، لا في الكلية ولا في أي مكان آخر خارجها، ولم أعرف حتى إن كانوا قد تخرجوا صيادلة أم لا، علماً أن اللوحات الاسمية خاصتهم لم تكن تحمل أي اسم لهم على الإطلاق.

*رئيس جامعة دمشق ووزير التعليم السابق

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق