إعلام - نيوميدياالعناوين الرئيسية

باتكا يتبادل النعوت مع مواطنيه!

لا تلوح في بيلاروس، علامات تسوية سياسية بين الكسندر لوكاشينكو، والمعارضين المحتجين على الولاية السادسة، للرئيس البيلاروسي، الذي خسر لقب” باتكا” بمعنى” الأب القائد” ليصبح مجرد” ساشا “بعيدا عن الكلفة، واختصارا لاسم الكسندر.

وإذا كان “الباتكا”، تخيل أنه سيحظى بعطف الشارع، حين خرج على المتظاهرين، حاملا كلاشنيكوف منزوع الرصاص، معيدا إلى الأذهان مشهد سلفادور الليندي في تشيلي، قبل أكثر من نصف قرن، فإن الحركة غير الموفقة،أفقدت حلاب الأبقار، تعاطف بعض أنصاره، الذين قد يوافقونه بأن الاحتجاجات تهدف الى زعزعزعة الاستقرار في الجمهورية السوفيتيّة السابقة، التي نجت على مدى ربع قرن وينيف من جوائح ثورات ملونة، عصفت بغالبية الجمهوريات الآسيوية السوفيتيّة السابقة. ويلوح اليوم أن الشرر كان يسري تحت نظامها المتخشب.

لقد أثار الظهور الغريب للباتكا مع أصغر أنجاله “كولا” مختصر اسم “نيكولاي” البالغ 15 عاما، عاصفة من التعليقات الغاضبة الممزوجة بالسخرية.
فالقائد الشيلي الليندي، حمل الرشاش دفاعا عن النفس في مواجهة انقلابيين اقتحموا القصر الرئاسي في سانتياغو مدججين بالأسلحة، فيما طائرات بينوشيت تسقط حمم قنابلها على الرئيس الطريد.

وبغض النظر عن الفارق الزمني، والاعتباري، واختلاف الوضع الدولي والإقليمي، فان “ساشا” ونجله” كولا” ظهرا وكأنهما يبارزان طواحين على طريقة دون كيخوته في رواية سيرفانتبس الشهيرة.
المتظاهرون لم يحملوا سلاحا، ولم تبدو علي سلوكهم مظاهر عدوانية، تشي بنوايا

حرق أو تخريب أو اقتحام القصر الرئاسي وإسقاط الرئيس بالقوة .
وشاعت على مواقع التواصل نكتة مفادها أن خبراء السياسة المرافقين للرئيس لوكاشينكو، حين سألهم المشورة، هل ظهوره بالرشاش مفيد، أجابوه بصوت واحد: نعم هكذا فعل جيفارا!

ومعنى الطرفة أن “باتكا” يأخذ الشور من رأس الثور!
واضح أن مسلسل الأخطاء التي ارتكبها لوكاشينكو قبل وأثناء وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كشف عما كان يعتمل في المجتمع البيلاروسي، المعروف عنه الدعة والهدوء.

ويعتبر أكثر شعوب الاتحاد السوفيتيّ السابق، تضحية في الحرب العالمية الثانية، حين أحرق النازيون أكثر من 400 ألف قرية وبلدة بيلاروسية، لأنها كانت ساحة لحرب الأنصار في مواجهة الاحتلال الألماني، الأمر الذي يفسر النقص الحاد في السكان، إذا لا يتجاوز نفوس البلاد العشرة ملايين، حتى بعد مرور عقود على “الحرب الوطنية العظمى”، التوصيف الروسي للحرب العالمية الثانية.

قبل الانتخابات، اعتقل لوكاشينكو مرشحين معارضين، ومنع آخرين من الترشح، وأجبر مرشحا بارزا على اللجوء إلى روسيا، وفِي نفس الوقت اعتقل مجموعة من عناصر شركة “فاغنر” الخاصة للأمن الروسية، وصلوا الى مينيسك، بتهمة التحضير لأعمال تخريبة عشية الانتخابات.

ومع أن لوكاشينكو، لم يتهم مباشرة السلطات الروسية بالوقوف وراء ما وصفه ” التحضير لانقلاب”، إلا أن اعتقال عناصر “فاغنر” والإعلانات الرسمية المرافقة على لسان “باتكا” ومساعديه، عمقت الجفوة بين الكرملين ومينيسك على خلفية سلسلة من الاخفاقات في عمل الهيئات الوحدوية بين الشقيقتين السلافيتين الأكثر قربا وقرابة من بقية الشقيقات السوفييتيات السابقات.

وحتى إطلاق سراح عناصر “فاغنر” دون إسقاط التهم عنهم، فسر على أنه استجداء دعم للرئيس البيلاروسي في مواجهة الاحتجاجات المتفاقمة والآخذة بالاتساع، وتدخل شهرها الثاني قريبا.

يلوح أن تزويرا كبيرا شاب الانتخابات الرئاسية، في غياب مصادر محايدة، وأن باتكا بالغ في تقدير مدى شعبيته، وأعلنت لجنة الانتخابات البيلاروسية عن نسبة تزيد على ثمانين بالمئة لصالح لوكاشينكو، فيما يقول منافسوه إنه لم يحصل في الواقع إلا على أقل من عشرة في المئة.

وربما كانت التظاهرات المنددة بالنتائج الرسمية المعلنة للاقتراع، ستخفت تدريجا، كما في مرات سابقة، لولا العنف الذي جوبهت به من قبل أجهزة الأمن والشرطة، والضرب العشوائي وتعرض متظاهرين إلى عمليات تعذيب تركت أثارها على الأجساد وصارت مادة للإعلام الباحث عن ثغرة في بيت باتكا من خيوط العنكبوت.

كان لوكاشينكو، رمم علاقاته مع الغرب، على حساب مبتعدا عن روسيا، وفِي نفس الوقت حافظ على علاقة عملية مع أوكرانيا، التي تحولت الى محطة معادية لروسيا في القطار العاطل لاتفاقيات الشراكة ببن بلدان المنظومة السوفيتيّة السابقة.

ولم يعترف لوكاشينكو بانضمام القرم الى روسيا، الأمر الذي كان ينتظره الكرملين، عدا عن ذلك، فان بعض المراكز المالية الروسية المعرفة بالاوليغارشية، يسيل لعابها على خصخصة مؤسسات إنتاجية مهمة في بيلاروسيا وفرض هيمنتها في مجال الطاقة على الشقيقة الصغرى.

وإلى ما قبل الأحداث الأخيرة، لم تبد وسائل الإعلام الممولة في روسيا من قبل تلك المراكز المالية أي تعاطف مع لوكاشينكو، بل تبنت إلى حد معين خطاب معارضيه.

ولم يحدث التحول، إلا بعد تهنئة بوتين لنظيره البيلاروسي، بالفوز بولاية سادسة، وحديث الرئيس الروسي المتواتر عن أن الجارة السلافية، تتعرض إلى محاولات من الخارج تهدد أمنها، وأن روسيا جاهزة لإسداء العون عند الضروة وفقا لاتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين موسكو ومينسك وفِي ضوء اتفاقية الأمن المشترك لعدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة مع روسيا وبضمنها بيلاروس.

وإذ يستبعد المراقبون، تدخلا عسكريا روسيا مرتقبا في بيلاروس، فإنهم يؤكدون بأن الكرملين لن يفرط بالحليف المقلق وغير الثابت لوكاشينكو، وفق قاعدة أهون الشرين.

والى الآن لم تصدر عن قادة المعارضة البيلاروسية تصريحات تنم عن موقف عدائي إزاء اعتراف الكرملين بفوز لوكاشينكو، لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أخذ على ما أصبحت بحكم الضرورة زعيمة للمعارضة سفيتلانا تيخانوفسكايا(37 عاما)، المقيمة حاليا في فيلنيوس، عاصمة ليتوانيا، أنها تفضل الحديث باللغة الانجليزية لمخاطبة الغرباء.

واعتبر الوزير ذلك دليلا على تلقي خصوم لوكاشينكو دعما من الخارج.
وكان الاتحاد الأوربي رفض الاعتراف بشرعية نتائج الانتخابات الرئاسية في بيلاروس داعيا الى إلغائها، وإلى الحوار بين المعارضة والنظام.

يرفض لوكاشينكو مقترح إلغاء نتائج الاقتراع، وإجراء انتخابات جديدة، يشارك فيها المرشحون القابعون في السجون وفِي مقدمتهم سيرجي تيخونوفيسكي، زوج زعيمة المعارضة سفيتلانا التي أعلنت أنها سوف لن تترشح للانتخابات المزمعة في حال حصولها.

ولا يمنع ما يعرف” المجلس التنسيقي” للمعارضة لوكاشينكو من الترشح مرة أخرى، على أساس متكافئ مع المرشحين الآخرين. لكن باتكا، اعتبر المجلس خارجا عن القانون ووضع أعضائه تحت المسائلة القضائية باعتباره نشاطهم انقلابيا مخالفا للدستور.

إن كل ظهور مع رشاش كلاشنيكوف، يترافق مع إطلاق لوكاشينكو زخات من النعوت على المحتجين، فبعد أن كان يصفهم بالمخدوعين” القشامر”، صاروا
“جرذانا” ثم حولهم “خرافا” دون أن تلوح في الأفق علامات تصالح بين الشارع المحتج، و”الأب القائد” الذي مر بالأمس عيد ميلاده السادس والستين دون احتفالات عهدتها السنوات السابقة.

فلم يقم بزيارة مسقط رأسه في بلدة كوبيس كالعادة، حيث كان يساعد أمه الحلابة في مزرعة الأبقار الحكومية.

كان لوكاشينكو تلميذا صعب المراس الى ان تخرج في معهد التاريخ معلما. وخدم في قوات حرس الحدود التابع لجهاز أمن الدولة السوفيتيّة ( كي جي بي)
وترقى في سلم المناصب الحكومية والحزبية حتى انهيار الاتحاد السوفيتيّ، ليدخل معترك المنافسة الانتخابية في جمهورية بيلاروسيا التي أصبحت تسمى بيلاروس بعد خروجها من الأسرة السوفيتيّة المفككة.

عام 1995 فاز باتكا بأعلى الأصوات، وحقق لبلاده نتائج اقتصادية، بدت ملفتة على خلفية الخراب الذي حاق بدول المنظومة السوفيتيّة السابقة، وحافظ على تقاليد الحقبة البائدة وعلى الكثير من عناصر رأسمالية الدولة.

ومع توالي العهدات الانتخابية، واضطراب العلاقة، مع موسكو، والتأرجح بين روسيا والغرب، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، بدأت الأرض تميد تحت أقدام الرئيس البيلاروسي الذي تحدث يوما عن طفولته القاسية قائلا:
كانت والدتي تنقدني خمسة روبلات بعد يوم حلب شاق. فكنت اشتري بكل المبلغ مثلثات البوظة المثلجة والتهمها جميعها، ولا أشبع!

فهل حان للباتكا ساشا وقت تذوق علقم التنحي عن السلطة؟
سلام مسافر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق