ترجمات وأبحاث

تاريخ العالم لم يكن وردياً ..ماذا عن الحاضر أو المستقبل ؟؟

|| Midline-news || – الوسط …

لخص العالم السياسي جون مولر أحد أكثر التحيزات انتشارًا وخطورة في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية. فقد كتب مولر في عام 1995 أن البشر لديهم «ميل طبيعي للنظر إلى الوراء بعيون ضبابية، ورؤية الماضي أكثر اعتدالًا وبساطة وبراءة مما كان عليه في حقيقة الأمر. أي أنه مهما تحسن الحاضر فإن الماضي يتحسن تحسنًا أسرع نتيجة لذلك، وبالتالي فإننا دائمًا أسوأ حالًا مما كنا عليه في السابق. وبالتالي فإن هناك عصورًا ذهبية، لكننا لا نعيش فيها أبدًا: فهذه العصور الذهبية دائمًا ما تكون في الماضي».

ما كان يتحدث عنه مولر هو التحيز لأحداث الماضي. يميل البشر بدرجة كبيرة إلى نسيان الأحداث السلبية في الماضي، وبالتالي فإننا نحكم على الماضي بأنه أكثر إيجابية مما كان عليه حقًّا بشكل غير مناسب. كذلك يُبسط التاريخ ويقسم إلى عدد من الأحداث الرئيسية والانطباعات الكبيرة. مستفيدًا من الإدراك المتأخر لطبيعة الأحداث، فإن الماضي يبدو متوقعًا ومعقولًا نسبيًّا، في حين أن الحاضر دائمًا ما يوصف بأنه فوضوي وغامض.

كثيرًا ما يقول سياسيون وجنرالات : «إننا نقف في لحظة غير مسبوقة في تاريخ البشرية» كما لو أن هذا ليس هو الحال دائمًا. وبالتالي فإن ما ينتج من ذلك هي قرارات سياسية خارجية خاطئة، بل وكارثية أحيانًا، بحسب الكاتب ميكا زينكو الذي أعد هذا المقال لموقع «فورين بوليسي».

يقول ميكا: في مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية يُنظر إلى فترة الحرب الباردة على وجه الخصوص بأنها كانت فترة مضغوطة، وتُذكر بأنها كانت ساحة معركة أيديولوجية عالمية انتصر فيها الأمريكيون على الشيوعية. إن هذا الحنين الجماعي للماضي -الذي يتجاهل العدد الكبير من عمليات الإبادة الجماعية والمجاعات والحروب ضخمة الخسائر بمختلف أنواعها، و72 نظامًا تناوبوا على حكم الولايات المتحدة بين عامي 1947 و1989- يجعل الحرب الباردة تبدو مستقرة، ونتائجها واضحة. وبالمقارنة فإن المشهد الدولي يصبح دائمًا أكثر عنفًا، وأكثر تعقيدًا، وأكثر تهديدًا.

لننظر في الأحكام التي أعرب عنها المسؤولون المدنيون والعسكريون، وكذلك صانعو السياسات على مدى السنوات القليلة الماضية فقط. كل هذه مذكورة وموضوعة في سياقها في كتاب جديد شارك الكاتب في تأليفه مع مايكل أ كوهين بعنوان «السلامة الواضحة والقائمة: العالم لم يكن أبدًا أفضل ولماذا هذا مهم للأمريكيين» (Clear and Present Safety: The World Has Never Been Better and Why That Matters to Americans).

قال الجنرال مارين ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية ، في فبراير 2012: «نحن نعيش الآن في أخطر وقت عاصرته طوال حياتي». وقال في فبراير 2013: «أشهد شخصيًّا بحقيقة أن العالم الآن أكثر خطورة من أي وقت مضى». وقال الجنرال ريموند أوديرنو، في شباط  2013: «أرى أن البيئة العالمية في الوقت الحالي هي الأكثر غموضًا خلال 36 عامًا قضيتها في الخدمة». وقال السناتور ليندسي جراهام، في كانون الثاني 2014: «العالم على وشك الانفجار بكل معنى الكلمة».

وقال مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر، في شباط 2014: «لم أمر بوقت واجهنا فيه مثل هذا الكم من الأزمات والتهديدات في جميع أنحاء العالم». وقال رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ جون ماكين، في كانون الثاني  2015: «ربما نكون في أخطر فترة من الاضطرابات في حياتنا بأكملها». وقال حاكم ولاية نيو جيرسي كريس كريستي، في كانون الأول 2015: «نحن الآن في الحرب العالمية الثالثة بالفعل. الحقيقة هي أن هذه حرب عالمية جديدة من نوعها، ولن تكون كالحربين السابقتين».

الفريق في سلاح الجو الأمريكي سيفن كواست قال في تشرين الثاني  2017: «لا شك في أن هذا الجيل يعيش في أخطر وقت تقريبًا منذ الحرب الأهلية الأمريكية». وقال رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ جيمس إينهوفي، في كانون الأول  2018: «العالم الآن في أخطر وقت عاصرته في حياتي».

وصلت هذه العقلية المؤمنة بالتزايد الدائم للفوضى والتهديدات العالمية إلى مستوى جديد في كانون الثاني عندما حذر مدير الاستخبارات الوطنية، دان كوتس، في بيانه السنوي حول التهديدات قائلًا: «التهديدات للأمن القومي الأمريكي سوف تزداد وتتنوع في العام المقبل». لطالما كان مديرو الاستخبارات الوطنية السابقون يقولون إن الولايات المتحدة تواجه تهديدات أضخم وأكثر أهمية في الوقت الحاضر: العراق، إيران، كوريا الشمالية، الإرهاب الخارجي، الإرهاب المحلي، الهجمات الإلكترونية، الصين… إلخ.

لكن كوتس أحدث تحولًا مهمًا لم يلاحظه مراقبو السياسة الخارجية، فهو الآن يتنبأ بمستقبل متزايد الأخطار بشكل دائم. وشأنه شأن أي مسؤول أمن قومي آخر لا يمكنه تخيل العالم سوى على هذه الشاكلة. ونظرًا إلى أن ذلك البيان التنبؤي غامض وغير قابل للدحض على حد سواء، فإنه سيكون قادرًا على الادعاء بأنه كان على صواب في كانون الثاني  القادم.

يشير الكاتب إلى أن العواقب العملية المترتبة على عدم تذكر الماضي بشكل واقعي، وافتراض أنه كان أكثر استقرارًا، وتشويه صورة الحاضر (والمستقبل) المزعوم كثيرًا. وبحسب الكاتب فإن أول هذه التهديدات هي الممارسات المعتادة لتضخيم التهديدات الأجنبية، وهو ما ينتج منه سياسات مفرطة الرجعية، وأفضل مثال على ذلك هو إنفاق 4 تريليونات دولار في الخارج على حروب ما بعد 11 آيلول .

ثانيًا: يؤدي تصاعد التهديدات الدائم إلى إنفاق أموال دافعي الضرائب إنفاقًا غير مناسب على القوات المسلحة، إذ إن الاستجابة المعهودة لمواجهة التهديدات المزعومة هي نشر القوات، أو استخدام القوة.

ثالثًا: يؤدي ذلك إلى أخطاء استراتيجية في تشخيص ما يهدد الشعب الأمريكي فعليًّا -التهديدات المحلية على وجه الخصوص مثل الأسلحة والمخدرات والأمراض غير المعدية- وأين يجب توجيه أكبر قدر من الاهتمام والموارد لتخفيف هذه التهديدات ومنعها.

رابعًا والأكثر أهمية: عندما يعتقد القادة أن العالم لا يتجه سوى إلى الأسوأ والأسوأ فإن ذلك يقلل من إحساس أمريكا بالوكالة، وأهمية استخدام ثرواتها وتأثيرها الهائلين لتحسين الأمور سواءً داخل الولايات المتحدة أو خارجها. لقد زادت هذه اللامبالاة الجماعية سوءًا بسبب التحزب متزايد العمق في الولايات المتحدة، وهو ما يحول دون إجراء مناقشات عقلانية، أو وضع سياسات قائمة على الأدلة. يختم الكاتب قائلًا إنه وعلى الرغم مما يخبرنا به الجنرالات والسياسيون، فإن الأمور لم تكن رائعة في الماضي، وهي ليست مريعة في الوقت الحاضر لدرجة أن لا يتم التنبؤ سوى بمزيد من الألم والكآبة في المستقبل.

المصدر :فورين بوليسي – مترجم وكالات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى