إضاءاتالعناوين الرئيسية

“بلياتشو” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

فجأة يرنّ هاتف المنزل..
أنا: من حضرتك؟
هي بغنج: عامر!!! أنا لمياء.
أنا : ومن تكون لمياء؟
هي بإغراء فاضح: عليك أن تسأل خالك!

أنا مرتبكاً: وما علاقة خالي بالموضوع؟
هي بعد أن همهمت: لن أجيبَك الآن يا شب.. عليك أن تسألَه!
أنا بحزم: حسناً.. سأقفل الخط ريثما أسأله، ولكِ بعدها أن تعيدي الاتصال في الغد.. فإن رأيتُ الأمرَ مناسباً سنتابع حديثنا، وإلا فلن أجيبَك.. والآن عمتِ مساءً سيدتي.
هي بدلع: آنسة لو سمحت.
أنا بارتباك: قصدتُ الاحترام بكلمة سيدتي، على أيّة حال أنا آسف.
وعلى الفور اتّصلت بالخال أستوضحُ عن لمياء.
أنا: مرحبا خال
الخال: أهلاً وسهلاً بالحكيم
أنا ومن دون مقدمات: من تكون لمياء؟
ضحك الخال ضحكة عالية وصلت حد القهقهة ثم قال: هي زميلتي في العمل.
قلت شبهَ غاضب: وما علاقتي أنا بالموضوع حتى تعطيَ زميلتَك في العمل رقمَ هاتف البيت لتهاتفَني؟
عاد الخال للقهقهة قائلاً: أنت تعرف يا ابن اختي الغالي أنني أخجل كثيراً من الحديث مع البنات.
قلت: نعم.. وما علاقة ذلك بي؟
قال: هوّن عليك، سأشرح لك كل شيء بالتفصيل.
قلت: طيب هات ما عندك
قال: لمياء هي زميلتي في العمل، ويقع مكتبُها مقابل مكتبي، وهي تحاول منذ أمدٍ بعيد أن تكلّمَني وتتقرّب منّي،
وأنا لا حولَ لي ولا قوّة، أرتجف كثيراً عندما تحدّثُني وأرتبك، فهي ليست من طينتي، تراها تمضغ العلكةَ حين تكلّمُني وتغمزني أثناء كلامها معي، وأنا أحاول تجنُّبَها طوال وقت العمل.
قلت ضاحكاً: هات ما عندك يا خال يا قاهرَ قلوبِ العذارى!
قال: والمشكلة أنها حدثتني البارحة بحديث مريب، واقتربت مني حتى كادت تلتصقُ بي، ثم سلّمت علي باليد فارتعشتُ وتعرّقت كثيراً ولا أعرف كيف تخلّصت منها وقلت لها إنني…..
قلت: ماذا قلت؟
قال: لا شيء خرجت من المكتب بحجّة الذهاب إلى دورة المياه ثم أخذت إجازة وهربت إلى البيت.
قلت: إلى الآن لم أعرف ما علاقتي بالموضوع؟
قال: حلمك علي.. عندما عدت إلى البيت حدّثَتني بالهاتف لتسأل إن كنتُ بخير بعد أن تركت المكتب ولم أعد.
قلت: تابع.
قال: ثم طلبت مني أن نلتقيَ معاً خارج المكتب لنشرب فنجاناً من القهوة، وأنا خفتُ كثيراً، ولا أعرف لماذا قلت لها إنني مرتبط، ولا أعرف أيضاً كيف تماديتُ بالحديث معها وقلت لها إن لي ابنَ اختٍ لطيفاً، وجامعيّاً على وشك التخرج ويمكنكِ التحدّثُ معه.
قلت: وبعدين؟
قال: ببساطة أعطيتُها رقم هاتفكم في البيت.
قلت:مممممم … وماذا تريد مني الآن؟
قال: أرجوك أن تحاول الحديث معها، وأن تشرح لها أنني لستُ راغباً فيها، فأنت تعرف خجلي وصعوبةَ أن أتحدّث مع امرأة خارج الإطار الشرعيّ، وأخاف من زملائي في العمل أن يشكّوا بأخلاقي، فأنا محترمٌ جداً بينهم، أما هي فمعروفة بأنّها تبحث عن عريس، وأنا لا أريد أن يظنّ أحدٌ بي ظنّاً سيئاً إن شوهدتُ أحدّثُها.
قلت ساخراً: تقصد أن ألهيَها عنك وأن أصادقَها؟
ضحك الخال ثم قال: لا يا حبيبي.. لم أقصد ذلك، لكن أريدها أن تتركَني وشأني، أرجوك أن توصل لها هذه الرّسالة بأسلوبك، فأنت لديك صديقات كثيرات في الجامعة، وتعرف كيف تتعامل مع الجنس اللطيف، أما أنا فواحسرتاه رجل خام لا يعرف عن الحب إلا كلمة أوحشتني.. هو معروف لن أنساه لك.
قلت: طيب، وصمتُّ لحظةً وسألته: هل هي جميلة؟
قال: لا أعرف حقيقة حتى أنني لا أراها وجهاً لوجه إلا خطفاً.
قلت له: معقول؟؟ أمعقول أنّك لا تعرف إن كانت جميلة أم لا؟؟
قال: والله لم أتأمّل وجهها، فأنا أستحي النظرَ إليها، لا بل في وجوهِ النساء عموماً.
قلت: حسناً سأفعل ما أستطيع فعله، ولو أنني لم أستلطف حديثها البارحة معي، فهي فتاة لا تملك حياءَ العذارى،
كلّمتني بدلع وجرأة غير معهودتين من امرأةٍ تتكلم معك لأوّل مرة.
قال: صبراً عليّ يا ابن أخت.. أرجوك أن تكلّمَها وتُفهمَها أني لست من مريديها.
قلت: أمري لله، سأفعل ما أستطيع فعلَه كرمى لعين الخال.
وهكذا عاودت لمياء الاتّصال في اليوم التالي ليجيبَها أبي الذي ناداني قائلاً: صبية اسمها لمياء تريدك.
أخذت سماعة الهاتف منه ثم قلت: أهلا وسهلاً
قالت بغنج بالغ:من معي؟؟ عامر؟؟
ولا أخفي في هذا المقام أن لمياء داعبت مشاعري بدلعها الزائد عندما نطقت باسمي، وكأنني أسمعه جميلاً لأول مرة في حياتي، ما جعلني أرتبك قليلاً بالحديث معها، بالرغم من كوني أكثرَ جرأةً من خالي،
لا أدري لماذا رغبتُ في خوض هذه المغامرة والسير فيها حتى النّهاية.. وفي الوقت نفسِه كان عندي رهبةٌ من الانخراطِ في علاقة قد لا تُحمَد عقباها.
عادت فقالت لي: متى لي أن أرى وجهَك يا حلو.. لقد أتعب خالُك فؤادي لكثرة ما تحدّث عنك وعن بهاء طلعتِكَ ووسامتك.
خجلتُ أيّما خجل من هذا التغزل لكنني تحاملت على نفسي محاولاً إظهارَ كاريزما نجوم السينما المحترفين الذين يبدون وكأنه لا يعنيهم غزلُ جماهيرِهم من النساء.
قلت لها: كيف حالك؟
قالت: أولا تريد أن تراني لتتعرّف على حالي؟
قلت لها بخجل: نعم أريد أن أحدّثَك بشأن خالي.
قالت لي وكأنّ فمها يتقطر شهداً: نعم أريد أن أراك يا حبيبي لأكلّمك عن خالك.
قلت لها وقد خفق قلبي بشدّة من دلالها ونعتي بالحبيب: حسناً.. متى وكيف؟
قالت: أخرجُ من الشركة التي أعمل بها أنا وخالك في تمام الساعة الثانية والنصف، وسأتوقف بانتظارك أمام باب الفرن الذي يقع قرب الشركة، هل تعرفه؟ أقصد الفرن؟
قلت: نعم أظن ذلك، تقصدين فرن السفراء في شارع 29 أيار؟
قالت: هو بالضبط.
قلت: وكيف لي أن أعرفك من بين جموع الموظفات اللاتي سيخرجن معك من الشركة؟
قالت: هو عليك هين جداً.. سترى أجملَ فتاة يمكن أن تراها، واقفةً بانتظارك أمام باب الفرن.
ضحكتُ ثم عدت لأقول: لا أشك في ذلك، فصوتك جميل وكأنه لحنٌ من أغنيةٍ كلثوميّة.
قالت: نعم.. والقلب يعشق كلّ جميل.
قلت لها: حسناً أرجو أن تزيدي في الوصف أخشى أن أضيّعَكِ.
قالت وهي تدندن بأغنية فيروز: يا حلو شو بخاف إني ضيعك، ثم عادت فضحكت ضحكةَ ملكة الإغراء هند رستم في فيلمها “صراع في النيل” مع رشدي أباظة، وتابعت القول: ألبس فستاناً وردياً، وأحمل حقيبةً سوداء، وأضع منديلَ شعر يغطي نصف رأسي لونُه سماويّ.
قلت: ممممم وبعد أن أراك أين سنجلس ونتحدث؟
قالت: هناك مقهى في أول شارع بغداد، يمكننا أن نشرب فيه فنجان قهوة ونتحدث عن حالك قصدي عن خالك.
قلت: وهو كذلك سأكون على الموعد إن شاء الله ، إلى اللقاء.
قالت: مع السلامة يا روح خالك.
لا أعرف كيف ساقتني قدماي لخوض مغامرة كهذه، وكيف تورّطتُ بقصة ظاهرُها إيصالُ رسالةٍ وباطنُها الله يعلم. مع ذلك لم أصُدَّ رغبتي الجامحة في التعرّف إلى تلك الفاتنةِ آسرةِ الصوت.
كان انتظاري حتى الساعة الثانية والنصف من اليوم التالي طويلاً جداً حاولت خلال الليل أن استجمعَ أرقّ الكلام وأكتبَ كلّ عبارات الإعجاب والتودّد، فلربّما احتجتُها للمياء، وحفظتُها عن ظهر قلب.
وحينما اقترب موعدُ اللقاء ارتديتُ أجمل ما لدي من لباس، ثم صفّفت شعري بطريقة تشبه تسريحة ألفيس بريسلي، مع قليل من البريل كريم، ووضعت نظارة شمسيّة سوداء كان أخي قد نسيها في البيت قبل سفره لأمريكا، وانطلقت من بيتي القريب من فرن السفراء بعد أن طلبت من أبي إعطائي حصّتي الشهرية من النقود قبل بدايةِ الشهر بنحو أسبوع تحسّباً لدفع فاتورةِ فنجاني القهوة فوافق على مضض.
وقفت على الرصيف المقابل أنتظرُ أن تقف لمياء أمام باب الفرن. وعندما حان وقتُ الموعد رأيت مجموعة كبيرة من الموظفين الذين خرجوا من الشركة التي يعمل بها خالي يقفون أمام باب الفرن فلم أستطع تمييزَ لمياء عن غيرها، فقررت الاقتراب رويداً رويداً إلى أن وصلت باب الفرن، فدخلت في صفّ الواقفين هناك إلى أن لمحتُ امرأةً في عمر يزيد عن الثلاثين تقف على باب الفرن تشبه الوصفَ الذي حكت عنه لمياء في هاتف أمسِ.
نظرت إليها فإذا هي امرأةٌ بدينة شديدة السمرة، ذاتُ أنف مفلطح وعيونٍ سوداءَ واسعةٍ مطموسة بالكحل، وشفاهٍ سميكة مدهونة بأحمرِ شفاه فاقع اللون، ووجنتين تلمعان بطبقة كثيفة من كريم الأساس، وما إن رأتني اقتربت منها أتأمّلُها حتى ابتسمت ابتسامةً واسعة أظهرت أسنانها الصفراء المتباعدة.
وعلى الفور صاحت بفرح: عامر؟؟
لم أعرف ماذا أتصرّف بعد أن شاهدتُها فقلت لها مذهولاً: عفواً ؟؟ من؟؟ عامر؟؟
قالت متعجبةً: ألست عامر؟؟
قلت لها بتردد: أنا ؟ لا أنا .. أنا مين؟؟ أنا عماد!! قصدي فؤاد.. نعم.. أنا فؤاد.
قالت: طيب ما دمت لست بعامر فلماذا تنظر إلي إذن هذه النظرةَ الشريرة أيها المتطفل؟
قلت لها: العفو أيُّ نظرة شريرة؟؟ أحببت فقط أن أسألك إن كنت تقفين بالدور لشراء الخبز. آه.. للمناسبة متى يبدأ بيعُ الخبز ؟
قالت: يقطع عمرك ما أثقلك وما أقرفك.
قلت لها: الله يسامحك أيتها الأميرة.
وما كان مني حينها إلا أن انطلقتُ هارباً من جحيم كاد خالي يحرقني فيه.
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى