إضاءاتالعناوين الرئيسية

تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين.. محمد الترهوني

|| Midline-news || – الوسط …

.
اغفرْ لهم يا الله لأنهم لا يعرفون سوى صوت البحر داخل القواقع ، ولا يحبون الحياة إلا إذا كانت بلا رابح ولا خاسر..
تحية للكتَّاب الليبيين الذين لا يعرفون معنى الأيام الواضحة والنظيفة، الذين لا يعرفون إلا نصف النهار ويسكنون نصف غرفة ويعيشون نصف العمر فقط في هذه البلاد. الكتَّاب الليبيون المساكين، الذين لا يعرفون عري الفرح ولا الموجة البيضاء، ولا شرفات الفنادق الفخمة، ولا الصحافة الراقية.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين العاشقين للخدر الغامض في ثدي الروح، العاشقين للإنسان الذي لا عزاء له، والأمل بلونه غير المؤكد، العاشقين لصورتهم كمجموعة من العث المجنون حول لهب الحياة.
تحية للحقيقيين منهم الذين يشبهون الزهور الناضجة، الذين أعتبرهم التعبير الحي عن معنى الألم، بوجوههم الشاحبة والمحمصة بنار السؤال. بعادتهم السيئة التي لا تقبل التغيير! وحدهم يتألقون في ضباب دموعهم، وحدهم يتألقون بعد لسعة الوطن القاسية والباردة كالموت.
تحية لهؤلاء الحمقى الذين لا يثبطهم الرفض والتهميش والإبعاد، الذين تخلوا عن الإحباط لا لشيء إلا لمقاومة الإعياء، المسحورين بمعنى النوم الأبدي وبمعنى أن يمتصهم الحزن وتقبيل الغبار، الذين يضحكون وهم محاصرون في هذه العاصفة التي تسمى البلاد، الذين يضحكون من السلام الذي أغمى عليه فجأة أمامهم.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين الذين لا يمثل المال حافزاً لإبداعهم، الفقراء مثل النور في الكوات والزوايا وفم الليل، النحيلين مثل سيقان النخيل في الصحراء لأنهم تركوا طعامهم للذين يلتهمون العالم بقشوره المرّة، هم محبو الليل لأنهم يشعرون فيه أن كل شيء يسير على مايرام، لا أحد يقبّل يد أحد في الليل. المهرجون وعصا التاريخ والديدان التي تلوث جسد الحياة تنام في الليل.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين الذين يمرون أمام ازدراء المجتمع لهم مثل صوت ناعم وحزين،الذين لا يسيرون بثقل ويحملون على أكتافهم حزمة من الورق والقشة التي قصمت ظهر البعير، الذين يتطورون مثل لحظة منعزلة، يكبرون مثل الشعور بالوحدة، غرباء ويتمتعون بذاكرة جيدة فيها الكثير من الندوب، الذين يستمعون لصوت حبيباتهم الحزين وهن يحكين قصص عشاقهن السابقين، يفعلون ذلك لأنهم يدركون أن النسيان نوع من الجبن وقلة الشجاعة. وحدهم ينظرون إلى الحب كوردة زرقاء وسط سراب غريب، وحدهم يفهمون الحب كنشيد غادر، كغليان الزئبق، كأوكسترا فخمة على ظهر سفينة تغرق.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين الذين لا يكتبون نصوصاً تشبه المراحيض المعقدة، أو نصوصاً طويلة وهادئة وورعة تشبه المؤمنين المحصنين في دير خوفاً من الحياة، الذين لا يكتبون قصائداً تشبه القصدير وقصصاً تشبه رجال الحاشية الفخمين جدا والتافهين جدا.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين الذين يكتبون نصوصاً تشبه فساتين النساء الجميلات، الذين يكتبون قصائد تشبه مناقير الأشجار البرية، الذين تشبه كلماتهم القبلة المفاجئة، الذين لا يعرفون اسم وزير الثقافة ولا يجدون في صناديق بريدهم دعوة لحفلة تكريم.
تحية للكتَّاب والشعراء الليبيين الذين يطاردون الكهرباء مثل قطيع من الذئاب، الذين يطاردون لقمة العيش التي تشبه العطر النادر، الذين يشبهون النوافذ القوطية المرعبة، الذين يجمعون أكفانهم الدافئة والحميمة يومياً في المقاهي في الغابة المجاورة، الذين يدخنون بسبب نقص الهواء، ويضحكون بسبب المزاج السيء لأجساد عشيقاتهم، ويبكون عندما يذهب الوطن إلى فراشه كل ليلة دون عشاء.
.

*كاتب وناقد من ليبيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق