إضاءاتالعناوين الرئيسية

تجربة إصابتي بكورونا ومعاينة الموت.. بقلم: مريم ميرزاده

|| Midline-news || – الوسط
.

كنتُ واثقة بأنّ إصابتي بـ”كورونا” ستكون خفيفةً، حتى أني ربما لن أشعر بأيّ عارض. غير أن الأمر لم يكن كذلك أبداً. وغافلتني سطوةُ الوباء وباغتت جسدي وأنفاسي حتى صارت لحظاتي شاقةً جداً، وأيامي عصية على التأقلم. وساعاتي.. طويلة جداً!

تعايشتُ مع الصمت وصارت لغتي مع ابنتي بالإشارات غالباً، فلقد حذرني أخي- طبيبي الحبيب حماه الله- من بذل أيّ مجهود عبر الكلام، وإلا سوف تسوء حالةُ صدري ونفسي.
اليوم يمكنني وأنا أتذكر الحالة فقط، رغم أني لم أتعافَ تماماً بعد، أن أقول إنها كانت من أقسى تجارب حياتي إن لم تكن الأقسى على الإطلاق!
كنتُ أخالُ الألم الأكبر في حياتي كان ألم الولادة يوم أنجبتُ ابنتي. لكني اليوم أقول، إني خلال هذين الأسبوعين، شعرتُ بكل الذين ماتوا من “كورونا”. أحسستُ بكل من قضى عليهم هذا المرض، والذين بعد ذروة تفشيه في الجسد -ربما- لم يفلحوا في التعافي منه مثلما فعلت. وإنما أكملوا منحدرَ الضعفِ والاستسلام حتى قضوا. أتعاطف معهم كثيراً. طريقةٌ قاسية جداً للموت. لا بدّ أنهم كانوا بحاجة إلى حضنِ أحد أحبتهم قبل أن يغمضوا إلى الأبد. لا بدّ أن الموت أشدّ قسوة وقهراً في الحجر؛ هذا المنفى المقيت!
أمضيتُ ليلتين وأنا أدعو الله أن أحتضنَ ابنتي مرةً أخرى فقط! إلى هذا الحدّ كان يأسي. وفهمتُ أنه ابتلاءٌ قد يصيبُ أياً كان، حتى الطيبين. ثم كنت أبكي رحمةً وشفقةً على حالي وحالهم. وكيف أنّ هناك من رحلوا مظلومين بهذا الشكل، بعيداً عن أحبتهم، محرومين من الوداع الأخير، من القبلة الأخيرة، اللمسة الأخيرة.
شعرتُ بكل الذين ماتوا من كورونا! عرفتُ حالاتهم الوجدانية والعاطفية قبيل لحظات الاستسلام. أو على الأقل كنتُ قادرةً على تصوّر كل ما مروا به.. ربما هو الحظ فقط، ما ينتقي بين الراحلين والناجين. فهمتُ الموتَ عن قرب! فطالما كنتُ أعتبرُه ملهماً وقلقاً وجودياً مشتركاً بين البشر، غير أن قراءتي له كانت من بعيد. من موقعي الآمن، وصحتي وسلامتي.
غير أنّ معاينةَ الموت من على ضفّته شيءٌ آخر. قراءته من حالةٍ قريبةٍ منه ولو ذهنياً، تجعله أوضح. ولا شيء يمنع عن الإنسان فظاعة مشهد الموت والفناء، وإن كان نبياً أو إماماً أو شهيداً. الكلّ يخوض هذه المرارة مع اختلاف نسبيّ في شكل التلقي.
ربما يلزمنا الكثير من الدلال والحب لكي ننسى تجربة “كورونا” المريرة. الكثير من الترفيه في الطبيعة وبين أسرتنا. يلزمنا الكثير من الدفء لننسى ليالي البرد ورعشة الموت. يلزمنا الكثير من القُبَل والاحتضان لنشعرَ بحرارة وجودنا وحقّنا في العيش. يلزمنا الكثير من الحمد والثناء على نعمة الصحة والأمان في حياتنا. يلزمنا احتفالٌ يوميٌّ بوجودنا إلى جانب من نحبّ.. بذريعةِ الحبّ فقط.. لا أكثر!
.

*روائية وتشكيلية ومترجمة ايرانية- لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى