العناوين الرئيسيةمقالات

تأديب أم إجرام؟! .. بسام العطري

 

|| Midline-news || – الوسط …

 .
أباح قانون العقوبات السوري وأجاز في المادة 185 منه “ضروب التأديب التي يُنزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام”.
لم يُحدد المشرّع وسيلة معينة للتأديب، لكنه ترك الأمر منوطاً بما يبيحه العرف العام، ولعله من نافلة القول أن العرف أمرٌ يتغير دائماً بتغير الزمان والمكان، فما كان يعتبر عرفاً قبل مئة سنة مثلاً ليس بالضرورة أن يبقى كذلك في أيامنا الراهنة هذه، وما يعتبر متعارفاً عليه في دمشق مثلاً ليس بالضرورة أن يكون عرفاً في دير الزور أو الرقة، وبالتالي فمن الممكن أن يتدرج التأديب من اللوم والتأنيب وصولاً للضرب البسيط الذي لا يتعدى حدود العقل والمنطق وفقاً للعرف السائد ووفقاً لعقل ومعارف وثقافة القائم بالتأديب.

هنا أذكر أن محكمة فرنسية قضت “بانتفاء حق التأديب في مواجهة الأب الذي يضع رأس ابنه ذي الستة أعوام في المرحاض ويجذب فوقه صنبور مياه تنظيف المرحاض”. نرى هنا حالة شاذة وتجاوزاً من قبل الأب لكل الحدود المعقولة والمقبولة والمتعارف عليها في أي مكان وأي مجتمع كان.
وكذلك فقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه “إذا ربط والدٌ ابنته بحبل في عضديها ربطاً محكماً أحدث عندها غنغرينا سببت وفاتها فهذا يعتبر تعذيب شنيع يقع تحت طائلة العقاب”. نرى هنا في هذه الحالة أيضاً خروج الوالد عن حدود التأديب ودخول فعله في دائرة الإيذاء المقصود أو التشفّي والتعذيب، الأمر الذي يجب أن يجعله مسؤولاً عن جريمته.

كانت من أصعب القضايا التي صادفتني في حياتي المهنية نتيجة التجاذبات والصراعات التي اعتملت داخلي كنتيجة حتمية لكوني رجل قانون يجب أن أتسم بالحيادية، في مقابل حبي الشديد للأطفال وإيماني المطلق بوجوب حمايتهم من أي أذى كان.
ففي صباحٍ ربيعي منذ ثلاث سنوات اتصلت بي موكلة قديمة عندي وأخبرتني بأنها تعرف سيدة تريد أن تعرض عليّ موضوعاً مستعجلاً يتعلق بشقيقتها الموقوفة في أحد أقسام الشرطة وسوف ُتحال إلى القصر العدلي.  التقينا في القصر العدلي وشرعت السيدة بعرض الموضوع بشكل سريع ومكثف يتلخص –حسب ما قالت– بأن شقيقتها موقوفة لأن ابن زوجها القاصر مات أثناء قيام أبيه بتأديبه فتم توقيف الأب وزوجته رغم أن لا علاقة لها بالموضوع وأن أطفالها الصغار بأعمار ثلاث وخمسة وسبعة سنين أصبحوا بلا أب ولا أم بعد أن تم توقيفهما من قبل الشرطة.
بعد سماعي للقصة أجبتها بأن هناك نقصاً فيها أو حلقة مفقودة في الموضوع، ولا بد لي من أن أطلّع أولاً على ضبط الشرطة وتقرير الطبيب الشرعي لأقرر إذا كان من الممكن أن أتولى قضيتها أم لا.  إنما تحت وابل من توسلات السيدة التي لم تترك لي مجالاً للكلام رضختُ لرجائها، وأخبرتها أنني سأرسل مندوب الوكالات إلى نظارة القصر العدلي لتنظيم الوكالة اللازمة لشقيقتها عندما تصل من قسم الشرطة.. بعد حوالي ساعة أعلموني بوصول السيدة المقصودة إلى نظارة القصر العدلي، فطلبتُ من مندوب الوكالات الذهاب إليها لتنظم وكالة قضائية عنها، وأرسلتُ المحامية التي كانت تتمرن لدي كي تستعجل تجهيز أوراقها وضبطها في ديوان المحامي العام من أجل استجوابها.

بعد ما يقارب النصف ساعة أخبرتني المحامية بأن الملف أصبح عند أحد قضاة التحقيق.. استغربتُ ذلك، لأن هذا الأمر قرينة أولية على تورط السيدة في موضوع مقتل الطفل. راجعتُ قاضي التحقيق وأبرزتُ له وكالتي، فضمها للملف وهو شديد الوجوم، وسألني بلهجة جافة: هل قرأت ضبط الشرطة يا أستاذ؟
أجبته: الحقيقة لم ُيتح لي ذلك قبلاً، لأنني قمتُ بتنظيم الوكالة الآن. دفع إلي قاضي التحقيق الملف بجفاء وقال لي:
تفضل اقرأ. بدأتُ بقراءة ضبط الشرطة وكانت القصة تتلخص بأن الطفل البالغ من العمر إحدى عشر سنة عانى على الدوام من فرط قسوة أبيه له ومن تحريض زوجة أبيه عليه، في حين كان الاثنين يعاملان أولادهما معاملة مختلفة، الأمر الذي أدى بالطفل بدافع الجوع أحياناً أو بدافع الرغبة بلفت النظر لجلب الانتباه إليه –حسب تحليلي الشخصي- إلى القيام بعمليات سرقة صغيرة جداً من بعض المحلات المجاورة، كسرقة علبة بسكويت أو لوح من الشوكولاتة، أو بعض المأكولات التي يحبها الأطفال ويشتهونها أو بعض علب العصير، وكان الأب في المقابل يقوم بضربه بشكل وحشي زاعماً أنه بذلك يقوم بتأديبه وتقويمه، وفي مقابل ذلك كان الطفل يزيد من سوء تصرفه وسلوكه كرد فعل منطقي وطبيعي على ما كان يلقاه من ضرب وإهانة وتعذيب وسوء معاملة. في الوقت الذي يرى فيه التمييز الواضح في المعاملة مع أخوته الآخرين، إلى أن كان اليوم المحتوم حيث بادرت زوجة الأب زوجها عند عودته قبيل المغرب بأن أحد الجيران قد اشتكى من الصبي لقيامه بسرقة علبتيّ سردين من محله، هنا ثارت ثائرة الأب فقام بضرب الصبي ضرباً مبرحاً، ولما حاول تجنب ضرب أبيه له عمَد الأب إلى ربطه بشجرة في أرض الديار بمساعدة من زوجته التي جلبت له الحبل، وأحضرت له عصا غليظة، فأمسك بالعصا وراح ينهال فيها ضرباً على الولد على سائر أنحاء جسده بشكل هستيري، وعندما تعالت استغاثات الولد طلبت زوجة أبيه من زوجها أن يفكه فدفعها عنه بعيداً واستمر بضربه فيما كان صراخ الطفل يتعالى مستنجداً يستجدي الرحمة من والده بعبارات تُدمي القلب، إلى أن بدأ صوته يخفض ويضعف، فقال لأبيه “ببوس إيدك يا أبي حاجة… والله ما عاد عيدها”. في حين كان الأب مسترسلاً في ضربه، فاستجمع آخر قواه وقال له “أنا عم بموت يا أبي خلص … “.

عندما وصلتُ بالقراءة إلى هنا لم أستطع أن أحبس دموعي ألماً وحسرة على الطفل الذي لم يستطع الجوار بتدخلهم المتأخر إنقاذه من وحشية والده وجنونه، ففارق الحياة قبل أن يفكوا وثاقه من على الشجرة التي ربطه والده إليها، لتصل الشرطة فتلقي القبض عليه أولاً. ثم بعد التحقيقات ألقت القبض أيضاً على زوجته، وأحيلا إلى القضاء.

رفعتُ رأسي عن الملف بعد تفكير مليّ، التفتتُ إلى قاضي التحقيق وقلتُ له:
أنا أعتزل الوكالة يا أستاذ، لا يمكنني أن أتولى الدفاع في هكذا جريمة. ونهضتُ للانصراف، فإذبقاضي التحقيق يقف ويمد يده لي مصافحاً ويشد على يدي بقوة لم يغب مغزاها عني.
.

*محام ومستشار قانوني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى