إضاءاتالعناوين الرئيسية

تخدير قطني .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط…
.

لم يكن بالسهلِ علينا أن نصدّقَ أنّ أبا مازن قد أصبح غيرَ قادرٍ على المشي، يئنُّ ويتلوّى ألماً، بعد أن نزلَ عن سريره ليقضيَ حاجةً ما سبّبَ له التواءً في الكاحل استدعى نقلَه إلى المشفى حيثُ كانت المفاجأة! فقد أظهرَ التصويرُ الشعاعيُّ أن حوضَه قد أصيبَ بكسرٍ مضاعفٍ.
كانت رؤيةُ أبينا وهو يتوجّع  أشدَّ الأمور قسوةً علينا، لشعورنا بخوف الفقدِ، متمنّين لو وقعَ ذلكَ القدرُ علينا لا عليه، على الرغمِ من أنَّ الطبيبَ لم يحتَج وقتاً طويلاً ليقرّرَ إجراءَ عمليةٍ جراحيّة إسعافية لجبرِ الكسر مستخدماً له صفائحَ معدنيةً، مع اضطراره للّجوءِ إلى تخدير قَطنيٍّ لأنّ سِنَّ أبينا المتقدّمةَ وحاله الصحيةَ ما كانا ليسمحا بالتّخدير العام.
خرج أبو مازن من غرفة العمليّات وكأنّ شيئاً لم يكن، بصوتٍ صادح يملأ الممرّاتِ، يتكلّمُ مع الممرّضين الذين كانوا يسوقون العربةَ التي استلقى عليها، وهو يحدّثُهم عن مذكِّراته وعلاقاته العامّة وحتى الغرامية! والكلُّ من حوله لا يصدّقُ، ومتعجّبٌ أنّ هذا الشخصَ قد خضع لتوِّه إلى جراحة معقّدة لإصلاح كسر في الحوض لكنّه لا ينفكُّ يتحدّثُ عن مذكراته متابعاً حديثَه عن عملِه الذي أنهى مزاولتَه متقاعداً منذ حوالى خمسةٍ وعشرين عاماً، وحتى بعد وصوله الغرفةَ التي يُفترَض أن يمكثَ فيها خلال فترة الإشراف الطبيّ عليه، والتي اكتظّت بأولاده وأقاربه والعديد من الزوّارِ من الأصدقاء والمعارف.
نظر إلى مَن حوله نظرةً مرحّبةً تشكر قدومَهم للاطمئنان عليه ثمّ قال:
يا شباب.. أذكرُ حينَ كنت أعمل في مؤسسة التأمين والمعاشات أنّه في الأسبوع الأخير من رمضان قمتُ بتجهيز القوائم لرواتب عائلات الشهداء تمهيداً لصرفها قبل قدومِ العيد، وذلك بعدَ توقيعِها من آمر صرفِ المؤسسة (وسمّاه بالاسم)، بَيدَ أن ذلك الموظّفَ -لسوء الحظّ- كان مسافراً خارجَ القطر ما اضطرّني للّجوء إلى الوزير المختصّ، بغيةَ توقيعِ تلك القوائم لأنّني لا يمكن أن أتركَ الأراملِ والأيتام في الأسبوعِ الأخير قبلَ العيد، دون مال  يحتاجونه لشراءِ الألبسة والأطعمة، لكنّ الوزير لم يقابلني لانشغالاتٍ لم أكن أعلمها في حينهِ ما جعلني أصرخ غاضباً في الممرّ، ووصل صوتي العالي إلى معاونِ الوزير فخرج من غرفتهِ يستفهمُ عن سبب صراخي!
قلت له بصوت متحشرجٍ: كيف تسمحون لفلان أن يسافرَ دون أن تفوّضوا مَن يوقع على قوائم الرواتب؟ والسيد الوزير كذلك لا يريد أن يقابلَني ! ألا تعلم أنّ المستحقّين يا أستاذ هم أراملُ وأطفال يتامى؟ أليس لدى مدير المؤسسة إحساسٌ؟؟؟ كيف يسافر؟؟؟ ومن سمح له أساساً بالسفر؟؟ أم لعلّه مطمورٌ بالمال ولا يعنيه مَن هو بحاجة إليه؟؟
ثم رفعتُ يدي إلى الله تعالى أدعوه: اللهم اقهر من أراد بالأرامل واليتامى سوءاً، اللهم اجعل امرأةَ مدير المؤسسة أرملة وأولادَه يتامى، علهّم يشعرون بما جناه على هؤلاء الأرامل والأيتام، اللهمّ إنك سميعٌ مجيب.
وفي هذه الأثناء لم يتمالك أحدٌ من زوّار الغرفة نفسَه لكثرة ما ضحك عند سماعه الجملةَ الأخيرة عن الدّعاء إلى الله أن يجعل امرأةَ المدير أرملة وأولاده يتامى، فنظر إليه والدُنا نظرة ساحقة ماحقةً مستغرباً وممتعِضاً في آن معاً، فهو الذي يتحدَّث عن مأساةٍ كانت ستحلُّ قبل العيد وهذا الشخص يضحك مستهزءاً.. إنّها لعمري هي المسخرةُ بذاتها. فما كان من أبي مازن إلا أن استجمعَ قواه وحاولَ إجلاسَ نفسه بكلّ ما أوتي من قوةٍ ثمّ قال له بلهجة ملؤها الغضبُ: لماذا تضحكُ يا سيّد؟ ليس المقام مقامَ تسلية وضحك، ومن أنت حتّى تزورَني؟ أنا لا أعرفك!
استدرك أحدُنا الموقفَ سريعاً فقال: أبي!! إنّه صديقي وقد أحَبَّ أن يعودَك ويطمئنَّ عليك. قال أبو مازن بشفتين ترتجفان: نعم مشكور، لكن لماذا يضحك؟ عاد الصديقُ يضحك حتى كاد يغشى عليه، لكنّه استجمعَ جِدّيتَهُ وقال: إنّ مَن تتكلّم عنه يا عمُّ هو والد زوجتي، ولعلَّ دعاءك قد استُجيبَ، فقد أصبحت زوجتي يتيمةً وحماتي أرملةً منذ نحو عشرين سنة. فما كان من أبي مازن إلا أن تابع دعاءه قائلاً بغضب: “الله يغمق له”.
وبصوت الضحكِ المرتفع ضجّت أنحاءُ المشفى كلها. لم يمكث أبو مازن طويلاً في سريره بعد أن زالَ مفعولُ التخدير القَطني، حيث بدأ يصارعُ الألمَ على فراشه بعزيمة الصناديد إلى أن خارت قواه. وفي اللحظة الأخيرة قبل أن تصعدَ روحُه إلى بارئها، ويُحمَل جسدُه على الآلة الحدباء، رفعَ يديه يدعو ربَّه قائلاً: اللهمّ أعِنِ الفقراءَ والمحتاجين والأراملَ واليتامى في بلدنا، واهدِ حاملي الأمانة لما فيه خيرُهم وسعادتُهم.
.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى