أقلامالعناوين الرئيسية

بين قضبان الماضي .. فداء طه

لوحة :  بثينة عرابي

|| Midline-news || – الوسط …

.

استقبل الطبيب النفسي “حالة” جديدة وصلت إليه اليوم، سيدة في الأربعينيات من العمر، تبدو على وجهها علامات التعب والكآبة، لكن آثار الجمالٍ الخارجيّ والروحي الذي هاجمته ظروف الحياة كانت ما تزال تختبئ بين الملامح.. صافحت الطبيب وعرّفت باسمها، قبل أن تقول له: لم آت إليك لكي تعطيني حلاّ سحريا، بل جئتك لتستمع إليّ، فالناس في الخارج لم يعودوا يستمعون إلى بعضهم البعض، وكلّ منهم يسمع صدى صوته فقط، وكلّما هممت بالحديث مع أحدهم انفلت بالحديث عن مشاكله، وكأنما العالم في سباق يفوز فيه صاحب الهم أو المشكلة الأكبر.
أخذ الطبيب على نفسه العهد بعدم المقاطعة، وفتح أذنيه وقلبه ليستمع إلى السيّدة “الكاظمة” كلّ هذا الغيظ، قالت، وكأنها تحدّث نفسها: ما زلت أجاهد لأتمكّن من التغلّب على ذكريات الماضي المؤلمة وأمحوها من رأسي الذي تدور فيه آلاف المعارك يوميا، بين أشخاصٍ يتقاتلون ويتناحرون صباح مساء، وأنا القاسم المشترك بينهم جميعا.. ففي مواقع ينتصر الحقّ على الباطل، وفي مواقع أخرى كثيرة يسطو الباطل على الحق، ويجعله يتقوقع مكانه مرعوبا خائفا من المواجهة ودفع الثمن. تسكت قليلا ثم تستطرد: لطالما دفعت ثمن الصمود، حتى لم يتبقّ لدي شيئا لأدفعه.. في رأسي تدور آلاف بل ملايين الأفكار والهواجس، أحيانا أنام وأنا مثقلة بهموم الماضي وأوجاعه، خيانة هنا وأخرى هناك، ومواقف الخذلان لا تعدّ ولا تحصى، وكم من كلماتٍ جارحة سمعتها وضحكت كالبلهاء لأني لا أجيد فن الردّ المباشر، ولهذا أنا اليوم “أجترّ” بعض المواقف المؤلمة التي مررت بها في الماضي، وأتخيّل لو أنني قاومت أو تصرفت حينها لكان حالي غير هذا الحال اليوم، ثم أتصوّر نفسي في المستقبل وأنا منتصرة على أولئك الذين قهروني وآذوني وتكالبوا عليّ، فأجري حواراتٍ معهم، أعاتبهم فيها وأصرخ وأضحك بنشوة المنتصر، فأصبح بطلة في الخيال، رغم جُبني وترددي في الماضي، ومحاولاتي لأن أبدو أكثر خُلُقا ورقيا. أسمع صوتا كالمطحنة يكاد يفجّر أذنيّ، أو كصوت الخلاط الكهربائي، يخلط أفكاري ومشاعري مع بعضها البعض، فينهك كلّ حواسي، كم يزعجني صوت أفكاري العالي، لدرجة أنني لا أطيق سماع صوت أبنائي وهم يغنون أو يلعبون، يكفيني تلك الأصوات التي تتعالى في داخلي ولا أحد يسمعها، ولم أستطع إسكاتها حتى الآن..
ماذا أفعل؟ أحاول أن أمضي بحياتي قدما إلى الأمام، وأن أشعر بالحاضر وأتهيأ للمستقبل، لكن دون جدوى ما زلت سجينة بين قضبان في الماضي، ولا أستطيع الخروج أو الفرار منه. الماضي حمل ثقيل جدا، تؤلمني قدماي لشدة وزنه، وفي أحيان كثرة أشكو من آلام ظهرٍ فظيعة، ربما لم يكن يجدر بي تحمل كلّ هذا الثقل لأثبت لأحدٍ بأني قوية، وأني ما زلت صامدة، فلا أحد يكترث.. ربما كان يجب أن أهرب فغنائم المعركة لا تستحق كل تلك التضحيات، لا سيما وأن من تحارب لأجله قد باع نفسه رخيصا للعدو !
بات عمري ألف سنة وأنا أكافح من أجل البقاء في مكاني، دون أن تقتلعني رياح الكيد والمكر، وعواصف الكراهية التي تقتلع النساء من بيوتهن وتحرمهن من أطفالهن واستقرارهن، لكن صمودي أتعبني كثيرا، أصبحت لا أقوى على المشي ولا أستسيغ طعم الحياة، ألهذا الحدّ مجتمعنا ظالم للنساء، ألهذا الحدّ على المرأة أن تضحي من أجل أن تصمد في بيتها، دون أن يشعر أحد ما ببطولاتها وتضحياتها؟! بالأمس كرهت الحب وكرهت الحرب والتضحيات، بعد أن وجدت نفسي وحيدة على أرض المعركة، وهرب كلّ الجنود الذين كانوا خلفي، وكنت أدافع عنهم، ليبحث كلّ منهم عن سعادته الخاصة، أصبحت أريد أن أعيش الحياة كما هي، أعيش لنفسي وأنظر إلى مستقبلي الذي فقدته وأنا أخوض المعارك اليومية، بحثت كثيرا، تألمت، هاجمتني الأفكار وعلقت في الماضي لسنوات بعيدة، استيقظت في صباح اليوم التالي، حملت الورقة والقلم وبدأت معركة الكتابة وربحتها.. ربحت معركة لأول مرة في حياتي. فهل ربحت حقا أيها الطبيب؟!

.

*إعلامية وكاتبة من الاردن
*(اللوحة للفنانة التشكيلية بثينة عرابي  – سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق