إضاءاتالعناوين الرئيسية

بحثاً عن القارئ التفاعلي.. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

.

ما تُحيلُ إليه نظريات القراءة، كما نظريات التلقي وسياقاتها التاريخية وتطوراتها في حقولها النظرية والإجرائية، هو البحث عن ماهية قارئ سيشكل بمستوياته التي عرفها النقد وبشّر بها حافزاً للنص، بل لعله أكثر الحوافز إثارة لا سيما في عصر وُصف بأنه عصر رقمي، عصر التفجر المعرفي والصورة الإشهارية وهدم الحدود بين المتخيل والواقع، لكن في مؤسسة القارئ  -إن جاز التعبير والاصطلاح- سيبدو النص أيما نص في الفنون أو الآداب حقل شاسع لتشكيل وعي القارئ، وهو من سيضيف إلى النص أبعاده واحتمالاته الجمالية على الأقل.

ذلك أن الجمال قد أصبح قدراً مشتركاً وهاجساً عضوياً عند من يتنكبون الكتابة كما القراءة، وفي وعيهم أن ذلك القارئ الضمني ليس كاتباً افتراضياً بصرف النظر عما افترضته -النظريات-  بل هو الكائن المؤول المتعدد المستويات والطبقات والإحالات، بدالة الثقافة المركبة والعميقة في تلقي فنون الإبداع، فعلى كاهله يقع عبء تشكيل النص إذ النص هنا مشروع مفتوح ولا يمكن الجزم أبداً في نهايته المطلقة، فالرواية هي روايات والقصيدة هي قصائد، والسيمفونية هي مجمع سيمفونيات، لماذا يظل الكاتب في إثر نصه وهو قارئ أول بالضرورة… ببساطة لأنه يحتاج قارئاً مختلفاً يخلصه من سلطة -أناه- وحيازته الكاملة للكتابة، والقارئ التفاعلي بهذا المعنى هو قدر النص كما هو قدر صاحبه، القدر الجميل بامتياز على الرغم من الحاجة إلى الاختلاف والتمايز والبحث عميقاً عن تلك الدالات المشتركة التي تقوم عليها مؤسسة الكتابة، إذ لم يعد السؤال مجدٍ اليوم لكاتب ما، لمن تكتب إذا قال أكتب لنفسي، بل سيقول موارباً أنني أكتب لآخر ربما كان هذا الآخر هو ذاتي والآخرون، عطفاً عما قاله بول ريكور من أن الذات عينها كآخر، وقد سبقه محي الدين بن عربي في (فصوص الحكم) في  تفصيله لتلك العلاقة الجدلية التي تنهض عليها مغامرة الإبداع وغريزة المعرفة، محكومةً بأبعاد سيكولوجية/ معرفية، ذات سياقات تاريخية دالّة.

القارئ التفاعلي مستوى من قراءة تقوم على تحديث التفكير وأسلوبه وخطاب طريقته، بما يضايفها من تعبيرات تقوم على معايرة الشغف الخاص وربما الكلي، الذي يدفع بهذا القارئ إلى أن ينتخب نصوصه بعيداً عن عصف الانطباع، لأن الانطباع –على أهميته- هو شرارة الاحتكاك مع المنجز الإبداعي أي كان تصنيفه، ولعله صورة مشتهاة لقارئ جمعي يتعدد بتعدد أدواره، ونذهب إلى احتمالات وجوده الممكنة في ضوء ما يقصده النص قبل صاحبه، وتلك حقيقة أصبحت قارة في الدرس النقدي اليوم وبمآثر المشتغلين به ممن يذهبون إلى تنمية الحس الجمالي بالكلمات والأشياء، والوقوف على بلاغتها الجديدة، بلاغة الحياة في تواتر فصولها ومرايا خصبها  الأثيرة الأكثر قدرة على منح التأويل تلك الأبعاد الثاوية في النص وبثها على سطح الوعي كتجليات حارسة للإبداع، لندرك ماهية القول بالإبداع الخالد والعابر لأزمنته وأمكنته، والقابض على جمرة الإبداع، تلك الجمرة الطيبة بكثافة نورها الذي لا تبدده عتمة مستبدة، قالت:
إن زمن القراءة انتهى، ومعها بات من التندر القول بموت القارئ، أشتق كمعاصر من هذه البيانات المتعجلة رغم زمنيتها المفتوحة بتغير أنماط وعادات القراءة وسلوك القارئ المتغير أيضاً، والذي يظل أيقونة الكتابة، الثاوية في لا وعي الكتّاب والمبدعين، فأن يتفاعل القارئ مع النص ، هو أن يعيد له دورة الحياة وهنا دلالة الخصوبة والتخصيب التي تعني الحياة أيضاً، ومنطق أشياءها الأكثر اتساقاً مع وحدة الوجود.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق