العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

تأملات في قصيدة الشاعرة نسرين سليمان “قاب وهم أو أدنى” بقلم د.غادة سعيد

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

تحاول الشاعرة السورية نسرين سليمان في قصيدتها “قاب وهم أو أدنى” أن تؤسس للاختلاف من منظور التغاير مع السائد والمهيمن، والخروج على التناظر الحاد، والنمطية الجاهزة لا على مستوى الإبداع الأدبي فحسب وإنما يمتد ذلك ليصبح جزءاً من نظرة شاملة تتضمن الإنسان والحياة، والزمان والمكان.
ومن هنا كانت الدعوة إلى الشك في كل شيء، وإخضاع الواقع إلى المساءلة، والدعوة إلى التمرد والثورة على البنى التي تحكم هذا الواقع، وتسير نظمه وفق المألوف والسائد والمكرس والمتعاليات، وغيرها من العناصر التي تستمد وجودها من الماضي، وتعمل في الوقت ذاته على إشاعة روح الطمأنينة في النفوس، والركون إلى الصمت والحجر على العقل، وقتل روح الإبداع، واغتيال الذات، أو قمعها في أحسن الأحوال. كل هذه العناصر مجتمعة أو متفرقة كانت وراء صياغة نفس شاعرة ثائرة متمردة ترفض المهادنة والخضوع للتهديد أو السلطة أو الابتزاز أيا كان نوعه أو مصدره. فمضت تمعن في هذا الواقع تأملاً وتشريحاً وتفكيكاً متخذة من الحلم طريقاً تنأى به بعيداً عن التلوث والتفسخ والخرائب، شاهقة في بهاء الكون، منتشية بلذة الاكتشاف ورجفة العناصر لحظة الاتصال.
المتأمل لقصيدة  نسرين سليمان؛ يلحظ خيطاً فكرياً ينتظم معظم أنسجته في قصيدتها الشعرية، ويكوكبها في بؤرة ارتكازية محورها الذات والواقع، لا بالمعنى الضيق لهذا الواقع وإنما بالمعنى الشامل، لكل ما هو مفروض بحكم الموروث والممارسة التقليدية، مكوّنة بذلك موقفاً إنسانياً مثقلاً بالتصورات والأحلام والأخيلة الذاتية التي تحاول بها الذات اختراق حواجز الواقع، وقوانينه الصلدة، باحثةً عن فضاء يستوعب أحلام الذات ورؤاها، في عالم يفتقر إلى أبسط معاني العدالة والحرية، ويعمق في الوقت نفسه إحساس الذات بوعيها، وبالآخر الذي تنفصل عنه تارة وتمتزج به تارة أخرى، لتمعن مرة أخرى بالابتعاد عنه، محققة بذلك جملة من أنواع الوعي، تظهر عبر الحس والعاطفة وأحلام اليقظة، والرؤى المضمرة وغير المضمرة.
لذا كانت حوارات الذات -مع نفسها أو مع غيرها- تمر عبر تلك النوافذ المشرعة على مدى القصيدة، جاعلة من هذه الأخيرة هدفها الأسمى نحو التغيير، نازعة للتمرد الذي يقود ذاتها ونظرتها إلى الأشياء من حولها.

تنحو مدلولات ألفاظ (النهوض، الارتباك، الضياع، الحراسة، النحت، الحطب، السند) وغيرها من الألفاظ؛ إلى تأسيس موقف رافض لكل شكل من أشكال “السلطة والهيمنة” المكرسة بحكم الواقع لا العقل، وصادر عن إحساس عميق بقيمة المرأة كإنسان، في واقع فرضه عليها الرجل بعالمه المملوء بالقهر والتعسف والظلم!عالم غيّبت فيه العدالة في خضم الممارسات والسلوكيات السلطوية الخارجة على نطاق العقل، والمنطق السوي، مما دفع الشاعرة باتجاه التمرد والثورة والإصرار على تغيير هذا الواقع ولو بوسائل الحرق الشامل لكل مقوماته، وإعادة بعثه من جديد.

ومن الجلي أن الشاعرة أصدرت في رأيها إحساس واع بنبض وبإيقاعات العصر الحديث، وما يطرحه من تحديات وإشكالات تتعرض لها المرأة، ووجوب التكيف مع واقع مفروض لكن في نفس الوقت مواجهته ومرواغة كل قيوده. وهذا يدل على أن الشاعرة لم تستنسخ فلسفات التمرد الغريبة، المتكئة على العبثية والعدمية والنزعة الإلحادية كالتي نجدها في أعمال “سيمون دي بوفوار” وغيرها من النساء الغربيات الرافضات لمنطق استعباد الرجل والمجتمع لهن؛ وإن كانت بعض عناصر هذه الفلسفات تنسرب في بعض أسطر القصيدة، بصورة واعية أو غير واعية، لكنها لا تغير النزعة العامة التي تنطلق، وهي البحث عن عالم آخر يستوعب رؤى الذات في صراعها مع الواقع. لذا كانت رموز (الفيض، الطريق، الرصيف، الشتات، الزجاج، الرمل، الماء، الهواء، البدايات، الخطو، الانتباه، النظم، الصحو، العراء)… مؤشرات لمستقبل تراهن به الشاعرة على التخلص من عفن الحاضر، ومكرسات الماضي، وبقدر ما تزداد التحديات المعاكسة لإرادة المستقبل تمعن الشاعرة فضحاً وتشريحاً لهذه القوى المعاكسة التي لا تجد حرجاً في نعتها بنعوت محتشمة، ومواربة.
***
قصيدة “قاب وهم أو أدنى”

معلقة في جزاف الفيض
أعب يفاعة مداك
أعلن نهوضي الطريق
وارتباكي وشاية الرصيف..
أضيعني
في قاموس رجل
يحرس أمزجة الشتات
ينحتني دمية من زجاج
كيف شاء رمله
يحتطب مائي وهماً
يسندني بأوتاد الهواء
كلما وليته روحي مآلاً
تسربل في هلام البدايات..
صدأ الخطو
كنت أغسل العطش عن يباس انتباهتك
وألوذ بزئبق النظم
كيف تسلل الملح إلى عروق صحوي؟!
كيف صرت صارية للعراء؟!
لكَ غفلة المرايا
ولي مراوغة الانعكاس..
***

*أديبة وناقدة سورية.. بورتو- البرتغال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق