إضاءاتالعناوين الرئيسية

بحثاً عن العمق .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

 
ثمة من يشكو الكتابة هذه الأيام فلا هي ظل مضيء لأرواح كتابتها، ولا همس نجيب تجود به الرؤيا، هذا إذا استثنينا تلك القلة النادرة التي تبرع في الظل والأثر. وعادة ما نقول: إن أمرأً لا يحسن طعامه وشرابه، تتراجع صحته لأدنى مستوياتها، ناهيك بذاكرته التي تتراجع هي الأخرى، لتأخذه إلى حال سوريالي مشبع بأعاجيب اللغة وصورها المجففة. ترى هل يصدق ذلك المثال على تبسيطه المقصود على حال الأدب و(مقترفيه) واللائذين به والمتسكعين في أرصفته، وعجّانيه ومقامريه وو…؟!
ومن ثم ما الهاجس الذي سكن قلم كاتب من أمثال باتريك زوسكند ليلبسه لشخصية قامت بدور الناقد على قصة كتبتها مسكينة بحثت عن غصن لها في شجرة الأدب، وحلمت بنسب بريء لعائلة الكتابة. كما لازمته تتواتر كلما عرض النص يقول لها: (يفتقر إلى العمق)، وكتبت من جديد، عله يغير حكمه القاسي بحكم مخفف آخذاً بالحسبان حالتها من سهر وقلق ومحاولة، وحلم وشغف بالرضا، محاولات لم ترضِ الناقد نفسه، الذي استنفد من لغته كل الكلمات ما عدا: الافتقار إلى العمق، وهذا الحكم غير القابل للطعن أو الاستئناف، أو المزيد من المداولة والفحص والإحاطة، واستبعاد شهود الزور. قد جعل من الكاتبة المسكينة ضحية فكرة قلقة دفعتها للانتحار أو لمحاولة الانتحار، كأنما تلبّسها قدر تراجيدي على نحو، لا تستطيع الفكاك منه، وهل بانتحارها مثلاً يصبح لنصها عمق هي لن تدركه بعد؟!
ليعود الناقد معللاً (موتها) بجملة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تفتقر إلى العمق أيضاً!
فهل يصدق على كثير من النصوص غياب العمق وتوسلها اللغة لذاتها، لن نستبق الأمور لنعلل ذلك الغياب بنقص التجربة مثلاً، كما غياب الرؤية وهشاشة الأدوات، لا نعتقد هنا أن استعادة ثوابت ومتغيرات الدرس النقدي كافية في هذا السياق، وليس من المجدي كذلك إلقاء اللوم على وقائع حياتنا التي تكاد تخلو من العمق وتنتصر للهشاشة. وبطبيعة الحال فإن النص الأدبي سيكون مرآة، سواء جاءت مقعرة أم محدبة فسيان، لكن المعضلة في جوهرها، أن ثمة نصوصاً تراوح ما بين (الغربة واليتم) رزحت تحت مفارقة غريبة، فإن ذهبت إلى الواقع ظناً منها أنها تضيف إلى الواقعية أو تجترح واقعية جديدة، فهي من حيث تعلم أو لا تعلم تفترق عنه، لأنها لا تستطيع تجاوز متخيلها الخاص الذي يسقط رغبات ما على الواقع، وإذا ذهبت للتخييل، ضاعفت جرعة الاغتراب برغبة خفية في إنشاء وقائع جديدة.
العمق.. ربما كان أطروحة فلسفية جمالية، أكثر منه تصنيفاً نقدياً ناجزاً يأخذك لتقرأ في النص ثقافة عميقة أكثر منها أخلاطاً لغوية لامعة!
ثقافة مشبعة بقضية وموقف، وذهاب لما وراء التخوم، واستبطان للألم الإنساني كي تكون أرض النصوص صلبة بما يكفي للوقوف عليها، وليست سطوحاً لزجة سرعان ما تلقي أرضاً مرتاديها. وعلى الأرجح لن تمنحنا حياتنا المعاصرة بسرعتها وكثافتها، الوقوف عند القضايا البسيطة فحسب، حسبها أنها تأخذنا إلى ما هو مركب ومعقد ويحتاج إلى البصر والبصيرة في آن معاً، لنضيف إلى الحياة، أو تضيف إلينا رؤيتها ما يعين على ثراء الكتابة وفعلها عبر الزمن. ولذلك بوسع الذاكرة الأدبية أن تستعيد الكثير من الأعمال الأدبية، التي نتنفس حياتنا عبر شخصياتها، وتغدو مقولاتها عناوين فارقة للحظاتنا الإنسانية، سواء من خلال موروثنا الأدبي، أو الموروث الإنساني العالمي، بعيداً عن جغرافيته الضيقة، نحو جغرافيا الفكر الطليق وموضوعاته الخالدة عبر الزمن.

فالعمق هنا، هو فعل صيرورة ابتكار وتغير وصعود في طبقات الذات الإنسانية، وتحري مكامن العطالة، واستشراف لمكامن الجمال، لإعادة بناء الحياة. هل يمكننا أن نتساءل عن ماهية عودة الشذرات والتأملات الملونة، لإعلاء شأن الذات؟ هل هو بحث عن العمق، كما لو أنه (أحجية ميتافيزيقية)؟ لكننا سنزعم أنه موجود بنسبية الحياة قبل الكتابة، ونسبية النص ذاته. ذات يوم قال نيتشه: هدفي أن أقول في عشر جمل ما يقوله غيري في كتاب، وليست المعجزة في أن نلتقط الأصداف المنثورة على الشاطئ، هي المعجزة في أن تجدها في العمق، لتجتاز مسافة من ألم وأمل ومعاناة وصبر، أن يكتبك النص ولا تكتبه، ذلك هو العمق الذي يقود حافلة الكلام دون (ركاب) إضافيين قد يعطلون سيرها، أو أن تقف على جانب الطريق مكابدة (سكتة) مرورية طارئة!

 

 

*كاتب وناقد- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق