رأي

اليمن .. في زمنِ الكوليرا .. نبيل القانص ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

في اليمن الذي يقترنُ اسمه اليوم بأكبر كارثةٍ إنسانية في العالم، تتزاحمُ المآسي والكوارث على جغرافيته، في الشمال عدوان عسكري وقصف جوي لا يتوقف وحصار مطبق يسعى إلى التضييق على اليمنيين في سبل عيشهم وحياتهم الاقتصادية، وتفقير وتجويع ممنهج، واحتلال في جنوب البلادِ وسجون سرية، كل ذلك يستهدفُ كرامة وعزة اليمنيين وتمزيق نسيجهم الاجتماعي.

لعل أبرز ما يهدد حياة اليمنيين دون تمييز أو مراعاة هي الأوبئة والأمراض التي تسبب بها العدوان والحصار واستخدام أسلحة محرمة دولياً وإنسانياً، ما تسبب بانتشار أوبئة فتاكة مثل الكوليرا والدفتيريا وانفلونزا الخنازير وغيرها من الأمراض التي قتلت الكثير من أبناء الشعب اليمني المحاصر والممنوع من دخول العلاج والأدوية إليه.

حالة الحصار التي يعيشها اليمن خصوصا الأجزاء الشمالية منه هي الشبح القاتل، فمنع دخول السفن المحملة بالمشتقات النفطية من قبل تحالف العدوان السعودي يخلق كارثة صحية أخرى هي تعطل أجهزة الغسيل الكُلوي في كل مراكز غسيل الكُلى في البلد المطوقِ بسياج الحقد السعودي، فضلاً عن ما يسببهُ الحصار من مشاكل نقص الأدوية الخاصة بأمراض السرطان والسكري واللوكيميا الذي يهددُ بحصادِ أرواح أكثر من 500 طفل يمني في حال استمرار الحصار الظالم.

وباء الكوليرا في موجاته المتتالية، يشكل تهديداً كبيراً لحياة اليمنيين، فمن جديد يطرق هذا القاتلُ كل الأبواب ويزرعُ مخالبه في أرواح الأطفال والشباب والشيوخ والنساء، نتيجة استمرار العدوان والحصار، فالكثير والكثير يموتون ليس بسبب المرض فقط… لكن منهم من لا يجد القوت ولا المال الذي يوصله إلى أحد المصحات أو المراكز الطبية.

كارثة أكبر من التصورات والعواجل والأخبار وتقارير المنظمات الدولية التي لا تقدم ما يجب عليها تقديمه في مثل الظروف التي يعاني منها شعب اليمن، ولم يلمس أحدٌ منها جهداً للضغط على دول تحالف العدوان من أجل إنهاء الحصار وإيصال الدواء والمشتقات النفطية وتحييد الاقتصاد بعيداً عن الصراعات والحروب، بل مازالت في خانة المتفرج على سحق اليمنيين واستخدام السلاح المحرم والقنابل العنقودية وغيرها في قتلهم.

كم سيظل يمن الحكمة يئنُ ويصرخُ من جراحه الغائرة، في ظل زيادة كبيرة -يتوقعها الخبراء- في عدد حالات الإصابة بالكوليرا خلال الأسابيع والشهور القادمة، نتيجة الأمطار الصيفية وارتفاع درجة الحرارة وعدم القدرة على إصلاح ما تم تدميره من المرافق والبنى التحتية.

ماذا ينتظرُ اليمنُ من إنسانية تتحدثُ بالتفصيل عن معاناته وتحدد كل الإحصائيات المتعلقة بمآسي ذلك البلد، وربما تسبقُ المتحدث باسم وزارة الصحة اليمنية لتخبرك بأن حالات الإصابة بالكوليرا منذ الأول من يناير/ كانون الثاني 2019 وحتى اللحظة بلغت أكثر من 471 ألف حالة إصابة واشتباه، لكنها لن تصرح وتكشف عن أسباب الوصول إلى هذا العدد الهائل، ولن تؤكد بأن السبب هو تركيز دول تحالف العدوان على تدمير مصادر مياه الشرب والصرف الصحي، ما أدى إلى اختلاط نسب كبيرة من مياه الشرب بالصرف الصحي، ليكون نصيب الطفولة في عدد الإصابات والاشتباه بالكوليرا متجاوزةً لـ 200 ألف حالة…. الإنسانيةُ اليوم هي مجرد عنوان للمتاجرة بآلام الشعوب. كيف الخروجُ من زمنِ الكوليرا إلى زمن النجاة، ولا طوق نجاةٍ يُرمَى إلى الغرقى المساكين، فالأرقام المهولة والمتزايدة للمصابين بالمرض تواجه عدة مشاكل منها نقص -إن لم يكن انعدام- المحاليل الخاصة بمكافحة المرض، وانعدام الأخلاق عند العدو الذي يحكم حصارهُ ويجعل البلد سجناً كبيراً فيه كل أسباب الموت والهلاك، كما أنها تواجهُ انعدام وموت الشعور الإنساني في هذا الكوكب. أزمةُ الضمير العالمي والإنساني جعلت دول تحالف العدوان السعودي تستمرئ قتل الأطفال والأبرياء بوسائل متعددة أبرزُها القصف المباشر بغارات الطيران، وأصعبها الآلام التي تقودهم إلى الموت بعد صراع مع الأوبئة والأمراض القاتلة .. وسط عالمٍ يمضي في طريق مصالِحِهِ ولا يخجلُ من التصفيقِ للقاتلِ بحرارةٍ … ومِن تجاهُلِ الضحيةِ ببُرُود.

نبيل القانص – اليمن
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق