إضاءاتالعناوين الرئيسية

“بول موريا” .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …

.

للطبيب الشاعر “وجيه البارودي” أفضال متعددة على حماة وشعبها الكريم الذي أحبَّه وقدَّره نظير صنائعه وجمائله التي حفظها، ولكن إحدى هذه الفضائل بقيت محصورة ضمن بيئة صغيرة نسبياً، أعني بها ابنه “خلدون البارودي”، الذي اغترب لفترة في “لندن/بريطانيا” ثم عاد إلى حماة في بداية السبعينات، حاملاً معه أحدث التقنيات البريطانية في مجال التسجيل والصوتيات، معدات فخمة عالية الجودة من ماركة Kenwood بالإضافة لأرشيف ضخم جداً من أسطوانات 33 دورة من أمهات شركات التسجيل العالمية، وافتتح محله في ساحة العاصي بجانب فندق بسمان، وغدا قِبلة لهواة الاستماع الراقي من أبناء حماة.

كان لي ولصديقي “سمير كلاس” حظوة خاصة عند خلدون، فقد كان يسمح لنا أن نختار بعض الأغنيات من أي أسطوانة لنقلها على أشرطة كاسيت، فصار كل منا يختار بعض الأعمال الموسيقية بما مجموعه زمنياً ساعتين، ثم نسخ كل منا شريط الآخر. وهكذا امتلكت أول شريطي كاسيت مدة كل منهما ساعة، فيهما أعمال مختارة من قائد الأوركسترا الفرنسي الشهير بول موريا Paul Mauriat، وخلال سنيتن صارت مدة كل شريط 63 دقيقة مع انخفاض في سماع الترددات العالية وزيادة الترددات المنخفضة بسبب كثرة الاستماع التي “مَطَّت” شريط التسجيل.
كمستمع شرقي في حقبة زمنية بخيلة في ما يماثل هذه الإنجازات، أصبت بولع شديد سببه ذلك التوزيع الموسيقي بالغ الأناقة والدقة لأغنيات غربية نعرفها من أصحابها الأصليين، لكنها كنسخة موسيقية فقط دون غناء Instrumental شدتنا أكثر لأنها تسمح لنا بالتركيز على العنصر الموسيقي فقط.
وُلد “بول موريا” في مرسيليا/فرنسا عام 1925، وكان والده مفتشًا بريديًا يحب العزف على البيانو والكمان، فبدأ “بول” بعزف الموسيقا في سن الرابعة. وفي عام 1935، عندما كان في العاشرة من عمره، التحق بالمعهد الموسيقي في مرسيليا لدراسة الموسيقا الكلاسيكية، ولكن عندما صار عمره 17 عامًا، وقع في حب موسيقا الجاز والموسيقا الشعبية. و عندما غدا شابًا بالغًا، بدأ موريا فرقته الخاصة للرقص وقام بجولة في قاعات الحفلات الموسيقية في جميع أنحاء أوروبا طوال الأربعينيات. وفي الخمسينيات من القرن الماضي، أصبح موريات المخرج الموسيقي (الموزع) لاثنين على الأقل من المطربين الفرنسيين المعروفين ، “شارل أزنافور Charles Aznavour” و”موريس شوفالييه Maurice “Chevalier، وقام بجولات متعددة مع كليهما.
كانت أول تسجيلات استوديو في عام 1957، أصدر “موريا” أول أسطوانة له وهو إصدار RGM. نالت إحدى أغانيه الأولى Rendez-vous au Lavandou، التي كتبها بالاشتراك مع André Pascal جائزة “الديك الذهبي” Le Coq d’or de la Chanson Française لعام 1958.
كان ألبومه Surpris’ Partie عام 1957 مفاجأة بالفعل، فقد كان مبنياً في أغلبه على الإيقاعات اللاتينية التي كانت دارجة آنذاك، مع توزيع جذاب بأسلوب الجاز عبر توظيف رائع الآلات النحاسية، ولكنه في آخر أغنية من الوجه الأول للألبوم Usignolo أظهر براعة فائقة في الكتابة للوتريات بأسلوب الجاز. وافتتح الوجه الثاني من الألبوم بأغنية “Day O” المعروفة باسم The Banana Boat Song وهي من الأغنيات التقليدية في جامايكا، فقدمها بالقالب اللاتيني الجاز ببراعة متناهية، قام لاحقاً “ديميس روسوس” بغنائها عام 1977 ضمن ألبومه Magic.
سنة 1968، وبعد أن كتب العديد من الأغنيات للمغنية “ميراي ماتيو” وللمغني “شارل آزنافور”، قدم أغنيته “الحب حزين L’amour est bleu”، وعندما أنجز منها نسختها باللغة الانكليزية “Love Is Blue”، أمضت هذه النسخة خمسة أسابيع متواصلة في المرتبة الأولى في الولايات المتحدة وعلى عدة لوائح من قوائم بيلبورد، وكانت آنذاك الأغنية الأميركية الأولى التي تم تسجيلها في فرنسا. وكان نجاح الأغنية ونجاح ألبومها ” Blooming Hits” جعل موريا نجم تسجيل دولياَ.
تعرَّف العالم على “بول موريا” بعد أن تناول أغنية شعبية ضاربة لفرقة Bimbo Jet الفرنسية بتوزيعه الأنيق ومعالجته الأوركسترالية الرفيعة مستنداً إلى أسلوب “الاستماع السهل Easy Listening” الذي تحدثت عنه في مقال سابق، فكانت موسيقا El Bimbo”” التي أصدرها على أسطوانة 45 دورة صغيرة سنة 1974 مع شركة “فيليبس” في كل من ألمانيا، إسبانيا، بريطانيا، اليابان، إيطاليا والمكسيك عملاً ضارباً اكتسح سوق السماع في العالم كله، وكانت فاتحة انطلاق موريا العالمية وخصوصاً في اليابان، فهو الفنان الدولي الوحيد الذي قدم عرضين مباعين في يوم واحد في الساحة الشهيرة “نيبون بودوكان” في “طوكيو”.
بالرغم من ولع “موريا” بموسيقا البوب، والاستماع السهل، إلا أنه لم ينس جذوره الكلاسيكية، فأصدر ثلاثة ألبومات تحمل عنوان Classics in the Air 1،2،3 ، كما أصدر ألبوما خاصاً باختياراته من موسيقا “شوبان”. لكن شهرته كانت مبنية على ما يعيد توزيعه من الأغنيات الشعبية “البوب” الناجحة تجارياً. بعكس ما يصر عليه بعض الموسيقيين الأكاديميين في بلادنا عندما يتوجهون بالنقد غير العادل لكل ما هو موسيقا شعبية وخصوصاً ما كان ناجحاً تجاريا بدون أن يقدموا أي عمل خاص شعبي بديل يحمل ما يتحدثون عنه من أفكار.
تقاعد موريا عن الأداء في عام 1998، بعد أن قدم أداءه الأخير في حفل سايونارا Sayonara، الذي تم تسجيله على الهواء مباشرة في أوساكا/اليابان. لكن فرقته استمرت في التجول حول العالم حيث أصبح عازف البيانو السابق في فرقة موريا “جيل غامبوس Gilles Gambus” الذي عمل معه 25 عاماً، هو قائد الأوركسترا في عام 2000 وقاد جولات ناجحة في اليابان والصين وروسيا. ثم قاد عازف الهورن Jean-Jacques Justafré الأوركسترا خلال جولة في اليابان وكوريا. وفي 3 نوفمبر 2006 ، توفي بول موريا في Perpignan فرنسا عن عمر يناهز 81 عامًا، ودفن في مقبرة بربينيان الجنوبية في Columbarium.
قدم “موريا” مئات الألبومات بأسلوب الـ Easy Listenin، وكان كل ما أسمعه من هذه الأعمال بمثابة دروس خصوصية في مجال التوزيع الأوركسترالي ولا سيما الكتابة للوتريات. فكان “بول موريا” بالنسبة لي الأستاذ الأول الذي قدم لي رؤية وخيالاً ثمينين في هذا المجال، وكان المعلم الثاني والأعظم شأناً في التوزيع الهارموني والأوركسترالي هو البريطاني العظيم “رون غودوين Ron Goodwin”.
أتمنى أن تستمتعوا في ما اخترته لكم من روائع أعمال هذا العبقري عبر الروابط المرفقة أدناه.
.

*(مراد داغوم.. مؤلف وموزع وناقد موسيقي – سوريا)

.
الروابط:
El Bimbo
VIENS VIENS – Marie Lafôret))
الرقصة المجرية رقم Hungarian Dance nº 5 من الكلاسيك بأسلوب سهل الاستماع مع تنويعات رائعة
Taka Takata – أغنية جو داسان Joe Dassin بلوازم وتريات مدهشة
Czardas – كلاسيك غجري بأسلوب الـ Easy Listening مع مقدمة رائعة للترومبيت
Ne me Quite pas (If you go away) – أغنية جاك بريل Jacques Brel
Après toi – أغنية “فيكي لاندروس Vicky Leandros” الفائزة بالمرتبة الأولى بمسابقة الأغنية الأوروبية 1971
Sympathy – فريقRARE BIRD 1969
أغنية فيلم “رجل وامرأة Un homme et une femme” 1966
Symphony No. 40 – السيمفونية 40 لموتزارت بأسلوب الـ Easy Listening
Pardonne Moi – أغنية Mireille Mathieu 1970
Delilah – أغنية “Tom Jones” 1968
Que je t aime – أغنية “جوني هوليدي Johnny Hallyday”
أعجبني

 

تعليق
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى