العناوين الرئيسيةخاص الوسط

بعد 38 عاماً..مجزرة “صبرا وشاتيلا”.. جراح لن تندمل !

خـــــــــــاص  – || Midline-news || – الوسط …

تبقى مجزرة “صبرا وشاتيلا” جرحاً نازفاً في الذاكرة الفلسطينية، فهي لم تكن أول مجازر الاحتلال بحق الفلسطينيين ولا آخرها، إذ تحضر قبلها مجازر “الطنطورة” و”قبية” و”دير ياسين”.. وبعدها مذبحة “مخيم جنين”، ومجازر منسية أخرى بغزة والضفة، لكن بشاعتها وظروفها شكلتا علامة فارقة في مسار المأساة الفلسطينية.

 فرغم مرور 38 عاماً، لا تزال مشاهد الذبح وبقر بطون الحوامل واغتصاب النساء ماثلة في ذاكرة من نجوا من هذه المجزرة التي استمرت 43 ساعة متواصلة، منذ مساء الخميس 16 أيلول إلى ظهر السبت 18 أيلول 1982، في منطقة صبرا ومخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين .

و إلى اليوم لا يعرف أحد عدد شهداء المجزرة، لكن أدق الأرقام هو 3500 شهيد من أصل عشرين ألف نسمة كانوا يسكنون صبرا وشاتيلا وقت حدوث المجزرة، معظمهم فلسطينيون تعرضوا “للقتل الممنهج”، فيما قُدر وجود مئات اللبنانيين بينهم. 

وفق روايات سكان من المخيمين شهدوا المجزرة، بدأت أحداث “صبرا وشاتيلا” في الشطر الغربي من العاصمة بيروت قبل غروب شمس يوم السادس عشر من أيلول، أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بعدما أعطى وزير الدفاع آنذاك “أرييل شارون” أوامر بتطويق المخيمين، و فرض الجيش الحصار المشدد عليهما، وإنارة المنطقة ليلاً بالقنابل المضيئة، ومنع هرب أي شخص، وعزل المخيَّمَيْن عن العالم لتسهيل اقتحامهما من قبل ميليشيات لبنانية مسلحة مدعومة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وإتاحة قتل الفلسطينيين دون خسارة رصاصة واحدة.

الميليشيا المقتحمة كانت مكونة من المنتمين لـ”حزب الكتائب” اللبناني ، بالإضافة إلى ميليشيا “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة سعد حداد، الذي كان رائداً في الجيش ويقود وحدة عسكرية تضم أربعمئة جندي في بلدة القليعة جنوب لبنان، قبل أن ينشق عن الجيش ويتحالف مع إسرائيل مشكلاً تلك الميليشيا المناهضة للوجود الفلسطيني في لبنان.

لكن مقدمات تلك المجزرة تم التحضير لها يومي 13 و14 من سبتمبر/أيلول 1982، عندما تقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المحمية بغطاء جوي كثيف إلى داخل العاصمة بيروت، بعد أن غادرها مقاتلو “منظمة التحرير الفلسطينية“، ونشرت عشرات الدبابات على أطراف مخيمي “صبرا وشاتيلا”، وتزامن ذلك مع اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول، في انفجار هز مقر قيادة الكتائب اللبنانية

بذلك الهجوم ، خرقت إسرائيل اتفاق “فيليب حبيب” – المبعوث الخاص للرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان إلى الشرق الأوسط- وهو أول اتفاق رسمي يتم التوصل إليه بين منظمة التحرير و حكومة الإحتلال، و تم التوقيع عليه في 24 يوليو/تموز 1981.

نص الاتفاق وقتها على وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وانسحاب مقاتلي المنظمة، مقابل التعهد بحماية المخيمات واللاجئين في لبنان، وعدم دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت، مع نشر قوات متعددة الجنسيات لضمان ذلك.

لكن مع حلول ظلام يوم 16 سبتمبر/أيلول 1982،وتحت ذريعة وجود 1500-2500 مقاتل فلسطيني تخلفوا عن اللحاق بزملائهم المقاتلين على ظهر الباخرات التي نقلتهم إلى منافٍ جديدة، حاصرت القوات الاسرائيلية بأوامر من ارئيل شارون ورفائيل ايتان، منطقة صبرا وشاتيلا الكبرى والفاكهاني، و بدأ جنود الجيش الإسرائيلي ومجموعات من مقاتلي حزب “الكتائب اللبناني”، وجيش “لبنان الجنوبي” التقدم عبر الأزقة الجنوبية الغربية لمخيمي” صبرا وشاتيلا” مقابل مستشفى “عكا“، في منطقة كانت تسمى “الحرش”، وانتشروا في جميع شوارع المخيم وسيطروا عليه بشكل كامل.

وعلى مدار ثلاثة أيام بلياليها، ارتكبت المجموعات المسلحة والجنود الإسرائيليون مذابح بشعة ضد أهالي المخيم العزل، “يعجز اللسان عن وصفها، سوى أنها أحد أفظع وأبشع المجازر التي ارتكبت على مدار التاريخ الإنساني”، وفق تقارير و شهادات دولية صدرت لاحقاً.

يقول  أحد الشهود: “كان المشهد مرعباً، فالجثث والأشلاء والدماء مبعثرة في كل مكان، والجرحى الذين تم التنكيل بأجسادهم كانوا يصرخون دون مجيب، وكان المجرمون يكبلون الفتيات بالسلاسل قبل أن يغتصبوهن بوحشية ويقطعوا أجسادهن بالسكاكين”.

صباح الجمعة 17 أيلول، بدأت معالم المجزرة تتضح لمعظم سكان المنطقة، بعد أن شاهدوا الجثث، والجرافات وهي تهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها وتدفنهم أمواتاً وأحياء، فبدأت حالات فرار فردية وجماعية توجه معظمها الى مستشفيات عكا وغزة ومأوى العجزة، واستطاع عدد من المدنيين الخروج متسللاً من حرش ثابت، فيما بقيت عائلات وبيوت لا تعرف ما الذي يجري، وكان مصير بعضها القتل وهي مجتمعة حول مائدة الطعام، ذلك أن القتل كان يتم ” بصمت وسرعة”.!!

و رغم أن الشهادات والوقائع تؤكد أن العدد الأكبر من الشهداء سقطوا في الليلة الأولى للمجرزة، ليلة الخميس، لكن أساليب القتل تطورت، وأضيف اليها القنابل الفوسفورية التي ألقيت في الملاجئ.

كما تم اقتحام  مستشفى عكا، وقتل ممرضين وأطباء فلسطينيين واختطاف مرضى ومصابين وهاربين من المجزرة من داخل المستشفى

وتميَّز اليوم الثاني بالقتل في داخل البيوت بشكل أكبر، وفي بعض الأزقة وعلى مقربة من السفارة الكويتية والمدينة الرياضية، حيث كانت هناك حُفر جاهزة بفعل الصواريخ الاسرائيلية التي سقطت على المدينة الرياضية أثناء اجتياح بيروت في حزيران 1982.

وبفعل وجود بعض الألغام وانفجارها، تمكن بعض المخطوفين والمنساقين للموت من الهروب في ظل فوضى الأعداد الهائلة من المحتشدين الذين ينتظرون دورهم في الاصابة بالرصاص أو حتى الدفن أحياء، ومن تمكن منهم من الهرب روى تفاصيل قاهرة لطريقة التعامل مع الأهالي، وطرق قتلهم التي تفنن فيها القاتل وهو يضحك ويشتم.

وفي اليوم الثالث، السبت 18 أيلول، استمرت عمليات القتل والذبح والخطف، رغم أن التعليمات كما قالت مصادر اسرائيلية صدرت للمهاجمين بالانسحاب في العاشرة صباحاً، لكن عشرات الشهادات للسكان أكدت استمرار المجزرة لحدود الساعة الواحدة بعد الظهر، وتميزت بعمليات الموت الجماعية العلنية، وبدأ التحقيق مع أهالي المنطقة في المدينة الرياضية من قبل الكتائب اللبنانية و القوات الاسرائيلية، وجرى اعتقال واختطاف العشرات، معظمهم لم يعد ولم يُعرف مصيره

بالمقابل ، وبين بيوت وأزقة المخيم المنكوبة، كانت هناك مجموعة من الشباب الذين يزيد عددهم قليلاً عن عدد أصابع اليدين، يتنقلون وهم يحملون بنادقهم الخفيفة ويحاولون منع تقدم “القوات الغازية” في منطقة محور “الكلية الحربية” وسط المخيم.

وعملت هذه المجموعة على إنقاذ الآلاف من وسط المخيم وشماله، بعد أن أخرجوهم بأمان إلى مستشفى “غزة” ومنها إلى وسط العاصمة بيروت.

أخيراً، وعقب انتهاء المجزرة، دخلت الجرافات الإسرائيلية لجرف المخيم وهدم المنازل لإخفاء الجريمة.

لكن، ورغم دموية هذه المجزرة فإن المجتمع الدولي لم يفتح أي تحقيق في تفاصيلها،  بينما استجابت إسرائيل لضغوطات دفعتها لتشكيل ما عرف باسم “لجنة كاهن” العام 1982، وهي لجنة تحقيق قضائية للتحري في ظروف المجزرة والمسؤولين عنها.

و نشرت”لجنة كاهن” تقريراً نهائياً حول تحقيقها عام 1983، واستنتجت فيه أن المسؤول المباشر عن قيادة هذه المذابح هو “إيلي حبيقة”، مسؤول قوات “حزب الكتائب” بلبنان آنذاك والذي قتل لاحقاً بتفجير سيارة مفخخة في بيروت عام 2002.

كما ذكر التقرير بأنه لا توجد إثباتات على أن (الجيش الإسرائيلي) كان ضالعاً بصورة مباشرة في المجزرة، لكن اللجنة أكدت أن ضباط الجيش علموا في مرحلة معينة بالمجزرة التي كانت لا تزال جارية، ولم يفعلوا شيئا من أجل وقفها، وأوصت اللجنة بإقالة وزير الدفاع في حينه “أرييل شارون“، وهو ما تم فعلاً، وعدم تعيينه في مثل هذا المنصب مستقبلاً، لكن بعد عشرين عاماً من الواقعة، تم انتخاب المجرم “شارون” رئيساً للوزراء.

وهكذا، لم تصل كل الدعاوى القضائية التي رفعت ضد شارون في لبنان وبلجيكا إلى خواتيمها لمحاسبته على هذه الجريمة -كما بقية المشاركين فيها – وظل يتبوأ مناصب رفيعة مستمراً بسياسة قتل الفلسطينيين في غزة، إلى أن أصيب بجلطة دماغية في العام 2005 ودخل في حالة غيبوبة موت دماغي انتهت بوفاته عام  2014.

من جهته، نقل إعلام الكيان الاسرائيلي لاحقاً تقارير و إفادات صحفية أكدت على التورط المباشر لقوات الاحتلال الاسرائيلي و ضباطه بأحداث هذه المجزرة خلال فترة اجتياح لبنان، ومنهم المراسل العسكري لصجيفة ” هآرتس” ، زئيف شيف، الذي علم بالمجزرة وقت ارتكابها، واتصل بوزير الإعلام “مردخاي تسيبوري” وأبلغه بأنه يجري ارتكاب مجزرة على أيدي حزب “الكتائب اللبنانية” في مخيمي “صبرا وشاتيلا”.

وتابعت”هآرتس” في سرد الأحداث بأن مراسلها “تسيبوري” أبلغ أيضاً وزير الخارجية -حينذاك- “إسحق شامير” بأمر المجزرة، ولكن “إسرائيل لم تفعل شيئاً، علماً بأن جيشها كان موجوداً ببيروت”، وفق تعبير الصحيفة.

كما أثارت تصريحات لاحقة لمخرج هولندي من أصل يهودي، اتهم فيها “شارون” بالقتل المباشر، إبان تولي هذا الأخير منصب وزير الدفاع الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي، عاصفة في إسرائيل، حين صرح لصجيفة هولندية بأنه رأى  شارون يقتل بمسدسه الشخصي طفلين فلسطينيين في مخيمي “صبرا وشاتيلا” بلبنان عام 1982.

ونقلت صحيفة “فولكسكرانت” الهولندية تفاصيل مقابلة أجرتها مع المخرج الهولندي اليهودي “جورج سلويتسر”، أكد فيها أن “شارون” أطلق النار من مسدس على طفلين فلسطينيين بحضوره “وكأنه يطلق النار على أرانب” عند مدخل “صبرا وشاتيلا”.
وأضاف “سلويتسر” أنه شاهد عملية القتل هذه بينما كان يعمل على إعداد فيلم وثائقي في لبنان، واصفاً الحادثة بقوله:”كنت واقفاً قريباً جداً منه (شارون)، وقد أطلق النار عليهما من مسافة عشرة أمتار تقريباً بمسدس كان في حزامه”.
بدوره، وصف الصحفي البريطاني “روبرت فيسك” الذي زار مخيم شاتيلا صبيحة السبت 18 أيلول 1982 ما حدث بأنه “أفظع عمل ارهابي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث”، ويقول “فيسك” إنه لايزال يشتم رائحة الظلم في كل زيارة يتوجه فيها إلى المكان الذي قتل فيه أكثر من 1700 فلسطيني قبل ثمان وثلاثين عاماً دون محاكمات.

وينقل “فيسك “في مقال نشر سابقاً بصحيفة “ذي إندبندنت – The Independent” عن “أبو نور”، الذي كان في سن المراهقة عندما فر من مخيم شاتيلا إلى الجبال، قوله “لقد طالبنا بالعدالة والمحاكمات الدولية، ولكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث”.

ويتابع الصحفي البريطاني في مقاله السابق بأن رؤساء دول وحكومات يصطفون الآن في “مانهاتن بنيويورك” لتأبين ضحايا أحداث 11 أيلول / سبتمبر، في حين لم يتجرأ زعيم غربي على زيارة القبور الجماعية التي تغطيها أشجار قذرة وصور باهتة للضحايا في “صبرا وشاتيلا”، كما لم يحاول أي زعيم عربي على مدى العقود الماضية زيارة مقبرة جماعية تضم 600 شهيد من أصل 1700 فلسطيني.

ويشير “فيسك” إلى أن زياراته المتكررة للمخيم عاماً بعد عام، ساهمت في استكمال رواية مذهلة، حيث إن التحقيقات التي قام بها إلى جانب الصحفي النرويجي “كارستين تفيت” تثبت أن العديد من الرجال الفلسطينيين الذين سلمتهم إسرائيل إلى الميليشيات اللبنانية المتورطة وقتها، أعدموا بعد أيام قليلة من اعتقالهم.

وحتى اليوم، لا تزال (إسرائيل) ترفض كشف الوثائق المتعلقة بهذه المجزرة التي استمرت تحت غطاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، رغم الطلبات المتكررة التي تقدم بها خبراء ومراكز أبحاث و صحفيون للاطلاع على وثائق لا تزال تخضع للسرية في أرشيف الدولة العبرية المحتلة.

وهي وثائق تنقسم إلى مجموعتين، المجموعة الأولى تشمل مراسلات أمنية ما زالت سرية وموجودة في أرشيف الجيش الإسرائيلي، والثانية تشمل خلاصة وثائق “لجنة كاهن” التي تم تشكيلها للتحقيق في المجزرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق