إعلام - نيوميديا

بعد فشل إجراءات الحجر .. المغتربون ليسوا مكسر عصا .. مازن عيسى – الصفحة الشخصية ..

midline-news .. الوسط ..

 

لم أكن أتخيل عندما ركبت أول طيارة في حياتي سنة /2006/ ، أنه سيأتي اليوم الذي تكون فيه تسمية (مُغترب) وصمةَ عار و”مـسـبـة”، رغم ان اغترابي كان للالتحاق بعملٍ طالما حلمت به ، بعد أن عجزت عن تأمين فرصة عمل في سوريا ، وكنت أتوقع انه بخروجي سوف يخرج شخص من منافسة محمومة للبحث عن عمل ، يعني (واحد راح من الطريق).

أربعة عشر سنة قضيتها من بلد إلى بلد ، لم يمر علي صيف لم أقضِه في سوريا ، ورغم الحرب والضرب ، قررتُ مع كثيرٍ من المغتربين أن لا نتخلى عن زيارة بلدنا، صحيح اننا لم نعاني من ويلات الحرب ونعايشها إلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، لكن هذا لم يمنع ويلات الحرب من الوصول إلى أهلنا وإخوتنا ، وفقدنا فيها أحباباً ، كل هذا لم يمنعنا من زيارة بلدنا سنوياً ورفده بكتلة مالية لا يُستهان بها ، فبحسب تقديرات الإحصائيين ، يرفد المغتربون الاقتصاد السوري بـ 19%؜ من القطع الأجنبي ، وهذا يفوق ما يقدمه القطاع الصناعي بأكمله ، والذي يقدر بـ 18% ؜، ولعلمكم ، لا يوجد مغترب إلا ويقوم بدعم إخوته وأهله شهرياً بمبلغ مالي ، ليخفف عنهم عبء المعيشة ، ثم تأتي أزمة كورونا لتفضح المستور في النفوس الضعيفة ، وتحاول حِرماننا كمغتربين من الخيط الرفيع الوثيق الذي يربطنا بالوطن .

كنا نشاهد في دول الاغتراب تهافت وانتظار أهالي كل بلد على عودة أبنائهم العالقين في الخارج ، وتسخير كل إمكاناتهم لهذه العودة ، وليس من العدل أن نقارن هذه الإمكانات بإمكانات بلدنا المتواضعة بعد حرب العشر سنوات ، انتظرنا طويلاً ونحن نرى كيف يقوم المسؤولون يومياً بالطواف على المحاجر ، والتأكيد على جاهزيتها بأعلى معايير الخدمات ، وكل وزير أو مسؤول يتفنن بأخذ صور استعراضية وهو يعاين مخدات وأسرة الفنادق ، وتوالت التصريحات عن تجهيز /19/ محجراً في مختلف المحافظات ، تتسع لـ /10/ آلاف وافد ، وهو رقم مُقارب لعدد من طلب العودة ، حسب إحصائيات السفارات السورية ، ثم كرَّت سُـبَّـحـةُ الاستقدام ، مع استغرابنا تفضيل بعض الوجهات ذات العدد الأقل مثل الإمارات العربية المتحدة على وجهات أخرى أكثر طلباً للعودة ، مثل الكويت التي لم تُـسـيِّـر سوى طائرة واحدة ، شاهدنا بفخر واطمئنان كيف تم استقبال أول طائرة من الإمارات في فندق صحارى ، وكيف فرشو لهم الأرض بالورود ، و”دلعوهم أخر دلع” ، وعرفنا انه تم أخذ مسحات طبية لهم ، وتم فحصهم وتخريجهم بعد أيام قليلة ، رغم مخالفة هذا لكل بروتوكولات منظمة الصحة العالمية التي توصي بالحجر لمدة أسبوعين وعزل المسافرين عن بعضهم ، هنا بدأ الفار يلعب في عبنا ، وتوالت المخالفات للفريق المكلف بوصول الطائرات ، وحُشرَ المسافرون مع بعضهم البعض في باصات النقل ، وتم تكديسهم في غرف تفتقر إلى أدنى قواعد العزل ، مثل تخصيص حمامات مستقلة .

وتتابعت الأخبار التي تصل من المحاجر عن انزعاج النزلاء ، وعن “خيار وفقوس” في ألية أخذ المَسحات ، وتسريح المسافرين المخالف لكل إجراءات السلامة ، ولعلمكم يا سادة ، فإن الإجراء المفروض هو عزل المسافرين عن بعضهم عزلاً تاماً ، ثم أخذ مسحات أولية لهم بعد 5 أيام ، ثم فرز المصابين والمخالطين لهم ، مع التأكيد على استمرار عزل البقية ، ثم إجراء فحص ثانٍ بعد مضي /14/ يوم ، والذي على أساسه يتم تخريج المسافرين ، وهذا لم يتم أبداً ، مما يضع علامة استفهام كبيرة ، ربما سنفهم مغزاها في القريب العاجل .

تم تأكيد إصابات كثيرة في طيارة الكويت ، ومع ذلك ، استمر خلط النزلاء مع بعضهم البعض ، واستمر تخريج أصحاب المَسحات السلبية قبل إتمام فترة الحجر ، وهذا مخالف لأدنى قواعد السلامة ، واحتمال حملهم للفيروس كبير جداً.

تابعنا بحرقة تصرفات بعض الغوغاء من النُزلاء ، مثل رمي الطعام ، والاعتراضات غير المقبولة منهم على إجراءات العزل ، وأيضاً تابعنا بغصة أكبر ، تعاطي الإعلام مع هذه الظاهرة الفردية ، ومحاولة الفضائيات الوطنية تلطيخ صورة المُغترب ، ولا يخفى عليكم تقارير الإخبارية السورية عن حادثة رمي الأكل ، واستطلاعات الشارع عن الحادثة ، وسؤال المواطنين والمشايخ عنها ، ولم يكلفوا أنفسَهم عناء سؤال من قام بهذه الأعمال ، رغم ان محجر المزة لا يبعد سوى بضعة أمتار عن مبنى التلفزيون ، لم يسألوهم عن واسطات التخريج !! لم يسألوهم عن سوء تطبيق الحجر !! لم يسألوهم عن التكديس وقلة المسحات وسوء العناية وتفاوت الخدمة في المحاجر !! ، بل استخدموا حادثة الأكل لتكون شمّاعة يعلقون عليها فشلهم ، وتبجحوا بأن مطلب المحجورين هو الخروج من المحجر (وهذا ليس صحيحاً) ، وساندهم في ذلك “جيش” من المراهقين الفيسبوكيين الذين يعتقدون ان البلد ملكهم ، وتابعنا من أول يوم تعليقات سخيفة ، وسب وشتم لكل مغترب قرر العودة ، ويمكنكم مراجعة أي “بوست” على صفحات الفيسبوك يخص الموضوع لتشاهدوا حجم الكارثة والانحطاط الأخلاقي لبعض التعليقات ، والطامة الكبرى ، ان ذلك امتد ليصل الى بعض المثقفين المفروض انهم يمتلكون قدر اكبر من الوعي والتقدير السليم ، ووصل الأمر إلى تغريدات لبعض الأطباء الذين يعتقدون انهم وطنيون.

كمية مهزلة كبيرة شهدتها صفحات الفيسبوك ، تجعل كل مغترب يفكر بالعودة إلى وطنه أن يكفر بكل هذه الإجراءات الحكومية، ويغير رأيه، أنا لا أعتقد ، بل أجزم ، أن معظمنا عَـدَل عن فكرة العودة ، ولعلي أكون مخطئاً بأن ما حصل يبدو أنه مدروس وحقق غايته.

المغتربون الذين طالبوا بالعودة يا سادة ليسوا شركاء البغدادي ، وليسوا هاربين من الدولة ، فهؤلاء لم ولن يفكروا يوماً بالعودة، من قرر العودة هم إخوتكم الذين قرروا أن يعيشوا معكم ، ويساندوكم في محنتكم المعيشية، وتشهد على ذلك محتويات حقائبهم ، الأن ، وبعد ماحصل ، أستطيع التأكيد انكم خسرتم معظمهم .

حفظ الله من في سوريا ، والله يستركم من تفشي المرض بعد كل هذه الإخفاقات ، وليستمتع كل من طالب بعدم عودتنا ، كمغتربين ،بالنصر ، فهذا ما تحقق بعد وقف الرحلات.

الأن ، وبعد كل ما حصل ، أدعو كل من هو مسؤول عن هذه القضية إلى إعادة النظر في كل خطوة ، ونحن من أول يوم كانت مقترحاتنا ان تكون كل تكاليف النقل والحجر على عاتق المغترب ، ولا نريد منكم سوى موافقة على هذا الإجراء الذي لن يكلف الدولة ليرة واحدة ، ونجدد الأن طرحنا بأن تكون تكاليف العودة والحجر في فنادق تضمن العزل ، وتكاليف المَسحات والفحوصات وفوقها حبة مسك ، شرط أن تكون كل الإجراءات مدروسة ، وتُرضي أهلنا في الوطن ، فنحن لا نريد بعد كل هذا أن نمشي وأعين الناس تراقبنا ، وتتهمنا بالعمالة !! ، وتكليف الدولة أعباءً إضافية، ونشر الوباء في سوريا.

للحديث بقية .. ودمتم ..

المغترب مازن عيسى ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى