إضاءاتالعناوين الرئيسية

“تحدّي الغاردينيا” … د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …
.

حان وقتُ قصِّ الشعر، تلك العادةِ المحبَّبة إلى قلبي كثيراً، وبشكلٍ خاصٍ الذهابُ إلى صالون الصديق محمّد، أو كما يناديه زبائنُهُ بأحد لقبَين، فمرَّةً هو أبو الزين، ومرّةً أبو صبحي على اعتبار أنّ ولدَيه البكر التوأم هما زين وصبحي.

صداقتي بمحمّد أصبح عمرُها اليوم أكثرَ من ثلاثين عاماً، مذ كنتُ أقطن مع أهلي في المنطقة نفسِها حيثُ فتحَ دكانَ الحلاقةِ خاصّتِهِ، و كثيراً ماكنتُ أتردّدُ عليه لا لقصِّ الشعر فحسب، بل لكي أشاركَه تناولَ الفول المدمّس أو شربَ الشاي أو حتّى منقوع الكمون.
ذات مرة اتّصلت بمحمّد لأطلبَ موعداً ملائماً لقصِّ شعري بوجودِ التيّار الكهربائيّ، فطلب مني أن أسرعَ إليه إذ لم يتبقَّ سوى ساعةٍ وبعدها يبدأ التقنين. وبالفعل أسرعتُ إليه ليستقبلَني مع ولديه بكلِّ ترحاب. وما إن أجلسَني على كرسيِّ الحلاقة حتى بدأنا معاً أحاديثَ مختلفةً عن أحوال الحارة وعن الجيران، إضافة إلى الحديثِ الشائعِ عن الواقع المعيشيِّ المشترك، كالسؤال مثلاً عن موعد آخر رسائلِ الغاز المنزليّ، وعن تواتر رسائلِ البنزين، إلى أسعار الخضار والفواكه.. وغير ذلك.
أثناء حديثِنا قال لي إنه يحب كثيراً نباتاتِ الزينة وأصائصَ الورد، ويحفظ أنواعَها وألوانَها وأنّه يقتني منها الكثيرَ في منزله كالأوركيدا والزنبق والجوري، وأنه سيبدأ من اليوم بوضع بعض أصائصِ الورود داخلَ الصالون وخارجه. أثنيت كثيراً على هوايته، وأخبرتُه عن شغفي أنا أيضاً بخلق الله البديع في الطبيعة وعطاءاتها من الزهور الملوَّنة وعلى رأسِها زهرةُ الغاردينيا ذاتُ الأريج العطر السّاحرِ، وأنّني أقتني في منزلي شبهَ شجرةٍ من الغاردينيا.

قال لي: ماذا؟؟ شبهُ شجرة غاردينيا؟؟ قلت له: نعم، وعلى الفور أخرجتُ هاتفي المحمولَ وأريتُه إيّاها وهي ملأى بالزّهور البيضاء. قال لي متفاخراً: وما روعةُ هذه النبتة أمامَ ما هو موجودٌ لديّ خارج الصالون؟؟ قلت له: وماذا يوجد خارج الصالون؟ قال مستغرباً: أوَلَم ترَ؟ قلت: لا لم أنتبه والله، ماذا يوجد خارج الصالون؟ قال: أحضرتُ معي اليوم شجيرةَ غاردينيا لكي ينتعشَ برائحتِها زبائني الأحبّةُ، فحينَ أدخِلُها إلى الصالون ستمنحُ الجميعَ طاقةً إيجابيّةً، وخاصة عند انقطاعِ الكهرباء. قلت له: ولمَ لا تدخلُها الآن؟ قال: هي تحتاجُ الآن بعضَ الشّمس، وبعد منتصفِ النّهار أدخلُها إلى الصالون وأضعُها قرب مروحةِ الهواء فيفوحُ شذاها في الأرجاء. قلتُ له: كم شوّقتَني لأراها قال: غريبٌ أنّك لم ترَها عندما دخلتَ علينا، إنّها شبهُ شجرة! قلت: هلّا تركتَ قصَّ شعري للحظة لأراها وأعودَ إليك؟ لقد نفدَ صبري! قال: دقيقة ،ثمّ نفضَ عن رأسي وكتفيّ بعضَ الشعر مديراً كرسيَّ الحلاقة ليخرجَني منه ومشيراً إليَّ أن أتبعَه. وبالفعل خرجتُ من الصالون برأسٍ نصفِ محلوق، وبالسترة التي تحمي ملابسي، يرافقُني محمّد والمقصُّ بيُمناه، وباليسرى المشط، وهو يقول: سيذهلُك منظرُها. نظرتُ في كلِّ الأنحاء فلم أشاهد شيئاً فقلت له: أين هي؟ التفت محمّد يمنةً ويسرةً فاغراً فاهُ ثم نادى ولديه: صبحي!! زين!! أين الغاردينيا الّتي أتينا بها صباحَ اليوم؟ قالا معاً : وضعناها إلى اليسار مقابلَ أشعّة شمس الصباح! قال بصوتٍ مرتجفٍ يشبهُ الصّراخ: يا الله، لا أرى شيئاً!

خرجَ جميعُ مَن كان في الصالون من الزبائن الحالقين شعرَهم، وغيرِ الحالقين، وباللحى وأنصاف اللِحى بالرّغوة البيضاء، وبالشعرِ المبتلِّ، والشعر المصبوغ ليشهدوا ما حصل. سأل محمّدٌ جارَه بائعَ السّمن والزيتِ ملهوفاً: هل رأيتَ شجرةَ الغاردينيا خاصّتي؟ قال وهو يشربُ الشايَ الثقيل وبكلِّ برود: نعم، لقد توقّفَت شاحنةٌ صغيرة، ونزلَ منها رجلٌ عريضُ المنكَبين فحملَها ووضعَها داخلَ المركبةِ ثم سلَّم عليّ مبتسماً ابتسامةً أشبهَ بضحكة وطلبَ أن أهديَكَ السّلامَ، وهو يشكرُك كثيراً على هديّتِك اللطيفة، و لا يريد أن يشغلَك عن زبائنك بدخولهِ إلى الصالون وتعطيلِه لعملِك. نظر إليَّ محمد نظرةَ المكلوم يضرب كفاً بكفٍ وهو يحوقل ثم قال: حقّاً إنَّ الغاردينيا خاصّتَك أجملُ بكثير.
.

*أديب وقاص.. وزير التعليم العالي السابق- سوريا

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى